هل شاهدت حيوانين يتصارعان سابًقا؟ يكفي أن ينسحب أحدهما أو يستلقي حتى يكفّ الآخر وتنتهي المعركة!

لماذا يُعَدُّ الإنسان المخلوق الوحيد الذي يقتل ويعذب نفس نوع جنسه؟

على مر العصور كان الإنسان وما زال القاتل الأكبر لبني جنسه، وهذا ما يتعدى بملايين المرات أعتى الحيوانات افتراسًا والتي تفترس لتأكل وعلى الدوام تقريبًا من غير نوعها، والمميز أن ضحاياه من بني جنسه يزدادون باضطراد مخيف، فبينما كانت هراوة إنسان ما قبل التاريخ تصرع ضحية أو بضع ضحايا، وصل عدد ضحايا الحروب العالمية لعشرات الملايين (٤٨ مليون ضحية للحرب العالمية الثانية وحدها)، فكل (كبسة زر) تكفي لإنهاء حياة العشرات وربما مئات الآلاف (كما في هيروشيما وناغازاكي)، وهذا ما يدفعنا لسؤال أكثر قسوة: هل سيفني الإنسان بني جنسه في يوم ما؟!

لا شك أن دوافع القتل قد تغيرت بتغير الأزمنة، فإنسان ما قبل التاريخ كان يعتاش من الصيد الذي لم يتوفر في كل الأمكنة فكانت ذريعتا الصيد والمكان كافيتين لمجموعة ما للهجوم على مجموعة أخرى، كما كانت المجموعة ذاتها تقدم بين الفينة والأخرى (أضحية) منتقاة بعناية من أفرادها للطوطم البدائي، وبالانتقال للعصور التالية ازدهرت الزراعة وبدأت الجماعات البشرية بتكوين مدن احتاجت أرضًا وماءً وما يتبع ذلك من الدفاع أو الغزو للسيطرة على أماكن صالحة، فسجلات الحضارة السومرية تذكرنا بأن أول صراع كان على الحدود.

لقد تطورت حياة البشر في القرون الأخيرة بشكل مضطرد لا يقارن بما قبله، وهذا ما يجعل جريمة الإنسان المعاصر أكثر استغرابًا من قبل الباحث مقارنة بجرائم إنسان العصور الوسطى وما قبل التاريخ حيث شظف العيش وقسوة الطقس وتحكم رجال قليلين بالثروة والسلطة.

فلماذا يستمر الإنسان (المتحضر المتمدن) في ممارسة القتل وبشكل ممنهج ووحشي؟!

1- المساحة الشخصية

قد يبدو مفاجئًا للوهلة الأولى بأن هذا (التَّمدُّن) – أو بتعبير أدق العيش في جماعات متزاحمة في مساحة محدودة للمدينة – كان من أهم العوامل التي دفعت البشر لعنف أكبر منذ آلاف السنين، سواء ضد جماعات أخرى أو داخل الجماعة نفسها، وهذا ما يوافق ارتفاع معدلات الجريمة في الأحياء المزدحمة والعشوائيات حتى وقتنا الحالي، هناك ما يسمى سيكولوجيًا بـ (المساحة الشخصية) وهي موجودة حتى في عالم الحيوان، وهو ما يحدو بحيوانات المخبر في حال ازدحامها (على خلاف الشروط الطبيعية) إلى قتل بعضها بعضًا.

يبقى مثل هذا الاستنتاج غير كافٍ لتعميمه على الإنسان بهذه البساطة، لكنه في النهاية أحد العوامل السيكولوجية التراكمية.

2- كبت الحضارة للغريزة العدوانية البدائية لدى البشر

السيكولوجي الشهير فرويد يرى أن البشر لم يخلقوا للحضارة والحضارة لم تخلق للبشر، فالحضارة تخيف الإنسان عند كل منعطف من منعطفاتها وتدفعه للعصاب وتدمير الذات، لقد اعتبر فرويد أن أجدادنا الأوائل قضوا أعمارهم في شد شعور بعضهم وضرب رؤوس أعدائهم بالهراوات، لذا فالإنسان المعاصر مضطر لكبت عدوانيته البدائية في كل مكان وهذا ما يؤدي به إلى الخلل النفسي والعصاب.

3- اضطراب النظام العصبي النفسي في الكبح والترشيح

لقد طور جهازنا النفسي العصبي نظامًا كابحًا عالي المستوى ضد الانفعالات الغرائزية تعززه التجارب والقيم الروحية والأخلاقية والقانون والعقوبات، الطفل مثلًا لا يمتثل للنظام الكابح غير المطور لديه بعد، وليس لديه وسيلة سوى البكاء الملح للحصول على الطعام أو غيره من الاحتياجات، والمجرم في كثير من الأحوال يشبه الطفل في هذه الناحية، فتعرضه لخطوب متتالية أودت بجهازه الكابح لأن يصبح غير ذي فاعلية، فهو يعمل تحت قاعدة (سأنجو بفعلتي).

بالإضافة لنظام الكبح السابق هناك ما يسميه علماء النفس والفيزيولوجيا العصبية بنظام الترشيح (كالفلتر تمامًا)، فأثناء كتابتي لهذا المقال أتلقى ما يقارب 10000 منبه خارجي في الثانية (نسمة هواء لطيفة تلفحني، ضوء المصباح، أصوات حفيف الأشجار في حديقة المنزل … إلخ) ولكن الدماغ يقوم بكبح الاستجابة لكل تلك المنبهات والتركيز على كتابة المقال، لقد وجد علماء النفس اضطرابًا في نظام الترشيح لدماغ معظم المجرمين، فهو يحاول الاستجابة لمعظم التنبيهات الواردة دون كبح معظمها مما يولد لديه توترًا شبه دائم وانعدام الإحساس بالهدوء وضبط النفس، فهو أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وقت ما.

4- الميل الغريزي لكره الأغراب

هل يعني لك شخص غريب كما يعني لك قريب أو صديق؟

بالطبع لا، فنحن نتوجه باهتمامنا ورعايتنا للأقارب والأصدقاء، ولا يعنينا الأغراب البتة، هل تذكر شعورك بانقباض ولو طفيف عندما تقابل غريبًا على سبيل التعارف لأول مرة؟

إن الميل الغريزي لكره الأغراب موجود حتى في عالم الحيوان وهذا ما حاول تفسيره داروين حيث لاحظ تجمع أفراد القطيع ذاته في مجموعات مكونة من 50-100 فرد، وعلل ذلك بميل غريزي لحفظ صفات النوع، فلو ظهر جينوم جديد فسيبقى في ذات المجموعة بدل تشتته في القطيع بأكمله.

5- تعميق الإحساس بالذات

معظمنا إن لم يكن جميعنا يرغب في أن يعمِّق إحساسه بذاته وأن يكون محط الأنظار من الجميع وهي من أولويات الإنسان بلا شك.

يهدف المجرم في النهاية إلى تعميق الإحساس بالذات، فلولا (الأنا) والإحساس العالي بها لن توجد جريمة، وهذا ما يدفع المجرمين إلى إذلال الضحية وإلحاق أكبر ضرر أو تشويه حتى بعد موتها، وهو بذلك يحط من قدرها لا لشيء إلا ليرفع من قدره الذي توهَّم، فمعظم جرائم الاغتصاب مثلًا لا يكون الدافع الجنسي هدفًا وحيدًا بقدر ما يكون الهدف إذلال الضحية.

بالطبع كل ما ذكر وهناك أكثر، ليست مبررات للقتل بقدر ما هي محاولة للتفسير، وكلها تخضع للمحاكمة والأخذ والرد، فالنفس البشرية المعقدة لا تزال بيئة خصبة لمحاولة الفهم والدراسة، وإيجاد الأجوبة الملائمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد