الحيرة التي تنتاب المسلم العربي المتعلم تجاه ما يعيشه من واقع مضطرب متقلب ليست شيئًا فريدًا، فقد عاشها قبله كل البشر، عندما يصل الإنسان إلى حد الثقة والاقتناع الشديد بأن تصوراته عن نفسه وعن العالم هي الحقيقة المطلقة، وأنها تطابق الواقع، ثم لا يلبث أن تفاجئه التغيرات الكبيرة بالواقع بأن الصورة التي يملكها تختلف كثيرًا عما يحدث في الحقيقة، وأن تصوراته زائفة، فيحاول جاهدًا ترميمها، قبل أن يفكر في مغادرتها إلى تصورات جديدة سواء في التشدد الديني أم الإلحاد.

 

وصورة العالم عند المسلمين المعاصرين في جزء كبير جدًّا منها ذات مرجعية دينية، وهذا يفسر الهجوم الشديد الذي يتعرض له رجال الدين عند بدء اهتزاز مكونات الصورة، فهم أهل الثقة الذين أخذنا عنهم تصوراتنا، ومن الطبيعي أن يكونوا هم أول الملومين إذا ثبت أن هناك عيوبًا في هذه الصورة.

 

ويعمق من حيرة المسلم المعاصر أن الصورة التي يملكها عن نفسه وعن العالم هي صورة مشوشة مضطربة غير كاملة الملامح، وتزيد فيها البقع الرمادية غير الواضحة عن المساحات التي تعطي صورة واضحة، ولذلك فبدلاً من أن تقوم الصورة بوظيفتها في شرح العالم وتفسيره، فإنها تزيد من حيرته، ومن أمثلة هذه المناطق الرمادية:

– دور الدين في حياتنا، المسلمون المعاصرون لا يملكون صورة واضحة لدور الدين في حياتهم، وهل هو المصدر النهائي التفصيلي الوحيد لكل شيء؟ أم أن الدين مرشد عام، وأحد روافد المعرفة والثقافة، ودوره أن يحدد الخطوط الرئيسية للمنهج العام، ويضع القواعد الرئيسية المؤسسة أحيانـًا ويكتفي بالإشارات التوضيحية في الأغلب.

– علاقة المسلم بالآخر، فالمسلمون يملكون صورة مغبشة ضبابية للآخر لا يمكن التأسيس عليها لبناء علاقات طبيعية معه، وهذا الآخر يشمل كل المسلمين الذين يخالفون تصوراتنا؛ فهم مدانون جميعًا، أما غير المسلمين ففي فهم كثير من أبناء الأجيال الحالية هم كفار، تجب البراءة منهم، ويعتبر التقارب معهم ومعايشتهم تهديدًا للهوية وطمسًا لشخصية المسلم، وفي الوقت نفسه فهؤلاء الكفار هم من نتمنى الهجرة إلى بلادهم والتمتع بالعيش الحر الكريم وسطهم.

 

– صورة المرأة في المجتمع، وهل المرأة جزء فاعل مساو للرجل يجب السماح له بالمشاركة في البناء والعمل؟ أم المرأة كيان تابع للرجل ومحل لمتعته، ورغم تعرض مؤسسة الزواج لمشاكل كثيرة في كل المجتمعات العربية المعاصرة من العزوف عن الزواج ونسب الطلاق الكبيرة، والعلاقات خارج الزواج، فلا نملك بعد تصورات واضحة لكيفية حل هذه المشاكل بما يناسب الواقع.

– صورة الحكم والحاكمية: وما الذي نعنيه بالحاكمية؟ ومن الذي يملك حق التشريع؟ وهل الديموقراطية أداة سليمة للحكم واتخاذ القرار؟ أم أنها وسيلة كافرة وأداة أمريكية للسيطرة ونشر العلمانية وإخراجنا من الإسلام؟

– علاقة الحاكم بالمحكومين، وحقوق الإنسان، وهل الحاكم موظف عام يؤدي وظيفة مقابل أجر؟ أم أنه في موقع السيادة؟ وهل سبل العيش الكريم والمشاركة في إدارة الوطن والاستفادة من خيراته حقوق للمحكومين؟ أم أنها منح يقدمها لهم الحاكم السيد؟

 

– الدولة: وهل الدولة القطرية والحدود التي تقسم دول المسلمين أمر طبيعي يمكن التعايش معه؟ أم أن الحدود تراب يجب محوها؟

 

– هل فكرة المؤسسية شرعية؟ والجماعات والأحزاب عمل مشروع؟ أم أن العمل في نظام مؤسسي هو خضوع لغير الله، وتفريق للمسلمين؟

 

– التنوع والاختلاف وحرية الرأي وحرية العقيدة والتعددية: هل هي أمور طبيعة وأصل وميزة، أم شر لابد من محاربته؟

 

– العلمانية والليبرالية والاشتراكية والتفكيكية والإلحاد: هل هي أفكار يمكننا التعايش معها وأن نسمح لأصحابها بالتعبير عن أفكارهم بحرية، أم أنها أفكار معادية هدفها هدم الإسلام؟

 

– الاقتصاد والرأسمالية والبنوك وأساليب التمويل.

 

– قضايا البيئة والحفاظ عليها وتطوير مصادر توليد الطاقة وتنويعها.

 

– الشفافية، وحقوق نشر وتبادل المعارف ومشاركتها، وحقوق الملكية الفكرية.

 

وهكذا كلما تفحصنا مكونات الصورة سنجد أن الأسئلة أكثر من الإجابات، والبقع الرمادية المشوشة أكثر من المناطق الواضحة.

 

ومع انتشار الفوضى والتناقض، يختلط في الصورة المصدر بالمنهج، والمصدر بالنتائج، والعالم بالعلم، والأداة بالهدف، ولذلك فمن الطبيعي أن يختلط الأمر على غالبية المسلمين، وكلما كان المسلم إيجابيًّا صالحًا متعلمًا ويحرص على التفكير والتحليل قبل اتخاذ المواقف والقرارات، كلما زادت حيرته واضطرابه ورفضه للسائد في مجتمعه، وإصداره الكثير من الضجيج ليعلن للجميع أن الصورة العامة التي نعمل من خلالها لم تعد صالحة، وأن حجم الثقوب بها زاد عن المقبول، ويجب إعادة النظر في كل مكوناتها، أو أنه سيضطر للبحث عن تصورات جديدة خارج هذه المنظومة بأكملها.

 

ويزيد من حدة حيرة أبناء هذه الأجيال عدة أسباب منها:
– تصيد بعض الرافضين للفكرة الدينية – من أصلها – وتركيزهم على الشبهات والتناقضات والتشكيك في صحة اتخاذ الدين مصدرًا لبناء تصور عن العالم والحياة.

 

– الدور السلبي لأصحاب المصالح واستخدامهم الدين أداة حادة للتشهير بالأطراف المعادية لهم، ولخلق صور ذهنية سلبية عن مخالفيهم عند الناس.

 

– تفكك الجماعة العلمية للمختصين بالعلوم الإسلامية أنفسهم بين التيارات الفكرية، وحدوث صراعات فيما بينهم.

 

– حجب الجزء الأكبر من الجماعة العلمية الإسلامية الأصيلة عن الوصول للناس، وتصدر المدعين للساحة، وبالتالي وصول التصورات العامة للدين والحياة والمجتمع بطريقة مشوهة أو خاطئة، أو عدم وصولها في حالات كثيرة.

 

والسبب الأهم:
– عدم اقتناع الجماعة العلمية للمختصين الشرعيين بأن تصوراتهم للعالم التي يصدرونها للناس فيها كثير من الخلل والتناقضات والنواقص، ولا تتوافق مع الواقع الذي يسرع في تغيره كل يوم وكل ساعة، وبالتالي لا يقدم إجابات مقنعة للناس، ولا حلولاً ترضيهم، ولذا يرتفع صوتهم بالضجر والتنبيه أن هناك أخطاء يجب تداركها.

 

فيتبادل الجميع الاتهامات، ويصعب الاتفاق على من المتسبب الأصلي في هذه الفوضى، وتخلف التصورات والحلول عن مجاراة الواقع:

 

فيقول البعض: إن الخطأ لدى الناس أنفسهم، لقلة الوازع الديني، ولقلة المعرفة الدينية، وعدم احترام العلم والعلماء، وهو التصور الذي يطرحه كثير من العلماء أنفسهم ( المخطئ دائمًا هو الآخر).

 

ويقول بعض آخر: الخطأ لدى العلماء، إما لسوء خطابهم، ولعدم فهمهم للواقع، أو لفسادهم وعدم قولهم ما يعرفونه، وهو السبب الأكثر تداولاً بين الناس (المخطئ دائمًا هو الآخر).

 

ويقول آخرون: إن الخطأ في الدين نفسه، وأنه هو السبب في هذه المشاكل، بنظرته غير الواقعية، ولحشوه بالغيبيات التي لا نستطيع تلمسها، والتي تعادي العقل بما يجعله غير مهيأ للبناء عليه. ( تعليل يبدو منطقيًّا لدى كثيرين وبدأ ينتشر).

 

ورغم ذلك فالموقف ليس مستحيلاً، والحلول ممكنة، وبعض عوارض المشكلة المزعجة مثل كثرة الهجوم على علماء الدين أو الدين نفسه، والتدخلات الكثيرة من غير المتخصصين تدل على أن الغالبية ما يزالون يرون للدين وضعًا مركزيًّا في حياتهم، وأنهم يتوقعون أن يأتي جزء كبير من الحل من داخل دائرة الدين، ولذا يحمّلون المتخصصين فيه الجزء الأكبر من غضبهم؛ لأنهم مقتنعون أنهم جزء من الحل.

 

لكن ينبغي ملاحظة أن استمرار إعلان الغضب وعدم الرضا، واستمرار تجاهل هذه علامات، أو الرد بردود سلبية، وإلقاء اللوم على الناس سيؤدي لأحد الموقفين التاليين:

 

– الوصول لحالة اللامبالاة ، والتوقف عن الاهتمام بشأن الدين.
– اليأس والخروج للبحث عن حلول مناسبة في إطار نظم معرفية أخرى، وهو ما يفعله الآن للأسف قلة من الشباب مرتفع الذكاء، ويفعله كل من ينشأ في ظل تيار فكري ثم يجده غير مناسب، فيتركه إلى غيره، ويحدث هذا الآن ودائمًا بصورة فردية، ولكن المشكلة -المتوقعة– أنه في ظل التغيرات الاجتماعية الكبرى يمكن أن تتحول رحلات الخروج إلى الجماعية.

 

ومع ملاحظة ثانية أن حالة الفوضى والسيولة وفقدان التوجيه لدى غالبية المسلمين الآن وخاصة أجيال الشباب هي فرصة مواتية جدًّا لطرح التصورات الصحيحة التي ظلت محجوبة عنوة، ومحو التصورات الفاسدة التي نشرها المدعون.

وهذا يلقي مسئولية كبيرة على العلماء والمتخصصين الدينيين، ويدعوهم لمعاودة النظر في أسلوب تواصلهم مع الناس، وفي رؤيتهم وتصوراتهم بالكامل، وأن يعيدوا دراسة أصولهم الدينية والواقع بنظرات جديدة، وتلافي المشاكل التي تمنعهم حاليًا من تقديم الإجابات التي تقنع شعوبهم وتحل مشاكلهم.

ويلقي أيضًا مسئولية ضخمة على الشعوب نفسها، فالدين الإسلامي ليس دين كهنوت، ولا يقبل بتقسيم الناس إلى مرسل دائمًا يقوم بالتفكير وصناعة الحلول، ومستقبل دائمًا يعيش في كسل عقلي وينتظر الحلول والإجابات الجاهزة، بل الجميع راع ومسئول وعليه واجبات النظر وتقديم ومناقشة الحلول، وعلى العلماء والمتخصصين دائمًا تأكيد هذه الصورة، وترسيخ أن دورهم ليس التفكير والحل نيابة عن الناس، بل إن هذه مسئولية الجميع وعليهم القيام بها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد