يهتم علماء النفس الاجتماعي بالعوامل التي تؤدي إلى اتخاذ أحكام دقيقة أو غير دقيقة على الأحداث الاجتماعية، كما أنهم يهتمون بالحالات الانفعالية لدى الآخرين، وبمقاصد وإدراكات الأفراد في الجماعات التي ينتمون إليها، وعندما نتحدث عن التواصل الاجتماعي تحديدًا؛ فهناك قاعدة شهيرة تقول: «الرسالة كما تُرسل ليست بالضرورة هي الرسالة كما تُستقبل»!

التفاعل الاجتماعي:

التفاعل الاجتماعي في مضمونه، ليس سوى تبادل منظم للرسائل اللفظية وغير اللفظية بين الناس، أي أنه يحدث عن طريق وسيلتين من وسائل الاتصال، هما اللغة المتحدثة «الاتصال اللفظي Verbal Communication»، «والاتصال غير اللفظي Non-verbal Communication»، فإذا كان الاتصال اللفظي هو الكلمات الحقيقية المتحدث بها، فإن الاتصال غير اللفظي يشتمل كل السلوكيات بين الأشخاص عدا الكلمات المتحدث بها.

ومن هنا جاء اهتمام علم النفس الاجتماعي بدراسة المهارات الاجتماعية التي تعتبر المطية التي يمتطيها الأفراد للتواصل. تلك المهارات قد عُرّفت وصُنِّفت من قبل علماء النفس الاجتماعي، تعريفات وتصنيفات كثيرة لن أفيض فيها، ويعد أشهر تصنيف للمهارات الاجتماعية هو تصنيف رونالد ريجيو، والذي يرى فيه أن المهارات الاجتماعية هي مهارات اتصال اجتماعي وتنقسم إلى ثلاثة أقسام :

1- مهارات في الإرسال Skills in Sending أو ما يعرف بالتعبيرية: Expressivity وتدل على المهارة التي يتصل بها الأفراد معًا. وتظهر في الجانبين اللفظي وغير اللفظي «الانفعالي»، وبالتالي يكون عندنا نوعان من مهارتيّ التعبير:

أ- التعبير اللفظي «إجادة لغة الكلام».

ب- التعبير غير اللفظي «الانفعالي».

فالفرد الذي يمتلك مهارة التعبير الانفعالي، هو الذي يكون قادرًا على إرسال الرسائل غير اللفظية، والفرد الذي يمتلك مهارة التعبير اللفظي هو الذي يستطيع التعبير بالكلام عما يريد، مثل إمكانية بدء المحادثة وإنهائها، وطريقة الكلام وأسلوبه.

2- مهارات في الاستقبال Skills in Receiving أو ما يعرف بالحساسية: Sensitivity وتعبر عن المهارة التي تفسر بها صيغ أو رسائل Messages التواصل مع الآخرين، وتظهر أيضًا في الجانبين اللفظي وغير اللفظي «الانفعالي»، وبالتالي يكون عندنا نوعان من مهارتيّ الحساسية:

أ- الحساسية اللفظية، وتعني الاستماع للآخرين وفهم مغزى ما يقولون، وكذلك فهم ما وراء سلوك الآخرين.

ب- الحساسية غير اللفظية الانفعالية، وتعني الحساسية لأشكال الاتصال غير اللفظي؛ بمعنى القدرة على تفسير وفهم الانفعالات والمشاعر المُضمّنة في الرسائل غير اللفظية التي ترسل للفرد من الآخرين.

3- مهارات في التحكم والضبط والتنظيم Skills in Regulating or Controlling:

أو ما يعرف بالضبط: Control ويعبر عن المهارة التي بها يصبح الأفراد قادرين على تنظيمregulate عملية التواصل في المواقف الاجتماعية، وتظهر كذلك في الجانبين اللفظي وغير اللفظي «الانفعالي»، وبالتالي يكون عندنا نوعان من مهارتيّ الضبط:

أ- الضبط اللفظي، ويعني لعب الدور الاجتماعي المناسب، وضبط الاتجاه والمحتوى خلال الحديث.

ب- الضبط غير اللفظي الانفعالي، وهو الكفاءة في ضبط الانفعال.

وبعد كل هذه المقدمات نعود إلى السؤال المحوري:

لماذا تتذمر النساء كثيرًا من أفعال الرجال؟ ولماذا لا يفهم الرجال النساء؟ وهل لهذا علاقة بدرجة المهارات الاجتماعية لدى الجنسين؟

سيقتصر حديثي هنا حول الفروق بين الجنسين في مهارتيّ التعبير والحساسية بنوعيهما؛ الانفعالية «غير اللفظية» واللفظية. سبق أن أوضحت في بداية المقال أنه ليس بالضرورة أن رسالتك اللفظية أو غير اللفظية التي أرسلتها لشخص ما تكون قد وصلت إليه كما أردتها، فمهارة التعبير شيء ومهارة الحساسية شيء آخر، وهذا غالبًا ما يحدث عند التفاعل بين الرجال والنساء.

أثبتت الدراسات العلمية أن النساء تتفوق في مهارة التعبير الانفعالي عن الرجال، وإن كانت هناك دراسات ترجح أن التعلم يلعب دورًا في اكتساب تلك المهارة، فالذكور، منذ لحظة الميلاد، وعلى الأقل خلال الستة أشهر الأولى من الحياة، يكونون أكثر تعبيرًا انفعاليًا من البنات، لكن هذا لا يكون صحيحًا بالنسبة للذكور الناضجين، وباختصار فإن ما يجعل هذا التغير يحدث، ليس أمرًا يتعلق بالجينات، بل هو أمر يتعلق بكيفية تنشئة الذكور اجتماعيًا، والتي تعمل على تحويل الطفل الذكر المعبر انفعاليًا إلى رجل غير قادر على التعبير عن انفعالاته ومشاعره، على الأقل مقارنة بالنساء، وإن كان كثير من الرجال لا يشعرون بأن هناك مشكلة لديهم على الإطلاق، أو لنقل لا يعترفون بوجود مشكلة.

أما بالنسبة للتعبير اللفظي، فتؤكد جميع الدراسات حول العالم تفوق الإناث في النمو اللغوي عن الذكور، منذ بداية اكتساب القدرة على الكلام، وتعد حالة الخرس التي تعتري الرجال في علاقاتهم بالنساء، وعدم قدرتهم على المبادرة بالحديث، أو الحديث في أشياء ليست هي التي تتوقعها المرأة من الرجل في موقف اجتماعي محدد، هي حالة معروفة وشائعة، ويكاد لا يُستثنى منها رجل، كما لا يُستثنى رجل على ظهر الأرض من الشكوى من ثرثرة زوجته وحديثها فيما لا يفيد، على حد وصف الرجال. فالمشكلة تبدو مزدوجة لدى كل من النساء والرجال، كما أنها مزدوجة من حيث علاقتها بكلتا نوعيتيّ المهارة «التعبير- الحساسية»، حيث إن مشكلات معدل الحديث «ندرة الحديث – الثرثرة» لا تعكس مشكلة في مهارة التعبير فقط، بل تعكس أيضًا انعدام الحساسية لردود أفعال الآخرين وللقواعد المعيارية للسلوك الخاص بالمواقف الاجتماعية. وما لا يعلمه كثير من الرجال، أن الثرثرة من أكبر المنبئات والدلائل على تعاسة المرأة وافتقادها الإحساس باهتمام الرجل، فالمرأة توهم نفسها عندما تتحدث معه أن لها قيمة عنده وأنه يستمع لما يشغلها، والرجل برفضه الإنصات لها يعظم المشكلة ويفاقم الهوة بينهما.

بالنسبة لمهارتيّ الحساسية، تكاد تشير جميع الدراسات على مستوى العالم، وعلى اختلاف الثقافات، أن النساء أفضل بشكل دال في تفسير التلميحات غير اللفظية «الانفعالية» أثناء السلوك الاجتماعي، وكذلك في حساسيتهن اللفظية لمحتوى الحديث.

والخلاصة أن هناك مشكلةً عالمية لدى الرجال في مختلف الثقافات، تتمثل في نقص قدرتهم على التعبير بشكليه اللفظي وغير اللفظي، وهو ما يضايق النساء تمامًا، ويتسبب في سلوكيات نفور منهن لا يستطيع الرجال تفسيرها وفهمها، ذلك أن لدى الرجال أيضًا وفي مختلف الثقافات نقصًا في الحساسية اللفظية وغير اللفظية يؤدي إلى عدم فهمهم لما يصدر عن المرأة من إشارات لفظية وتلميحات غير لفظية.

على العكس من ذلك تفهم النساء الرجال، ويدركن الأسباب التي تجعلهم يتصرفون معهن على النحو الذي لم يعجبهن، وعلى الرغم من أن النساء يدركن هذا النقص والعيب الاجتماعي لدى الرجال ويفهمنه، إلا أنهن لا يتقبلنه مطلقـًا، خاصة في السنوات الأولى من العلاقة؛ حيث تكون توقعات المرأة العاطفية في أقصى درجاتها. أي أن المرأة قد تفهم لماذا يسلك الرجل على نحو ما عكس ما ترغب، تفهم أن الأمر لا يعدو كونه نقصانًا طبيعيًا في درجة الكفاءة الاجتماعية للرجل وأنه ليس إهمالاً لها، ولكن ليست كل النساء من تستطيع تجاوز تلك التصرفات، خاصة في المجتمعات التي أعطت مكانة للمرأة، فصارت لا تتقبل أي سلوك ينم ظاهريًّا عن عدم احترام لها، حتى مع إدراكها أنه ليس كذلك في واقع الأمر، وإذا استطاعت المرأة تجاوز تلك التصرفات ظاهريًا، فإنها تبقى غير سعيدة، ولا تكون قادرة على أن تسعد الرجل، وسيشتكي دائمًا من قلة رحمتها له وقسوتها عليه ونفورها منه.

فهل ظلمت الحضارة والمدنية الحديثة المرأة عندما جعلتها ترفع درجة توقعاتها من الرجل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد