يقول المفكر التربوي الدكتور عبد الكريم بكار:

«استعينوا على فهم مشاريعكم والوعي بذواتكم بجنود الفهم الستة: ماذا ولماذا وكيف وأين ومتى ومن»

(د. عبد الكريم بكار- شمعات للفتيان والفتيات)

وما دامت (لماذا) بهذا القدر من الأهمية، فما مصدر انزعاجنا منها؟

إن عاداتنا في مجملها لا تسمح بإدراج (لماذا) في إطاراتها، لكن الأمر يزداد غرابة عندما يتعلق عدم السماح لـ (لماذا) بالظهور حتى في عاداتنا الثقافية والمعرفية التي يفترض أن تتبناها لا أن تحكم عليها بالإعدام.

افتراضات أساسية

ما الذي تعنيه الكلمات التالية بالنسبة إليك (الحياة، المجتمع، الانتماء، التنمية، الحضارة)؟

حسنا، لتوضيح العلاقات العضوية بين كل مما ذكرنا، لنبدأ بافتراضات قد تكون ساذجة إلى حد ما، وإن كانت معظم الاختراقات العلمية الكبرى التي تحققت للبشرية- قد بدأت بسذاجة (ساذجة).

التثقف والحياة

لنفترض أن من يريد التثقف شخص (حي يرزق)، فما الذي يعنيه هذا الافتراض وما علاقاته بالتثقف والتحصيل المعرفي؟

إن الإنسان الحي يفتقر عادة إلى غذاء جيد وكساء ومسكن… والحاجة إلى الغذاء متعددة ومتجددة باستمرار، من غذاء للبدن وآخر للروح والوجدان وثالث للعقل والفكر، وههنا تقترن الحياة بالتثقف والمعرفة.

المجتمع والمعرفة

وعند الانتقال إلى محطة (المجتمع) لا بد من أن نستصحب ما حققناه من اختراق في المحطة الأولى.

ولا بأس من أن نذكر المقولة المشهورة التي تزعم «أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه» وما نأخذه منها أن الإنسان لا بد له من العيش في (مجتمع) وبين مجموعة من بني جنسه، وإن كان ذلك كذلك فلا بد له من التفاعل مع مجتمعه والتعامل معه.

وههنا يفتقر الإنسان أو (عضو المجتمع) إلى معرفة بمستوى ما؛ ليتمكن من تسيير حياته وإدارة أنشطته في ذلك المجتمع..

الانتماء والتنمية

والمجتمعات عادة ما تواجهها مصاعب ومشكلات وتحديات وحاجات، تتطلب حلولا ومعالجات وإسهامات تتعدد وتتفاوت أنواعها وأحجامها ومستوياتها، وذلك بهدف المحافظة على المجتمع وعلى مكوناته.

الإسهام في تقدم المجتمع يطلق عليه (تنمية) والقيام بالفعل التنموي أيًّا كان إنما يتطلب معرفة بدرجة ما.

ومن نافلة القول أن الإسهام في تنمية مجتمع ما، لا يكون عادة إلا من قبل شخص يحس بالانتماء الواعي لذلك المجتمع؛ باعتبار أن الانتماء هو الشعور الدافع والمبرر للعمل وبذل الجهد.

والوعي بمعاني الانتماء للمجتمع إنما تولده المعرفة، التي نحن بصدد التبرير لبحثنا عنها وتثقفنا بها، وما نزال.

الانتماء الواعي وبناء الحضارة

أشخاص أحياء، يغذون عقولهم بالمعرفة، ويعيشون في مجتمع ويعملون على معالجة مشكلاته والإسهام في تنميته. دافعهم إلى ذلك انتماء واع بأهمية التطور والتقدم وتحسين مستوى الحياة والبيئة.

أمثال هؤلاء الأشخاص، ويمكننا التعبير عنهم بـ(المجتمع)، هم بناة الحضارات العظيمة التي شهدتها البشرية في تاريخها الممتد حتى اللحظة.

وهل تبنى الحضارات بأذهان متبلدة فارغة وأفئدة فاقدة للانتماء؟

 لماذا نسعى للمعرفة والتثقف؟

إننا نسعى للمعرفة ونطلبها:

لنغذي عقولنا وأذهاننا ونثقفها، ولنتعرف على أنفسنا وذواتنا بصورة أفضل وباستمرار.

ولنتفاعل بإيجابية مع مجتمعاتنا التي نعيش في كنفها وننعم بدفئها وحنانها.

ثم لنعمل على تنمية مجتمعاتنا تلك، ومعالجة مشكلاتها ومواجهة التحديات التي تواجهها؛ حتى لا نفقد ظلنا الوارف ومربعنا الخصيب.

ثم لنعمل على بناء حضارة متميزة تعبر عنا، وتصبح- من بعد- رصيدًا لأجيالنا وللبشرية أيضا.

نحن إذن لا نطلب المعرفة لقتل أوقات الفراغ ولا نطلبها للتسلية.

وإنما لأهداف واضحة حددناها بأنفسها.

فإن كنا كما نزعم، فما هو الموقع الجديد للمعرفة والتثقف في حياتنا؟

أخيرًا.. تذكر أن وضوح الهدف يعد أكبر محفز على الاندفاع لتحقيقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تثقف, تعلم, معرفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد