مشهد عارض

“لم يجدْ مديرُ أعماله اليُهوديُّ سوى خاتمٍ ذهبيٍّ كطريقةٍ  بسيطةٍ يعبِّرُ بها المجتمعُ اليهودِيُّ لهُ عن بالغ الامتنان والشكر، يقولُ لهُ مديرُ أعماله إنَّ عبارةً من التلمود مَنحوتةٌ على الخاتم  مفادُها أنَّ منْ ساعد في إحياء نفسٍ واحدةٍ فكأنما ساعد الناس جميعًا، يبكي شيندلر ويقولُ بأنَّه يشعر الآن بالتقصير الشديد، لقد أنفق ببذخٍ طوال هذه الرحلة على أشياء غيرِ ضرورية، كان بإمكانه لو وفَّر ثمن العلامة النازيَّة ـ التي كان يضعها فوق كل بزَّاته ـ أنْ ينقذ نفسًا يهوديًّة أخرى، ربما نفْسين، ثلاثة”.

لا تملِك وأنت تشاهدُ الفيلم العالميَّ Schindler،s List الذي تم إنتاجُه في عام 1993 إلَّا وأن تبكيَ في كل مرَّة وتتحسَّر، تبكي وتتحسر، الفيلم ـ  كما هو معروفٌ ـ يعالجُ أحداث المحارق النازيَّة التي أقامها الحاج محمد هتلر على شرف اليهود، بالطبعِ بكاؤك حينها ليس علامةَ يهوديَّةٍ فيك، بل هو تعاطفٌ إنسانيِّ مع كُلِّ فاشيَّةٍ تُعنصرُ أو تقتلُ بالهُويَّة أو على المزاج، لا يمنعك دينُك ولا اعتقادُك الجازمُ في قذارة اليهود وخسِّتهم ونذالتهم أنْ تتعاطف مع ظُلمٍ وقع عليهم لمجرد ديانةٍ أو أصلٍ تمامًا مثلما تلعنُهم صبيحة كلِّ يوم بسبب ما يفعلونه بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا!

على مدار ستين عامًا لم تكسلْ السينما العالميةُ بأفلامها ومنتجيها من الترويج للمحارق النازية، في كلِّ عملٍ تشاهدُ فيه هذا “الكُهن” المقبول سياسيًّا والاحترافية في عرض الفكرة واستخراج الدمعة من عُيون الناس تدركُ أنَّ الغربَ أحسن فعلًا عرض قضاياه والتسويق لها بشكلٍ اخترق عاطفة المشاهد وعقله، ولمس في الوقت ذاته تلك النُقطة الإنسانيَّة فيك، هذا “الكُهنُ” المقبول أكسبهم تعاطفًا وتشريعاتٍ وثقافاتٍ تترسَّخُ يومًا بعد يومٍ في أذهان الناس وكتبهم ومناهجهم الدراسية إنتهاءً بأرشيفهم.

 

أحداثُ البِغالِ وسينما العصافير!          

بالطبع لا يجبُ إطلاق الأحكام على عُموميتها، فلم نقلْ إنَّ سينما الإسلاميين خاويةٌ على عُروشها طوال كل هذه السنوات، بل ما قصدته هو أنَّ حجم الأعمال السينمائيَّة والروائية وغيرهما لا يتناسب أبدًا كمًّا وكيفًا مع حجم ما تعرَّض له إسلاميو المشرق في تاريخهم. الحديثُ هُنا عن شريحةِ الإسلاميين لا ينفي ما تعرضت له باقي التيَّاراتُ الأخرى على مدار حلقات التاريخ من عُنفٍ واضطهادٍ، لكنَّ الإسلاميين بعددهم وبُكائيَّاتهم وحجم تأثيرهم في المشهد العربيِّ جعلهم الأسبق رُبَّما في مناقشة الظاهرة، يمكنني أن أضيف إلى ذلك أنَّ معظم التيارات الأخرى ـ  وأقولُ معظمها ـ  لم تأخذْ خطَّ المواجهة الأوَّل مع الدولة بشكلٍ مستمر إذْ تخفُّ أو تشتدُّ طبقـًا للحالة والموقف، أمَّا الإسلاميون فلم يجدوا دائمًا أرضيَّةً مشتركةً مع معظم الأنظمة العربية اللهم إلَّا فيما ندر ووفقًا لمواقف معينة يلجأ إليها النظام السياسي لضرب خصومه من غير الإسلاميين مقابل أنْ يتمتَّع الإسلاميون بحرية حركة مؤقتة وهكذا.

 

هكذا قالوا

دعونا في رحلة البحث عن الأسباب نطرحُ ونحلِّلُ ما اتفَّق عليه جمهورالإسلاميين من أسباب المشكلة، إذنْ لنعدْ ثانيةً ونسألْ: لماذا لا يُقدِّمُ الإسلاميون فنًّا؟

1- ضعفُ التمويلِ الداخلي وقلة الإمكانات الماديَّة، حسنًا، إنْ كانت الإمكانات الماديُّة هي المشكلة فلم اجتهد الإسلاميون العرب بكلِّ تهوُّرٍ في محاولة اللحاق بموجة الإعلام الجديد عبر إنشاء قنوات تقليدية دون المستوى؟ وإنْ كان التمويلُ وحده المسؤول فلم انحسر ما بقي من إمكانات الإسلاميين في الإنفاق على رهاناتٍ خاسرةٍ لا تخدم قضاياهم أو تحدث دويًّا حقيقيًّا يشعر به المواطن العادي؟ الأدهى من ذلك أنَّه لماذا لم تُصرَفْ الأموال المتبقية في رعاية آلاف الأسر التي تعيش ظروفًا مأساوية بعد اعتقال أبنائها أو قتلهم بينما يتبخترُ الناجون من القادة بين أمريكا وتركيا وأوروبا ذهابًا وإيابًا بحجة دولنة القضية دون إنجازٍ حقيقي يُذكَرُ على الأرض؟.
2- فقر الخيال لدى أبناء التيارات الإسلاميَّة، حسنًا، فلم يلمعُ أبناء التيارات الإسلاميَّة في عرض أفكارهم بصورة ـ  نوعًا ما جيَّدة ـ  متى أُتيحت لهم الفرصة بغير وصاية حزبية أو أيديولوجية؟ وإن نجح هؤلاء القلَّة من الشباب في طرحهم غير التقليديِّ، فما فرص نجاح مثل هذه المشروعات أمام أخطبوطٍ تنظيميٍّ وميراثٍ كهل جدًّا من التقديس لكل مَنْ يعلوك رُتبةً أويفوقك قِدمًا؟ ولو سلَّمنا جدلًا بفرضية ضعف كفاءة المُخرج البشريِّ ـ وهو محض هُراء ـ فأين دورُ هذه الحركات السياسية والاجتماعية من الاستثمار في أولادها؟ لماذا لم يفتحوا لهم الأبواب ليحصدوا مزيدًا من الكفاءة الفنيَّة؟!.

  • تقولُ الكاتبةُ الفلسطينيةُ أسماء الغول: “إنَّ الأيديولوجيات حين تدخل مجال صناعة السينما فإنها تحور التاريخ وتوجِّه الشخصيات وتحرمُ الفن أنسنته، وتوزع الأخلاق بمجانية فجَّة”، إذنْ هل من المقبول أن نقول إن طغيان الأيديولوجيا هو الذي حرم الإسلام السياسيَّ من الوصول للعمق المجتمعي؟ يمكنك أن تطالع فقط أداء القنوات المحسوبة على الإسلام السياسي في الدول التي وصل إليها الربيع العربي! ستشعر وأنت تطالع هذه القنوات بمدى الثقل الروحي الذي يطبقُ على عظامك وأنت تتحسَّرُ على هذه الأوقات والأموال التي أنفقت في مخاطبة جمهور الإسلاميين الذين هم أنصارهم أصلاً! إلى متى سيظلُّ أبناء الصفوف التنظيمية قابعين في منطقة تقديس الراوي؟

4- هاجسُ النقد في العلن الذي تشرَّبته الأجيال المتلاحقة من أبناء تيارات الإسلام السياسي، فلا يكادُ الشابُ يُفطَمُ إلا ويُلقَم في فمه أنَّ النقد في العلن فضيحةٌ، وأنَّ ليس كل ما يُعرف يقال، وأنَّ الظرف التاريخيَّ ـ الذي لا ينتهي بالمناسبة ـ لا يقبل أنْ توجِّه الأعمال السينمائيَّة النقد إلى من هم في مراكز القيادة! ألم يكنْ من الأفضل أنْ يتعامل الإسلاميون في قنواتهم بمنطق “هامش الحرية” الذي تتبعه السلطات القمعيَّة أحيانًا لضمان نجاحِ ثُقب البالونة؟ ألم يكن مفيدًا أن يناقش المحتوى الإعلاميَّ المقدم على شاشاتهم أو أفلامهم ـ  إبَّان فترة الحكم ـ  طبيعة الوضع العام بدون حساسية مفرطة؟ أليس ذلك سببًا في احترام عقلية المشاهد المنتمي وغير المنتمي حتى وإن كان مُتربِّصًا؟!

 

الحلقةُ المفقودةُ

يظلُّ الفنُ مرتبطًا بالأداء السياسي وبما تقدمُه للناس عبر إعلانات تسويقية غير مُقولَبة أو تقليدية. الفنُّ عادةً لا ينمو في توابيت مُحنَّطة، الفنُ جنونٌ صادقٌ يُحبُّه الناسُ، فمن الذي أصَّل المُقاومةَ عند الإسلاميين في دمعةِ أُمٍّ ثكلى وبضعةِ ورداتٍ حمراءَ داميةٍ تنغلقُ عليها الشاشة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد