لعل الذكورية المفرطة التي تظهر في الألفاظ والممارسات القمعية التي يقوم بها أمناء الشرطة خير مثال على أن الداخلية المصرية تتعامل مع المجتمع – خاصة بعد الثورة – بمبدأ القمع لمجرد القمع، «كلما تراجع المجتمع شبرا احتلت الدولة هذا الشبر». الجملة السابقة تلخص الصراع في نظري. الدولة في الفترة الأخيرة أدارت عمليات واسعة من القتل الممنهج للمعارضين السياسيين سواء كان ذلك القتل فعليًّا أو قتلا من نوع آخر بالاعتقال السياسي تحت ستارة قضايا ملفقة من قوانين وضعتها الدولة لتحكم سيطرتها على المجال العام في مصر.

الدولة في وجهة نظري تقع في مساحة الصراع الأبدي مع المجتمع، حتى في الدول المتقدمة، ولكن الفرق الوحيد أن المجتمعات في الدول المتقدمة تدرك تلك الحقيقة وعليه فإن تلك المجتمعات تتكتل فيما يشبه الكاتيونات التي تدافع عن مصالح كل فئة في المجتمع، لذلك فإن العملية السياسية هناك تدار على أساس نظرية العقد الاجتماعي التي وضعها مفكرو العقد الاجتماعي (روسو – هوبز – لوك) والذين كانوا مدركين لحقيقة أن المجتمع في صراع دائم مع الدولة ولذلك وضعوا أساسًا لتنظيم العلاقة بين الشعب (المجتمع) وبين الحاكم (الدولة).

ما يدهش فعلا أن الدولة المصرية (جناحها الأمني) أصبح يستهدف فيما بعد الثورة قطاعات من الطبقة المتوسطة التي كانت دائما هي الداعم الأكبر له، من الممكن أن يفسر ذلك على أنه استهداف مباشر لعقاب شرائح من تلك الطبقة (الشباب) وليست كلها، على مشاركتهم في الثورة. ولكن يبقى هذا التحليل في نظري ناقصًا يغفل البعد الاجتماعي والتطور التاريخي للطبقة المتوسطة والتي نشأ السواد الأعظم منها من رحم الجهاز الإداري للدولة في الأربعينيات وما أنتجه التوسع في مجانية التعليم بعد ذلك، أو من كان منهم خارجًا فعلا من مظلة الجيش أو الشرطة وهم عماد الأجهزة الأمنية في مصر، لكن يبقى تحليل الوضع في نظري على أن تآكل الطبقة المتوسطة وعدم قدرتها على تكوين مظلات الدعم الاجتماعي لأفرادها هو ما دفع الدولة لأن تنتهج أسلوبًا قمعيا تجاهها. خاصة في قمع الفئات الرئيسية في تلك الطبقة (الأطباء والمحامين)، على أنني لا أؤمن في دولة تتمتع بسلطوية شديدة كالتي نعيش فيها أن قمع أمناء الشرطة حالات فردية، ومع أن القمع والاعتداء يمكن أن يكون قد مورس لفظيا ومعنويا على شكل واسع قبل الثورة ضد قطاعات عديدة من الطبقة المتوسطة، لكنه لم يتطور للقمع الجسدي المباشر كما في حالات الاعتداء على الأطباء داخل المستشفيات أو المحامين داخل أقسام الشرطة.

على الجانب الآخر من تلك المعادلة الطبقية، ظلت الطبقة الفقيرة والمهمشة فعليا من قبل الدولة هي هدفًا أساسيًّا للقمع المباشر والجسدي قبل وبعد الثورة، ومع تآكل الطبقة المتوسطة كما أسلفنا دخل جزء كبير من أبناء الطبقات الفقيرة تلك الطبقة ليحلوا محل الهاربين منها، وظلوا مع ذلك يتعرضون للقمع، حتى عندما يتيح لك التعليم والذي قد تحصل منه على وظيفة جيدة تتيح لك موقعًا طبقيا جديدا فأنت لا تسلم من القمع، وحيث أن موقعك الطبقي الجديد هو بعيد كل البعد عن المظلة الاجتماعية التي هاجرت منها، فغياب المظلة الاجتماعية التي يكونها المجتمع الريفي هو مبرر كبير للقمع الذي يتعرض له أبناء الريف حينما يهاجرون منه بحثًا عن موقع طبقي جديد.

دائما ما كانت تلك المظلة الاجتماعية التي تكونها التكتلات العائلية في الريف، فالكل يعرف الكل؛ هي أفضل شيء يمكن لتلك المجتمعات أن تواجه به الدولة، فقد عشت تقريبًا معظم حياتي تحت حماية تلك المظلة، لم أشهد طيلة تلك الفترة قمعًا مباشرًا للمجتمعات الريفية اللهم إلا في القضايا التي تخص أحد أطراف العائلات الغنية ضد الفقراء كما حدث ضد (فلاحي الكولة) منذ شهور. عليه يمكن أن نصيغ عدة أسباب لضعف القمع الذي تتمتع به الدولة، ولماذا لا تقدر المجتمعات الحضرية على صناعة مثل تلك المظلة الاجتماعية.

1 – الترابط المجتمعي:

لعل مفهوم التكتل الاجتماعي لمواجهة الدولة هو أشمل كثيرًا من مفهوم الترابط الاجتماعي، فالأول يعبر عن تجمع بغرض الدفاع عن مصالح ضد الدولة، ولكن الثاني (الترابط) هو أكثر عفويا لفظيا وواقعيا، ولكن هذا الترابط الاجتماعي ينتج حماية من نوع خاص لأفراده، فنظرية أن المجتمعات الريفية هي أكثر ترابطًا هي فعلا صحيحة، فالكل يعرف الكل والكل في استعداد تام للدفاع عن الكل إذا كانت المعركة هي معركة ظلم يتعرض له الأفراد من قبل المؤسسات الأمنية للدولة، وهو ما يدفع تلك المؤسسات لأن تكون أكثر حذرًا وخوفًا من ممارسة القمع، لأن الحماية الاجتماعية التي توفرها العائلة والقرية تقف بالمرصاد لأي محاولة للقمع.

2- هدوء المجال العام:

لا ينشغل الريفيون عادة بقضايا سياسية أو فكرية، وأقل ما يمكن أن تجده في الريف هو نقاش سياسي تماما كما تبحث على سمكة في البحر الميت، لذلك فمفهوم القمع السياسي هناك على أقل مساحة يمكن أن يشغلها ولكن حتى وإن وجد النقاش ذلك وتم التصدي له من قبل المؤسسات الأمنية بالقمع، فهناك اعتبارات أخرى لاتخاذ القمع غير حدوث النقاش منها مثلا مدى حب أهل البلد للشخص، وانتماء الشخص العائلي وغيرها. لكن في المدينة لا يهم ذلك ما دامت الدولة رأت فيك خطرًا محتملا فسوف تمارس القمع عليك وإن كنت ابن من!

3- العادات والتقاليد الرجعية:

قد يكون من الصعب فكريًّا تقبل أن للرجعية فوائد، ولكن ما دمنا لم نمتلك التنوير فلنتمسك بالرجعية ذات الفوائد، لعله من المعلوم بالضرورة أن سطوة العادات والتقاليد والأعراف في الريف هي أكبر بكثير من سطوة القانون، وبما أن كلًّا من القانون والعرف رجعيان فشخصيًّا أنا أفضِّل العرف في الحكم والذي قد يجنبني التعرض لممارسات الدولة اللاإنسانية تجاهي، مع اعترافي الكامل أن الجلسات العرفية هي رجعية وأنها في بعض الأحيان خاصة تلك المتعلقة بقضايا الفتنة الطائفية والشرف تكون أكثر ظلمًا من مؤسسات الدولة، لكن بنظرة بعيدة للأمور فتلك الجلسات جعلت الشرطة غير قادرة على ممارسة القمع، يمكن أن نقول أنها كبلت أيدي الشرطة على المدى الطويل وقللت من الاحتكاك الذي تستخدمه الشرطة مبررًا للقمع في أوقات كثيرة.

4- الهيكلة الداخلية للجهاز الشرطي:

تحاول الداخلية دائما إبعاد الضباط والرتب الكبيرة عن العمل في الجهات التي نشؤوا بها خاصة في الريف، بينما تبقي على العساكر وأمناء الشرطة في تلك الجهات الجغرافية القريبة من النشأة، يمكن تحليل ذلك على أنه محاولة للحفظ على البنية القمعية للجهاز والذي يعتبر أمين الشرطة حلقتها الأهم، ولكن أيضًا أرى أن ذلك هو محاولة لمنع التقارب قدر الإمكان بين الهيكل الأساسي للقمع (الرتب الكبيرة) وبين المجتمع وما يمكن أن ينطوي عليه ذلك من تحجيم الدور القمعي للداخلية، ولكنَّ في بقاء أمين الشرطة في عمله ضمن القرية والمنطقة الجغرافية التي تربى بها أيضًا أثرًا سلبيًّا؛ فهو يتجنب القمع الجسدي أغلب الأحيان ولكن يلجأ لممارسات فاسدة تتلخص في الحصول على مبالغ مالية لتخليص مصالح لأهل القرية التي لا تربطه بهم علاقات اجتماعية جيدة وغير ذلك من الممارسات الفاسدة إلا أنه غالبا لا يلجأ للقمع الجسدي (التعذيب) أو الإهانة الجسدية إلا داخل القسم بتوجيه من الضابط (الغريب عن البلد) وهو ما يتعرض بسببه في الخارج للوم المجتمعي على ذلك القمع.

إذن فوجود المظلة الاجتماعية التي توفرها إما الحماية العائلية أو التقاليد والعادات، تربط المجتمع، وهدوء المجال العام هو الذي جعل القمع الممنهج من قبل الداخلية يتخذ صورة أقل تساهلا في الريف. عليه فإن محاولة إيجاد تلك المظلة الاجتماعية في المدينة لمواجهة القمع لن يكون إلا بترابط المجتمع بمعنى أن يكون للمجتمع سيف يدافع به ضد القمع الممنهج، والنقاش حول آلية وجدوى الترابط الاجتماعي في مصر في نظري هام جدا في الفترة التي تنسحب منها الدولة خاصة مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية من دورها المنوط في المجتمع، وعليه فمن الممكن أن يوجد البديل في مؤسسات حقيقية للمجتمع المدني تحاول أن توجد هذا الترابط وتعمل على استغلال هذا الترابط في مواجهة قمع الدولة.

هل يمكن فعلا في ضوء ما سبق أن نصيغ معادلة اجتماعية للحد من القمع الذي يتعرض له المواطنون العاديون – في المدينة – على أيدي الشرطة؟! بالطبع من الممكن ولكن ذلك ينطبق بالأساس على محاولات تحليلية لكن ما دامت البنية الهيكلية والعقلية الأمنية الشديدة السلطوية هي التي تدير الأمور لا يمكن أن تكون تلك المعادلة الاجتماعية ذات جدوى كبيرة، والحقيقة الوحيدة التي يجب أن ندركها جيدًا بلا لبث هي أن المشكلة ليست في (حاتم) إنما في من يقف خلفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد