جون كيري صهيوني بامتياز لكنه مع حل الدولتين، وبالطبع ليس دولة فلسطينية كاملة السيادة وموحدة الأرض وبالتأكيد ليس عاصمتها القدس.

من وجهة نظره أنه الحل الذي سيقضي على الصراع العربي الإسرائيلي ويجعل إسرائيل هي الدولة القوية الوحيدة في المنطقة.

والتي ستستفيد جدًا من التطبيع العلني والسياحة والتجارة بينها وبين الدول العربية التي ستكون في أغلب الأحيان تابعة للكيان الصهيوني والذي سيعقب هذه المرحلة هو نشر الثقافة الصهيونية على نطاق أوسع يقضي نهائيًا على فكرة العداء مستقبلا مع إسرائيل ويرسخ في ذهن الأجيال القادمة حق إسرائيل في الوجود.

الكيان الصهوينى نفسه يرفض هذا الحل مكابرةً منه بدعوى أنه لا حاجة له بخوض هذا الطريق الطويل من أجل تحقيق استقرار دولته، بل هو يكتفي بالاعتماد على تقوية ترسانته من الأسلحة المتطورة والنووية إضافة إلى استمالة واستعمال حكام وأنظمة الدول المتاخمة لحدود إسرائيل.

جون كيري يقدم هذا الحل من منطلق أن فرض حل الدولتين من شأنه تقوية وجود”المعتدلين” في المنطقة ودحر أصحاب الفكر الجهادي أو”الإرهابي” كما يسمونه، خاصة وأن محور”الاعتدال” ومن خلفه أجهزة مخابرات أمريكية وصهوينية وغربية يسابقون الزمن لوأد ثوارت الربيع العربي.

لأن انتصار هذه الثوارت يعني فشل تحقيق حل الدولتين بل قد يدفع لإنهاء الاحتلال الصهيوني لكامل الأراضي الفلسطينية والسورية عبر ظهور قوى إسلامية إقليمية جديدة.

لكن السياق الذي تجري فيه الأحداث في المنطقة العربية معقد ومتداخل وعميق إلى حد لا يمكن تخيل أي استقرار مستقبلي، خاصة وأن عنفوان ثوارت الربيع لم يهدأ بعد ولا يتوقَّع هدوؤه في المدى القريب.

إن الوضع في اليمن لا يبشر باستقرار قريب لأي فصيل سياسي، بل على العكس لقد انطلقت شرارة الحرب الأهلية عقب دخول الحوثيين صنعاء والحبل على الجرار، وكذلك ليبيا تواجه خطر التقسيم ولم تستطع بعد حسم معركتها الداخلية التي لو استقرت للثوار ستكون ضربة للمعسكر الصهيوني في المنطقة.

أما في مصر، فنظامها العسكري يقدم للصهيانة ما حلموا به لسنوات، بل هو مستعد لمحاربة الفلسطينيين لإجبارهم على حل الدولتين كما صرح عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، لكن هل نستطيع القول إن دولة العسكر قد استتبت لها الأمور؟! كيف يمكن ذلك والمدرعات وقوات الجيش لم تغادر الشارع بعد ولا يبدو أنها ستغادر في الوقت القريب؟!

أما في الأردن التي غر نظامها الملكي ما يواجهه الإخوان في مصر واليمن وليبيا والخليج فقرر هو الآخر مد سياطه على ظهور المعارضة عله يشعر ببعض الانتشاء السياسي ويقول لحلفائه ها أنا مثلكم، أستطيع أن أضرب مثلكم. وهو بذلك يهدد الاستقرار المجتمعي الذي نعمت به مملكته طويلا بل ويمهد لدخول الأردن نطاق داعش وأخواتها.

سوريا قصة أخرى وملعب دولي كبير وساحة قتال وتدريب غنية. تسيطر الحركات الجهادية على حوالي نصف أراضيها، ولا يلوح في الأفق حسم عسكري قريب على كامل الأرض لأي طرف، لكنها أنسب البيئات لتنمية الفكر والتنظيم الأصولي والجهادي في المنطقة، وهذا بالطبع لا يبشر بخير للكيان الصهويني.

ممالك الخليج المشغولة بمحاربة ثوارت الربيع العربي وإنفاق الأموال الطائلة في ذلك ماذا ستفعل إذا استقر أو انخفض سعر برميل البترول عن 60 دولارًا هو سعر اليوم؟! أعتقد أنه حينها ستنشغل بوضعها الداخلي أكثر.

لا أحتاج أن أشير إلى العراق كثيرًا، فهو مرتبط هو ومن يحكمونه بالمعارك الدائرة على أرض سوريا والذي يحسم هنا قد يفوز هناك لأن اللاعبين متشابكون ومتشابهون في كلتا الساحتين.

لبنان كتلة زائدة لا تقدم ولا تؤخر ويكفيها انشغالها بنفسها ومشاكلها الطائفية الداخلية.

السوادن ليست هي التي ستحسم معركة.

لم يبقَ غير دول المغرب العربي. ولا أحتاج أن أفيض كثيرًا حولها. ففاعليتها بالأساس وفاعلية تأثيرها لا تظهر إلا في وجود دولة مركزية قوية إما في مصر أو الشام. ولا يتوقع أن تكون هي قائدة هذه الدولة في المستقبل القريب أو البعيد؛ لقد وقف هذا العزم عند دولة الفاطميين.

وفي الوضع الراهن والمستقبل المضطرب المبشر بحروب مختلفة يسعى جون كيري لإقناع الكيان الصهيوني بحل الدولتين للقضاء على أهم عامل من عوامل تزكية الفكر والتنظيم الجهادي وهو احتلال واغتصاب “الأرض المقدسة” خاصة وأن البيئة المحيطة أصبحت أكثر ترحيبًا بهذا الفكر وأصحابه، ولهذا تنفق المليارات على تشويههم.

إن عناد إسرائيل واستكبارها السياسي لهو مصلحة كبرى للقضية الفلسطينية، والدافع الأكبر لتحرير كامل الأرض وترويج وإقناع الأجيال بضرورة كسر وإزالة كامل الاحتلال من على الأرض، فتجاربنا مع الغرب المحتل علمتنا أنه لا يلجأ للدبلوماسية إلا عندما يكون في ورطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد