في الوقت الذي نرى فيه كثيرًا من شبابنا يعلن يأسه ورفضه لكل ما ورثه وكل ما يعرفه من أفكار ومعارف ومعتقدات وحلول وقيم، فيقرروا أن يغادروا كل شيء وأن يرحلوا ليبحثوا لأنفسهم عن حلول أخرى في دوائر الإلحاد أو التطرف أو الإدمان، أو يقرروا أن يتركوا لنا دنيانا كلها ويغادرونا شنقـًا أو قطعًا للأوردة، نسمع أن القيادات الدينية الرسمية تبدي استيائها من تمرد الناس عليها وعدم احترامهم لمكانة العلم والعلماء، ويجتمعون لمناقشة كيفية إسكات وزجر هؤلاء المشاغبين المعترضين وتحذيرهم من سوء عاقبة من يتطاول على العلم والعلماء.

 

ما نمر به في منطقتنا من واقع متدني وتقلبات اجتماعية وسياسية كبرى وفوضى وتضاربات فكرية ليس جديدًا على البشرية، فكل شعوب العالم مرت بمراحل مشابهة بل وأعنف منها بكثير، فعندما يتغير الواقع بسرعة وتحدث مواجهات كبرى، ثم يكتشف الناس أن تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم لم تعد تطابق الواقع ولا تفسر العالم بطريقة صحيحة، وأن الإجابات التي يملكونها ليست صحيحة، ولا تحل المشاكل، ولا تزيح ظلمًا، ولا تحقق حياة كريمة.

في مثل هذه الحالات يحاول الجميع في البداية ترميم هذه التصورات، وإصلاح العيوب هنا وهناك، ولكن عندما يتسع الخرق على الراقع لايجد الجميع حلاً إلا مغادرة المركب والقفز منه وبناء تصورات جديدة أقدر على توصيف الواقع الجديد وحل مشاكله.

 

حدث هذا الموقف المضطرب في أوروبا في بداية عصر النهضة عندما بدأ الأوروبيون يكتشفون أن صورة العالم الأرسطي (نسبة إلى أرسطو) لم تعد تطابق الواقع، فالإنسان والكرة الأرضية ليسا مركز الكون، والشمس والكواكب والنجوم لا يدورون حول الأرض، وجاءت كتابات نيكولاس كوبرنيكوس بصورة جديدة للعالم فيه الكرة الأرضية مجرد كوكب من ضمن كواكب المجموعة الشمسية، وكتابات أندرياسفازليس لتصحح تشريح جسم الإنسان وتلغي التصور القديم الذي وضعه جالينوس، وتم اكتشاف للغلاف الجوي والهواء ضغطـًا، ثم جاء إسحق نيوتن بالضربة القاضية بنظرياته عن الضوء والجاذبية وتفسيراته لكيفية بناء الكون في تصور جديد متماسك ومغاير تمامًا للصورة الأرسطية القديمة للعالم، واكتشف الناس أن الصورة التي كانوا يحملونها في رءوسهم للعالم ولأنفسهم ولأجسادهم والكيفية التي تعمل بها الأشياء غير صحيحة، وعندما فشلت كل محاولات الكنيسة للحفاظ على التصورات التي كانت تقدمها للناس، سقطت مرجعية الكنيسة التي تدعم هذه الصورة الزائفة وتقدم الإجابات المغلوطة، بل تدافع عنهاوتكفر وتحارب من يصححها.

 

وحدث هذا الموقف ثانية في العالم الغربي عندما ظهرت نسبية أينشتاين، وفيزياء الكم، ونظرية عدم اليقين، وأفكار مثل تأثير الفراشة، والفوضى الخلاقة، التي أظهرت أن الثقة الشديدة في نموذج نيوتن للعالم ليست صحيحة دائمًا، وأن الأفكار العقلانية عن الموضوعية المادية لا تفسر حقيقة الإنسان ولا تعبر عن العالم بصورة دقيقة، وأن الثقة الشديدة في المعادلات الرياضية والحسابات الرقمية تحتاج لمراجعة، وأن الكون ليس بهذه البساطة والسذاجة، وأن الإنسان ليس مادة فقط، وأن المجتمعات ليست كيانات آلية، والإنسان لا يحتاج لمباني كآلات للعيش بداخلها، ولا أماكن عمل على شكل صالات مفتوحة يتم رصهم فيها في صفوف كالماكينات وخطوط الإنتاج. فبدأ الإنسان الغربي يبحث عن صورة جديدة للعالم أكثر عمقـًا وأصدق في تفسيرها للعالم وحقيقة الإنسان، فظهرت مابعد الحداثة والتفكيكية، وأفكار النهايات وموت الإله وموت الإنسان وموت الكلمة والمعنى والقيمة.

 

هكذا يفعل الإنسان دائمًا، يبدأ أولاً بالتعود على ما لديه من تصورات، حتى تصل الثقة بها إلى الخلط بينها وبين الحقيقة، ويعتبر أن ما لديه هو حلول نهائية وأن صحتها تتجاوز الزمان والمكان والخصوصية والذاتية، وتتوه منه المقاصد والغايات، ويتوهم الجزئيات التفصيلية على أنها كليات وأصول يتعامل معها بطريقة إيمانية عقائدية، وعندما تحدث التغيرات الكبيرة يبدأ ملاحظة تغير الواقع، وعدم توافقه مع تصوراته، ثم يفشل في ترميم تصوراته، فإنه يهملها ويبدأ في البحث عن نظام معرفي جديد وأدوات جديدة لبناء صورة أحدث وأكثر تماسكـًا، وأصدق تعبيرًا وتفسيرًا للعالم، وتعطيه إجابات يثق فيها أكثر.

 

وصورة العالم عند الإنسان هي نتيجة لنظامه المعرفي، وتتشكل لديه من مجموع الإجابات على الأسئلة الكبرى مثل: من أين أتينا وكيف بدأ العالم؟ وما الهدف والغاية من حياتنا؟ وما حقيقة الموت؟ وهل هناك شيء بعده؟ وما حدود هذا الكون؟ والأسئلة عن نفسه، ومجتمعه الصغير ومجتمعه الكبير، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بعناصر الكون من حوله. تتجمع هذه الإجابات مع غيرها من المنتجات المعرفية الأخرى وتؤلف في ذهن الإنسان صورة عن نفسه والناس والعالم والعلاقات التي تربطه بهذا العالم.

 

وتصور الإنسان لنفسه والعالم هو أهم منتجات منظومة المعرفة الإنسانية، فالإنسان ينتج من خلال معارفه المختلفة نوعين من المنتجات:
– الأفكار الكلية، التي تتحدث عن المعتقدات والقيم والخير والشر وتحدد علاقته بالآخرين، وهيالتيتتجمع وتشكل ما نسميه ب “صورة العالم”
– الأفكار الجزئية والحلول العملية والتطبيقات مثل علم الفقه، والحديث، وتفسيرات القرآن، أو التكنولوجيا، والهندسة، والزراعة.

وترجع أهمية “صورة العالم” – رغم أنها منتج ذهني مكتسب وتتغير مع الخبرات-إلى أن استقرار مكوناتها الكبرى مع الوقت تعطيها نوعًا من الثبات والثقة، فيبدأ الإنسان في التعامل معها على أنها مرجعية وأصل، ولا يفصل بينها وبين الحقيقة، ويبني عليها إجاباته الأصغر، ومواقفه، وحلوله. وهنا تبدأ المشكلة. عندما تتحول تصورات الإنسان كما لو كانت حقائق راسخة يتعامل معها كما يتعامل مع مصادر معرفته اليقينية.

 

صورة العالم عند المسلمين العرب المعاصرين:
وعندما نحاول تفكيك “صورة العالم” لدى المسلم المعاصر فسنجد أنها في جزء كبير منها تعتمد على المرجعية الدينية، ولذا عندما تبدأ هذه الصورة في الاهتزاز فإن النصيب الأكبر من اللوم يتم توجيهه إلى القادة الدينيين الذين تم الوثوق بهم وأخذ ملامح الصورة عنهم، وسنلاحظ أيضًا أنها صورة مليئة بالمناطق الرمادية عديمة الملامح ولا تعطي إجابات واضحة، بل تزيد الأمر غموضا وحيرة.

 

وبالطبع لا تدعي هذه المقالة أن جميع المسلمين يملكون صورة موحدة أو يفهمون العالم بطريقة واحدة، فلكل مسلم، وكل أتباع مذهب، أو أصحاب خلفية ثقافية أو اجتماعية، أو نوع تعليم، يملكون صورة للعالم مغايرة للصورة عند غيرهم، ولكن لأن الغالبية يجمعهم نظام معرفي متقارب المكونات، فتوجد هناك ملامح عامة يشترك فيها كثير من المسلمين المعاصرين في بلداننا العربية، وقد يكون هناك ملامح أخرى مهمة ومؤثرة وتحتاج للدراسة والفهم:

 

أول ملامح صورة العالم عند المسلم المعاصر أنه متردد وغير مقتنع بضرورة امتلاكه تصورات واضحة ومتكاملة ومبنية على أساس علمي منهجي، فأغلب المسلمين المعاصرين لا يقدرون قيمة الأفكار والتصورات والنظر العلمي والفلسفي، وجزء منهم ينظر نظرة سلبية تجاه كل ماهو فلسفة ومنطق وأفكار كلية قائمة على التفكير والنظر، ويجعلون الكلام والتفكير في مرتبة أدنى من العمل، ويشعرون أن الحوار والجدل إثم يستغفرون منه، ويرغبون دائمًا في القفز السريع إلى الفعل والنتائج العملية، ويغرقون في التفاصيل الإجرائية دون التوقف لبناء صورة كلية، ويبررون ذلك بأننا نملك بالفعل هذه الصورة في مصادرنا وإنتاج سلفنا المعرفي، ولا نحتاج للبحث عنها، ويهملون أن الصورة الذهنية يجب أن تكون انعكاسًا للواقع وليس قراءة للمصادر، وأنها أمر ذاتي لا يمكن استعارته من تصورات الأسلاف، وأن الصورة الصحيحة يلزمها أن تتجدد باستمرار وبمعدل تغير الواقعنفسه، ولذا نرى أغلبنا يعيش ممزقـًا بين الواقع وبين تصوراته التاريخية المنقولة من ماض لن يعود أبدًا، أو أن كثيرًا من تصوراتنا هي مثاليات حالمة لما ينبغي أن يكون عليه الواقع.

 

وثاني ملامح صورة العالم عند المسلم المعاصر هو الخلط في مكونات الصورة، ويأتي هذا الخلط من عشوائية أكبر في بناء النظام المعرفي المنتج لهذه الصورة، وهو أمر شديد الأهمية، ولا يلقى بالاً عند أغلب الدارسين لشئون المعرفة، ورغم أنه خارج نطاق هذا المقال ويحتاج لدراسات منفصلة، إلا أن نتائجه تظهر واضحة في تصورات المسلم، وخاصة العلماء منهم ومن يتصدرون مقاعد التوجيه، فنحن جميعًا لا نفرق بين مصادر معرفتنا وبين المنهج والاجتهاد البشري والحلول التي ننتجها (عدم التفريق بين المادة الخام للمعرفة، والعالم المنتِج للمعرفة، وعملية الإنتاج، والمنتَج النهائي) فيتعامل الجميع مع الشرع والفقه على أنهما شيء واحد، وفي إذاعة “البرنامج العام” وهي الإذاعة الرسمية المصرية يوجد برنامج باسم “رأي الدين” يتحدث فيه كبار شيوخ الأزهر، واسم البرنامج يدّعي أن الدين له آراء، في حين يسمون ما يصدرونه من أقوال “حكم الدين”، وغالبنا يعطي للاجتهاد والمجتهدين نفس قدسية المصدر المعرفي الذين يستقون منه معارفهم ( القرآن والسنة).

 

ونتيجة هذا الخلط بين المصدر والنتيجة والأدوات، يتصور كثيرون أن الصورة الصحيحة لحقيقة العالم واحدة، هي ما نملكها (النتيجة نفسها التي وصل إليها الأوروبيون مع صورة العالم الأرسطي، وصورة عالم نيوتن) وأن كل من يخالفنا بما فيهم من المسلمين الآخرين هم ضالون وعلى باطل، إما لأنهم متسيبون متساهلون أو متشددون رجعيون، ويعتبر العلماء منهم أن رفض أو نقد فقههم هو طعن في الدين نفسه، فالعالم والعلم والمعلومة عند كثير من المسلمين كيان واحد ملتصق لا يمكن فصله، والثقة في المنتج العلمي تأتي من الثقة في العالم، وبالتالي فالتشكيك في النتيجة والعالم أو منهجه هو تشكيك في العلم والدين. وهذا أيضًا يفسر لماذا يشخصن المسلمون حواراتهم، وينتقلون سريعًا في كل نقاش من نقد الفكرة إلى نقد صاحبها (الخلط بين الفكرة والمفكر) فالكل عندنا شيء واحد مختلط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد