ما لبثت أن ودعت أحياء حلب الشرقية آخر ساكنيها، حتى أطل علينا الوزير الروسي «سيرغي لافروف» من موسكو معلنًا عن مخرجات الاجتماع الثلاثي، الذي جرى بين روسيا وتركيا وإيران؛ لتسوية الأزمة السورية، في غياب غير مبرر لوجود ممثلي المعارضة السورية والنظام السوري؛ كونهم أطراف المشكلة الرئيسين، وفي غياب عربي أوضح اعتزال الدول العربية المعترك السوري، إلى غير رجعة.

وأكد لافروف عراب الاجتماع الثلاثي، اتفاق الأطراف على وحدة واستقلال الأراضي السورية كدولة ديمقراطية متعددة الأديان والأعراق، وعلى عقم الحلول العسكرية في تسوية الأزمة، وضرورة البدء بمحادثات السلام، دون الإشارة إلى عملية انتقال سياسي للسلطة تفضي بإحلال نظام جديد، يلبي تطلعات الشعب السوري بالحرية والكرامة والمساواة، كما تضمن جنيف وما تلاه من مؤتمرات.

إلى هنا تبدو مُخرجات هذا الاتفاق معقولة إلى حد ما، بالنظر إلى الظروف الحالية التي تمر بها الثورة السورية، في ميادين الحرب والسياسة، ولكن هنالك أسئلة تفرض نفسها بقوة على هذا المشهد، الذي تصدرته روسيا غير آبهة بأمريكا التي تترقب رحيل أوباما وتسلم ترامب دفة قيادة أعظم دولة في العالم.

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الأذهان، هل روسيا ومعها إيران وتركيا، يمكنهم حقًا الوصول إلى إيقاف القتال والبدء بمفاوضات سلام تنتهي، بحل توافقي ينهي مأساة السوريين المستمرة منذ ست سنوات؟

نظرًا لتأثير هذه الدول على البندقيات الساخنة في سوريا وبكافة ألوانها وراياتها، يمكننا أن نقول إذا صدقت نيتهم بإيقاف القتال، فذلك ممكن، فإذا أوقفت إيران نشاط قواتها والميليشيات التابعة لها على الأرض السورية، وإذا أجبرت تركيا الفصائل التي تدعمها في الشمال السوري على إيقاف القتال، وإجبار قوى المعارضة السياسية على الحضور والإذعان للمفاوضات، فهاتان خطوتان كبيرتان وجديتان نحو الحل المنشود، لكن ماذا عن روسيا؟

بوتين والذي استعاد جزء كبيرًا من هيبة روسيا دوليًا من خلال أكبر أزمات هذا القرن، يسعى لأن يكون هو صاحب الفضل في إنهائها، لتكتمل صورة روسيا الجبارة في العالم، والتي لا تريد، أي روسيا، باستنزاف قوتها أكثر من ذلك في حرب أمسكت بخيوطها كاملة، وقادرة على فك تشابكاتها بالطريقة التي تحب وتشتهي، خصوصًا بعد أن ركب في سفينتها، كلٌ من تركيا وإيران ومصر والسعودية وأمريكا ترامب.

السؤال الآخر هو أين النظام والشعب السوري من هذه الرؤية الروسية التركية الإيرانية؟ ومن سيضمن رضا هذين الطرفين الرئيسين عن خطوات الرؤية الثلاثية؟

تدخلت كل من روسيا وإيران في سوريا لغايات مصلحية بحته، بعيدة كل البعد في الجوهر، عن النظام وشخص رئيسه بشار الأسد، ومن المهم أن نؤكد أن الجيوش والمقاتلين لا يمكن أن تتحرك لمنع سقوط نظام بعينه، أو لتأمين سلامة شخص بذاته، وإن كان ما حدث يوحي بعكس ذلك.

إن اجتماع موسكو الثلاثي ما هو إلا تقاسم وتوافق على اقتسام المصالح، واعتراف كل طرف من الأطراف، بمصلحة الأطراف الأخرى في سوريا، وإلى هنا يبدو أن تركيا تخلت عن مطلبها الدائم بإسقاط النظام السوري إلى أجل ما، وإرضائها بدعم إيراني وروسي لمصالح الدولة التركية الاستراتيجية في سوريا، وخصوصًا ضمان عدم الوصول لأي كيان كردي في الشمال السوري كما كانت تسعى إدارة الرئيس أوباما، ويبدو أيضًا أن إيران رضيت بضمان الوصول إلى نظام جديد يحفظ مصالحها السياسية والمذهبية، ولا يعادي صولاتها المستمرة في الشرق الأوسط، كما ستحصل روسيا نهاية المطاف على دولة تابعة لها بشكل من الأشكال، قد يكون على شاكلة العراق المقسوم بحرفية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

هذه الاستنباطات والقراءات للواقع السوري وما يرتبط به، تملك الفرصة بإقناعنا أن لروسيا ومعها بقية الأطراف، مصلحة بإنهاء الأزمة في شكلها الحالي، والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف التي تخوض الحرب السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

موسكو
عرض التعليقات
تحميل المزيد