في هذه المقالة وما بعدها إن شاء الله فلن أسرد تفاصيل؛ لأن هذا سيؤدي لطول الكلام ليصل لمجلدات، ولكن سنعتبرها مفاتيح لفتح كثير من المواضع وللإرشاد لبعض القضايا، فلنناقش عددا منها.

١-وجود الإله هو أمر ضروري عقلي فطري

قبل الولوج في هذه النقطه جرّد نفسك من الهوي واتباع الآخرين وحكّم عقلك وفطرتك.

إن مصادر المعرفة ثلاث: العقل والحس والخبر. ومعرفة الله تتمثل في العقل والخبر الصادق؛ لأنه سبحانه وتعالي لا يمكن إدراكه بالحِس المباشر.

فالله عز وجل دعي للتفكر والتدبر لتصل إليه فقال ﴿أَفَلا يَنظُرونَ إِلَى الإِبِلِ كَيفَ خُلِقَت. وَإِلَى السَّماءِ كَيفَ رُفِعَت. وَإِلَى الجِبالِ كَيفَ نُصِبَت. وَإِلَى الأَرضِ كَيفَ سُطِحَت. [الغاشية: ١٧-٢٠].

أَوَلَم يَرَوا أَنّا نَسوقُ الماءَ إِلَى الأَرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعًا تَأكُلُ مِنهُ أَنعامُهُم وَأَنفُسُهُم أَفَلا يُبصِرونَ. [السجدة: ٢٧].

وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرضُ المَيتَةُ أَحيَيناها وَأَخرَجنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأكُلونَ. وَجَعَلنا فيها جَنّاتٍ مِن نَخيلٍ وَأَعنابٍ وَفَجَّرنا فيها مِنَ العُيونِ. لِيَأكُلوا مِن ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتهُ أَيديهِم أَفَلا يَشكُرونَ. سُبحانَ الَّذي خَلَقَ الأَزواجَ كُلَّها مِمّا تُنبِتُ الأَرضُ وَمِن أَنفُسِهِم وَمِمّا لا يَعلَمونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإِذا هُم مُظلِمونَ. وَالشَّمسُ تَجري لِمُستَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقديرُ العَزيزِ العَليمِ. وَالقَمَرَ قَدَّرناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالعُرجونِ القَديمِ. لَا الشَّمسُ يَنبَغي لَها أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسبَحونَ. [يس: ٣٣-٤٠]. وَفِي الأَرضِ آياتٌ لِلموقِنينَ. وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونَ. [الذاريات: ٢٠-٢١].

والآيات في ذلك كثيرة. فيتضح كما بيّنا أن الله دعي للتدبر والتأمل للوصول إليه. فهذه الدقة وهذا الإحكام فالخلق والتدبير تدل علي وجود الله وسويّ الفطرة هو الذي يقر بذلك، بينما من عَمتهم السفسطة والكبر لايقرون بذلك أبدا. وأن الصدفة يستحيل أن تصنع مثل هذا الصنع المتقن أبدا، فلا تقتنعي بكتابه روايه في غاية الحبكة الفنية ناتجه من جلوس قرد أو طفل رضيع يكتب ويلعب علي آله الكتابه، أو بظهور الرقم 2 من على النرد 100 مرة متتالية. فهذه سفسطة وحمق. (ولمزيد من التفاصيل ارجع لكتاب شموع النهار للشيخ عبد الله العجيري).

والأمر الثاني هو الفطرة فالإنسان مفطور على هذا بلجوئه لمن له الحول والقوة والتدبير فيدعوه ويشتكي إليه… إلخ. أما من فسدت فطرته فيناقش بالحجة العقلية حتي يرجع. وقد بين الخطاب الديني ذلك فقال عز وجل ﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تَبديلَ لِخَلقِ اللَّهِ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ. [الروم: ٣٠].
أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةًجَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟

ومن ضمن أمور الفطرة أيضا النزعة الأخلاقية والشعور بالغائية والإرادة الحرة، وكل هذه الأمور يتغاضي الإلحاد عن الإجابة عنها أو يجيب بإجابات غير مقنعة (يمكنك الرجوع لكتاب ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي للشيخ سلطان العميري لمزيد من التفاصيل في هذه النقطة).

٢- العقيدة في هذا الإله

أنه من أهم العناصر التي تميز الإسلام عن غيره وتجعل الناظر يتوقف عند جماله وتعظيمه للإله وتوصيفه بالكمال والإجلال والأسماء الحسني.

وتجد هذا جليا في القرآن الكريم من آيات جمة تمجد وتعظم وتنزه الله. فأعظم سورة التي تبدأ بحمد الله، ثم تصفه برب العالمين، وأنه مالك يوم الدين وتبين العلاقه بين العبد وبينه بأن لايعبد إلا هو، ولا يستعين بأحد إلا به. وكذلك أعظم آية وهي آية الكرسي التي تتعلق بالخالق أيضا، وكذلك السورة التي تعادل ثلث القرآن ويقول: قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَم يَلِد وَلَم يولَد. وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. كل هذا وأكثر في تعظيم الإله، وهذا ما لا تجده إذا نظرت في سائر الأديان (لأنك ستظلم الإسلام إن قارنته بهم).

ففي تراث اليهود يصفون الله بما لا يليق وصراعه مع البشر وهذا لا يخفي علي من يقرأ في العهد القديم. وبالنسبة للنصارى ففكرة غموض الإله والتثليث الذي لا يقبله العقل والفطرة أو يرتاح لهما، ووصف بأنه يأكل ويشرب وله ولد وأنه يُصلب.

وهكذا الحال إذا نظرت إلى البوذية والهندوسية والزرادتشية.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فبمعرفة الله بتوحيد الربوبية والألوهيه والأسماء والصفات يتجلي ذلك في تعبدك وخضوعك له. ومن ثم يرتاح الإنسان لمثل هذه التصورات، فلا يواجه إشكالات في هذا الأصل، فيؤمن بكل شيء ألزمه الله به فيعلم بأن الله عادل لايظلم أحد وقدير ورزاق وقوي وعزيز… إلخ، من الأسماء الحسني والصفات العلى.

٣-إدراك النظرة الكليه للإسلام

وهي أن تدرك نظرة الإسلام لكافة الأمور من الكون والحياة والدنيا والآخرة، والإنسان والغاية من الوجود والحكمة من الأوامر الشرعية وبفهم هذا التكامل تستطيع حل الكثير من الإشكالات حول الإسلام ومقاصده والفروع والأصول.

فيقول عز وجل: قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ. [الأنعام:١٦٢]

فالإسلام لم يأت فقط لتشريع خمس صلوات أو فرض زكاة أو صوم من الفجر للعشاء وإنما أتي لمقاصد أعظم وأجل وهذه الفرائض تؤدي إليه. وأقرأ هذا النقل (إن الإسلام وهو يتولى تنظيم الحياة الإنسانية جميعا لم يعالج نواحيها المختلفة جزافا، ولم يتناولها أجزاء وتفاريق وذلك أن له تصورا كليا متكاملا عن الألوهية والكون والحياة والإنسان يرد إليه كافة الفروع والتفصيلات ويربط إليه.

نظرياته جميعا وتفصيلاته وحدوده وعباداته ومعاملاته فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل ولا يرتجل الرأي لكل حالة ولا يعالج كل مشكلة وحدها في عزلة عن سائر المشكلات ومعرفة هذا التصور الكلي عن الإسلام تيسر للباحث فيه فهم أصوله وقواعده وتسهل عليه أن يرد الجزئيات إلى الكليات وأن يتتبع في لذة وعمق خطوطه واتجاهاته ويلحظ أنها متشابكة متكاملة وأنها كلٌّ لا يتجزأ وأنها لا تعمل عملا مثمرا للحياة إلا وهي متكاملة الأجزاء والاتجاهات.

وهذا النقل أيضا من كتاب العدالة المجتمعية في الإسلام (والتصور الإسلامي الصحيح لا يلُتمس عند ابن رشد أو عند ابن سينا أو الفارابي وأمثالهم ممن يطُلق عليهم وصف فلاسفة الإسلام ففلسفة هؤلاء إنما هي ظلال للفلسفة الإغريقية غريبةٌ في روحها عن روح الإسلام وللإسلام تصوره الأصيل الكامل يلتمس في أصوله الصحيحة القرآن والحديث وفي سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وسننه العملية، وهذه الأصول هي حسب أي باحث متعمق ليدرك تصور الإسلام الكلي الذي يصدر عنه في كل تعاليمه وتشريعاته ومعاملاته).

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد