يَعِيشُ الْمَغْرِبُ الْيَوْمَ تَحَوُّلًا مِنْ جهتين من جهة الشعب الذي يراكم غضبه «ويكمدها في قلبو» ويطمح للتغيير ورفع مشقة الأزمة عنه وتجاوز حدة الاستبداد المخزني وانغلاق أفق الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن جهة ثانية هي سلطة النظام المغربي الساعية إلى مخططات لتغيير كفة القوة دون الشعب باستهداف منظومة القوى الحية في المغرب وتصفية المقومات الحية في الشعب المغربي ليكون النظام المغربي في الأخير ضمن الأبناء البررة خدام الأجندة الاستكبارية العالمية، التي توصي بتفريغ الشعوب وتفتيت طريق الوعي والهوية والأخلاق، لمنع بوادر أي موجة ثانية التي تبدأ بالوعي بالداء وتنتهي بإزالته خصوصًا وأن زلزال الحراك في المغرب العربي بدأ يرعد.

فِي هذا السياقِ الدولي الاستكبارِي الذي يخطو النظام المغربي فيه خطوات حثيثة من أجل تحقيق توصياته، فإن النظام المغربي في المرحلة الأخيرة عرف تحولًا متصاعدًا في استراتيجية تطبيعه وتنسيقه مع الاستكبار العالمي خصوصًا مع المنظومة الصهيونية والأمريكية لدفع النظام المغربي لدعم خطوات الاستكبار العالمي التصفوية وتعزيز المشروع الصهيوني وأحقية الدولة العبرية مقابل ما يمكن كسبه النظام من تعزيز دولي صهيوني وأمريكي خاص لضرب منظومة مقومات الشعب المغربي والحفاظ على ديمومة الكرسي المخزني.

قَدْ يَتَعَجَّبُ الْبَعْضُ مِنْ كَيْفِيَّةِ اِسْتِفَادَةِ دَوْلَة مِنْ شَرْعِيَّة وَمِصْدَاقِيَّة الْخَارِجِ الْاِسْتِكْبَارِيِّ لضرب شعبها وتفريغه.

هو كذلك فالشعب المغربي والشعوب عمومًا عقبة في إنجاز مشروع الاستكبار وتنزيل صفقات المتطرفين وعقبة في تحقيق مشروع إقامة الدولة العبرية كما صرح بذلك نتياهو، بل الشعوب أشد مهدد حتى لأمريكا والمشروع الصهيوني والاستعماري الغربي أكثر من المقاومة، فتحررها من الأنظمة العربية هو تحرر ضمني من أنظمة تمثل سياجات كانت تحمي الكيان الإسرائيلي المزروع داخل الشعوب العربية والإسلامية، بل وَتَحَرُّرُهَا مِنَ الْمَنْتُوجَاتِ الْقطرِيَّةِ الْحُكَّامِيَّةِ ممكن أن يفضي مستقبلًا إلى تخلص الشعوب من سرطان دخيل ومصنع هؤلاء المنتوجات العربية وهو الكيان.

أعود هنا لأحدثكم عن مستوى التواصل المتصاعد بين النظام المغربي وقوى الاستكبار والصفقة، لست هنا بصدد دراسة أو بحث لأنفذ إلى السرد تحليلًا وتفصيلًا، لكن مطمحي اليوم تقديم مثالين عن هذا التنسيق القديم والجديد في التطبيع وإن كنت سابقًا في قراءات قدمت ما يشفي الغليل لربط المنظومة المخزنية بصانعها العالمي من المنظومة الاستعمارية العالمية.

الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: مَعَ مَشْرُوع الْكِيَانِ

المثال الأول وهو إفراط النظام المغربي في فتح الباب على مصراعيه للاختراق الصهيوني من خلال بوابة التطبيع سواء السرية أو المعلنة، وهي مرحلة متصاعدة بوثيرة سريعة لغايتين:

– من أجل اختراق سياسي عمودي غايته لتعزيز هيكلية النظام المغربي أمنيًا واستخباراتيًا للقدرة على مواجهة المقومات الحية في الشعب واجتثاثها.

ومن أجل اختراق داخلي أفقي يهدف إلى التغلغل في الشعب لبناء كيانات متطرفة عنصرية طائفية لصناعة فوضى مستقبلية تضعف جسم الشعب المغربي على الحراك والتغيير.

الْمِثَالُ الثاني: مَعَ الْوَرَقَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ

المثال الثاني وهو الجديد في الشكل لكنه قديم في المحتوى والمعنى.

وهو التطبيع المغربي الصهيوني بواجهة أمريكية من خلال -هذه المرة- ورقة مهندس الإرهاب كوشنر وزيارته للمغرب، وهي زيارة تأتي في سياق إقليمي تبحث فيه أمريكا عن أطراف داعمة للصفقة إعدادًا لقمة المنامة الاقتصادية.

يتلخص التنسيق والتطبيع الأمريكي المغربي اليوم من خلال حضور عراب الصهاينة وأمريكا وهو صبي ترامب الصهيوني المتطرف كوشنر ليزور المغرب ويزور مقابر حاخامات اليهود في المغرب (يَصفّهُمْ بِالصِّدِّيقِينَ)، لست بصدد الحديث عن اليهود في المغرب فالمقال ليس من أجل ذاك.

لكن الحديث هنا عن اختراق أمريكي صهيوني -في شخص كوشنر- لا يرغبه المغاربة لتنافي ذلك مع أصول المغاربة وهويتهم وفكرتهم تجاه القضية الفلسطينية وعقيدتهم التي ترغب في الحق وترفض الإجرام بنظام الصفقات.

ولهذه الأسباب التي سنسردها يرفض المغاربة زيارة كوشنر احتجاجًا وغضبًا من زيارة شخصية تابعة لمنظومة عنصرية:

السبب الأول: كوشنر هو صهر ترامب صاحب المدرسة الإنجيلية المسيحية التي تؤمن بالدولة الإسرائيلية اليهودية. فكلاهما خرجا في نفس الوقت للترويج للدولة العبرية والإعلان عن القدس عاصمة إسرائيل، وأحقية اليهود فيها دون استحضار للقوانين الدولية والحقوقية التي تؤكد أحقية الشعب الفلسطيني بالأرض وتجرم الكيان الإسرائيلي كدولة احتلال وتكشف عدمية وجود دولة عبرية في التاريخ كما نصت على ذلك تقارير منظمة اليونسكو.

– السبب الثاني: حضور كوشنر هو حضور ورقة صهيونية وشخصية متعطشة للدم، عززت القتل والإجرام في الأمة وغزة وفلسطين، وهو رجل دعم الآلة الصهيونية، بل وحضر إلى الكيان الصهيوني لافتتاح سفارة القدس في ما يسمى تل أبيب في نفس الوقت الذي كانت الآلة الصهيونية تقتل الشباب في مسيرات العودة وغزة. هو يوم شهد حضورًا أمريكيًا في دولة الكيان لفتح السفارة وتقعيد للدولة القومية العبرية لتجريد الفلسطينيين من كل حقوقهم، وتجريد الأمة من مقدساتها ومسجدها الأقصى في اليوم الذي كانت فيه أبواب النظام المغربي مفتوحة للتطبيع ولزيارات صهيونية بدل رفض التطبيع والتنسيق مع الكيان الإسرائيلي.

السبب الثالث: وهو الأساس عندي في القراءة عن زيارة كوشنر اليوم، وأن كوشنر نفسه هو الشخصية الإرهابية ومهندس صفقة القرن التي في محتوى بنودها إقامة دولة فلسطين الجديدة، وهي بنود تصفوية للقضية الفلسطينية من جذورها، وهي بنود تسعى علنًا إلى تجريد الفلسطيني من حق أرضه لتتدخل قوى خارجية (صهيونية أمريكية خليجية) بالقوة للفصل في قضيته التي تعتبر مقدسة ومشروع تحرير فلسطيني.

وأشد معالم الصفقة وهو ما تم إصداره من قانون القومية الذي يجرد أي فلسطيني من جنسيته وانتمائه للأرض ويجعل أحقية السمو والتميز للعنصر اليهودي.

هذا القانون القومي العنصري الذي وافقت عليه أمريكا وترامب وكوشنر الذي تم استقباله في موائد مغربية هو نفسه القانون الذي سيجرد مغاربة في القدس من جنسيتهم وتاريخهم ووجودهم الذي دام لمدة سبعة قرون.

فهل يمكن لدموع عائلات المصلوحي والعلمي والفاسي والتواتي والمصمودي والحضيكي وغيرها من العائلات المغربية المقدسية أن تدفع سلطة المغرب لإحراج كوشنر على «طاولة العزومية» بسؤال ماذا فعلتم بالمغاربة في القدس بعد قانون القومية وما هو مصيرهم؟

بل وأدعو أصحاب الطاولة المغربية المسؤولة والمضيفة لتقديم سؤال لأمريكا.

ألست يا كوشنر يا من تدعم وتدعو إلى إقامة دولة عبرية هي نفس الدولة الصهيونية التي قامت باجتياح حارة المغاربة في 1967 ودكتها بالجرافات وداست على جماجم المغاربة؟

بمعنى أنك يا كوشنر مجرم من نفس الأصل يدعو إلى صفقة تكمل مشروع كيان صهيوني أقام ما يسمى ساحة المبكى على جماجم المغاربة في 1967 لأن الساحة أصلا هي ساحة البراق وهي كانت حي المغاربة.

أليس المطلوب محاكمة كوشنر لأنه خطط لصفقة ستنفذ نظام الميز والأبارتايد في حق المغاربة في القدس وفلسطين وتجردهم من الحقوق، بدل الاستقبال بالزيارة التي تكشف عن قبول جرائم أرباب الصفقة والمشروع الصهيوني؟

سؤال ثان، أليس المرجع «واللفيف الأمريكي الصهيوني في أمريكا» الذي ينتمي له كوشنر هو من دعم سابقًا زرع بلفور وساند احتلال القدس وتدنيس المسجد الأقصى وقتل الأطفال والشهداء المغاربة والفلسطينيين والجزائريين والتونسيين؟

أليس «المجمع الأمريكي» الذي ينتمي له كوشنر والذي وافق على الصفقة هو نفسه من قدم الضوء الأخضر لعصابات الهاكانا الصهيونية سابقًا لتصفية العنصر المغاربي المقدسي في حرب 1948 في قرية عين الكرم وتهجير قرى مغاربية تم حصارها بالقوة وتنفيذ الجرائم في حقها.

– السبب الرابع: كوشنر الزائر اللطيف هو كما يبدو هو من سبق أن تبرع لمدرسة يديرها حاخام أفتى بوجوب ذبج الرضع العرب، فهل يحق إدخال مثل هذه النماذج إلى أرض الأولياء والشرفاء؟

بل وأسالوا عن الحاخام إسحاك شابيرا، أحد مؤلفي المصنف الفقهي «شريعة الملك» الذي يوجب ذبح الأطفال الرضع العرب واقرؤوا ما كشفت عنه صحيفة هارتس العبرية أن عائلة كوشنر صهر ترامب ومستشاره قدمت مبالغ ضخمة لمساعدة المدرسة التي يديرها هذا الحاخام.

صدق الخبير في الشؤون الصهيونية صالح النعامي لما قال: كوشنر هو نفسه صهر ترامب الذي صاغ «صفقة القرن» والذي يملي على حكام العرب حضور مؤتمر البحرين بهدف تصفية القضية الفلسطينية.

‏ألا يستطيع الحكام العرب الذين يلتقون كوشنير، صبي ترامب أن يقولوا له ما كتبه أمس الوزير الصهيوني الأسبق بيلن بأن مؤتمر البحرين فكرة غبية لأنه محاولة أمريكية إسرائيلية لدفع الفلسطينيين للتنازل عن حقوقهم الوطنية عبر إغرائهم بالمال الخليجي.

في الأخير نقول لا الصفقة ستنجح ولا أوراق الصهيونية ستنجح في الضغط على الشعب الفلسطيني لبيع أرض فلسطين. هو العدو الصهيوني فشل -خلال مائة سنة منذ زرع بلفور- لضرب منظومة الصمود والمقاومة واليقين في قلب الفلسطينين والشعوب العربية والإسلامية وهو يفشل كذلك بعد إخراج وعد آخر اسمه وعد ترامب ووعد الصفقة.

وأبرز أمثلة شواهد الهزيمة في الصفقة هو لما خرجت أصغر بقعة عربية إسلامية وهي غزة لتقلب الطاولة على أرباب الصفقة وترسل رسالة أن موازين القوة قد تغيرت.

هَذِهِ بُقْعَة صَغِيرَة غَزِّيَّة انتصرت فكيف بأمة ستخرج، بل هي خرجت وتعمل بالأسباب وتتوكل على مسبب الأسباب وتعرف الحقيقة وتقفه الداء المؤقت الصهيوني وتطرد الوهن وحب الدنيا وترفض التطبيع وتواجه منتوجات الكيان الإسرائيلي التي هي الأنظمة العربية الديكتاتورية الحامية للزرع البلفوري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد