كنا يومًا ذوي شأن عظيم، حماة ديار ورعاة سلام، أصحاب همة وذمة، نجوب الأرض تهليلًا وتبريكًا وتتسابق الدول لتنال من علمنا وفهمنا وذوقنا. كنا يوما نجلس في أعالي القمم، علومنا ممتدة إلى كل الخلائق والأمم، نصنع حبًا، نروي أرضًا، نغرس علمًا، ودينًا، وفنًا، وحضارة لاتهزم، فما لنا اليوم تحولنا إلى بعير أجرب تتحاشاه كل الخلائق وتتقاذفه البلدان؟! ما الذي صنع منا روبوتات شرٍّ تنشر الخراب أينما حلت؟! من جاب الأرض من أقصاها إلى أقصاها زارعًا في عقول البشر أننا غربانٌ سودُ ليس من وراءنا إلا الدمار والبشاعة والفظاظة؟!

من ذلك الإرهابي الذي نسف بفكره المسموم جلَّ الأرض مفجرًا نتن الشعب السوري حتى باتت الشعوب تضيق ذرعًا به؟!

 كل تلك الأسئلة وجل معانيها ستجد جوابًا واحدًا لدينا نحن السوريون «نحن شعب مظلوم وبقرةٌ وقعت فكثُرَ ذبّاحوها نحن شعب قدر الله له أن يقصف آلاف المرات إن كان في بلده أو في أي بلاد يقطنها»، سنسمع ذات اللهجة المكسورة والمهزومة وسنجد حسَّ الظلم العالي الذي يتمتع به الشعب السوري يتدفق من المقل قبل الحناجر، ومن القلوب الماسوشية التي عشقت ظلم نفسها بأيد غيرها.

«القدرة الإلهية، بشار الملعون، السياسات الدولية، عنصرية الشعوب، إرادة النظام السوري، حزب الله،روسيا، إيران، الثورة الفاشلة، داعش، الإسلام، الأكراد، وغيرها آلاف الذرائع التي سنقنع أنفسنا وبعضنا أنها الأسباب الحقيقية لكوننا بعيرًا أجرب! مئات الشماعات التي سنعلق عليها خيبتنا وهواننا واستحقار شعوب الأرض لنا أينما حللنا!

الأمر بسيط إذن! في كل مرة سنجيد الالتفاف على الواقع وتورية الحقيقة الجلية مقنعين أنفسنا أننا نستطيع إخفاء ضوء الشمس وراء أصابعنا المرتجفة والهزيلة. وفي الحقيقة أن «دود الخل منه وفيه»!

صدقوني كل السياسات والطوائف والدول لن تقنع رجلًا مسنًّا أن السوريين ليسوا سيئين جميعًا، وأن بينهم الصالح والطالح بعد أن أجّر بيته لسوري رأى منه ومن عائلته العجب العجاب، ولن تقنع الآخر أنهم سيئون إذا ما جلس السوري في ميكروباص باحترامه ولم يثر ضجة لا تنتمي إلى العنصر البشري بصلة، كل أديان الأرض وحتى الشعوب الملحدة والعلمانية لن تكره وجودك في بلدها إذا لم تنشر فيها القتل والاغتصاب والنصب والاحتيال. إذا دخلت مشفى تعالج فيه أمراضك ولم تحوله  إلى خانٍ وباب تجارة تحصّل منها الأدوية مجانًا وتخرج تبيعها في الأزقة والشوارع.

 حتى بشار نفسه الذي دمر بيوتنا وأخرجنا من أرضنا لم يكن ظالمًا لنا بقدر ما ظلمنا نحن أنفسنا، إذا كان بشار قد دمر منزلًا أقمنا فيه، فنحن دمرنا شعبًا وأوصلناه في نظر الدنيا كلها إلى الحضيض، إذا كان بشار قد طردنا من أرضنا عنوةً، وقصف أراضينا وانتهك حرمة بيوتنا فنحن طردنا أنفسنا من الكرة الأرضية برمتها بأفعالنا الدنيئة والبذيئة. قصفنا أي رحمة ورأفة، وانتهكنا حرمات الشعوب حتى بتنا جيفة لا يصدر عنها سوى النتن ولا حلَّ نافع معها سوى الرمي خارجًا!

هذه الحرب أظهرت كل إنسان على حقيقته وأثبتت لنا قبل العالم كله أننا شعب يستحق كل ما جرى له وأكثر! وصلنا لمرحلة أن نفقد احترامنا باعتبارنا شعبًا عريقًا يوصل للعالم انطباع العرب وأمجادهم الخالدة، بتنا نمشي في شوارع البلدان والدول بذلٍ وهوان ونسمع بآذاننا شتمنا واستهزاء الشعوب بنا. أصبحنا نرى الناس ترفض الحديث معنا، تأجيرنا بيوتها، أوحتى معاملتنا بإنسانية!

 وما خفي أعظم، والقادم أقسى وأشد!

أكثر ما يحزُّ في نفسي أننا نجهل أننا بتصرفاتنا هذه نكتب نهايتنا بأيدينا، ونقنع أنفسنا أنها تصرفات فردية في حين كل الناس ينظر إليها على أنها صورة منسوخة لكل سوري عاش وسيعيش في بلده حتى باتت المظاهرات الرافضة لوجودنا تنتشر كالنار في الهشيم في كل دول العالم، لا تقولوا لي أن الدولة رفضتنا!

الشعب من يرفض وجودك يا هذا والجاني أنت! أنت من جنى على نفسه وأهله وأبناء بلده، أنت من قصف بغبائه وهمجيته الرحمة في قلوب الشعوب حتى باتت تعاملنا كما الحيوانات ناسفًا بتهورك إنسانيتنا في نظر البشر. فارحم نفسك أيها السوري وازرع الحب لتحصد الحب، وارأف بحالك وحال أبناء بلدك وبناته وارسم صورة زاهية لهم بين الخلائق فأنت انعكاس لهم جميعًا.

كفاكم فسادًا في البلاد فقد طمى الخطب وغاصت القلوب بكرهنا حتى نفينا بفعلكم من شتى بقاع الأرض، ولا ترم باللوم على غيرك وخالقك، فخالقك لم يقدر حربًا عالمية عليك إلا من من صنع يديك، «وماظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»، وتذكر قوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، ارحم إسلامك وكفاك تنقل همجية دينك وإجرام تعاليمه حتى كرهت البشرية كلمة مسلم!

أعيدوا أيها السوريون صورة الجواد العربي الأصيل بعد أن حولتموها إلى بعير أجرب أشعثَ أغبر! وكونوا خير أمة أخرجت للناس تكن لكم الأرض ومن عليها رهن البنان والإشارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد