كيف يكون غيرُ المسلم أوفقَ في الفهم والتحليل واتخاذ القرار من المسلم؟ وغيرُ الملتزمِ أقدرَ على الفعل وأمضى من الملتزم؟ هل يُثقل الإسلام أتباعه بما يؤخرهم عن أقرانهم، أم أن ما بين يدَيْ هؤلاء الأتباع ليس من الإسلام في شيء؟

في كتابه (تاريخ الخلفاء) يقول الإمام جلال الدين السيوطي في معرض حديثه عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن كلاب، أبو الوليد، وُلد سنة ستٍ وعشرين، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصحّ خلافته، وبقي متغلبًا على مصر والشام، ثم غَلب على العراق وما والاها، إلى أن قَتل ابنَ الزبير سنة ثلاث وسبعين، فصحَّت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر.

وفي تفصيل مقتل ابن الزبير يقول السيوطي نفسُه: وأما ابن الزبير، فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلَّب عبدُ الملك، فجهَّز لقتاله الحجاج في أربعين ألفًا، فحصره بمكة أشهرًا، ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابنَ الزبير أصحابُهُ، فتسللوا إلى الحجاج، فظفر به وقتله وصلبه.

أي أنه تبعًا لكلام السيوطي: فإن الخارج الباغي عبد الملك ابن مروان قد خرج على خليفة المسلمين عبد الله ابن الزبير، ودعى لنفسه بالخلافة زورًا، فما صحَّت خلافته؛ فلما تمكَّن من الخليفة وقتله – بما تمت الإشارة إليه من حصار مكة، ورميها بالمنجنيق، وحرق الكعبة، وصَلْب الخليفة – صَحَّتْ خلافته، وأصبح خليفة للمسلمين! فهل يستقيم هذا المنطق؟!

هذا الرأي والمنهج هو ما يُردِّدُه دراويش السلفية الآن عن فقه الحاكم في الإسلام، وكيف أنه ليس للحاكم المأسور أو المحصور طاعة، وكيف أن الطاعةَ واجبةٌ للحاكم المتغلِّب. وبالطبع رمينا هؤلاء الدراويش المأجورين بكل نقيصة وشائنة، وحُقَّ لنا أن نفعل، ولكننا في رمينا هذا لم نتعرض للمنبع الذي استَقُوا منه، ولا للتَّكِئة التى اتَّكأوا عليها لتبرير مواقفهم المشينة!

في حين أنه في المجتمع الحديث الآن بات في حكم المُسَلَّمِ به، سواء للمسلمين أو لغيرهم، خلاف ذلك تمامًا. بات مستقرًا في الضمير الإنساني أن الحاكمَ المحصور حكمه فك حصاره، والمأسورَ حكمه فك أسره، والمبغي عليه حكمه نصرته، وفي المقابل فإن الباغي ليس بحاكم ويجب التصدي له، والقاتل ليس بحاكم ويجب القصاص منه.

فهل المجتمع الحديث قادر على مجاراة القيم والمثل الإنسانية أكثر من الإسلام، أم أن فقه الحاكم والمحكوم ذاك ليس من الإسلام ابتداءً، وإنما هو اجتهاد في أمور الحكم والسياسة والإدارة، رآه أصحابه في وقته صحيحًا، ونراه الآن في وقتنا سُبَّة؟

فمثلًا: من يُصِرُّ على عودة مرسي للحكم؛ لأن في عودته مهربًا من استحقاقاتٍ كارثيةٍ ترتبت على الانقلاب، أو لأن عودته ترسيخٌ لقيمٍ ومُثُلٍ يجب عدم التفريط فيها، فله وجهة نظره المقبولة؛ ومن يُصِرُّ على عدم عودته لأن في عودته عودةً لأخطاءٍ كثيرةٍ كانت قبل الانقلاب عليه، ومن الأفضل البدء من جديد، فله وجهة نظره المقبولة أيضًا.

وكلاهما إما مخطئ، وإما مصيب، ولكليهما أن يترك وجهة نظره إلى أخرى في أي وقت يشاء، إذا استجدت له من الأسباب والموازنات ما يدعوه لذلك، بلا حرج ولا شبهة.

أمَّا من يُصِرُّ على عودته لأن له في عنقه بيعة، أو من يُصِرُّ على سقوط شرعيته؛ لأنه لا ولاية للحاكم المأسور، فكلاهما يتلاعب بالدين، ويلوي عنقه ليًّا، ويدَّعي عليه ما ليس فيه، إما عن جهالة مُضَيِّعة، أو كهانة قاتلة!

فإذا كان المسلمون قد احتاجوا في صدر الإسلام أن يجتهدوا في نظام الحكم هذا الاجتهاد الذي نُنكره الآن، أفلا يعني هذا أن الإسلام نفسه لم يقدم نموذجًا صريحًا لنظام الحكم؟ وهل لو كان هناك نظام حكم صريح في الإسلام، فهل يُعقل أن هذا النظام من الضعف بحيث لم يستطع الصمود إلا خمسين عامًا أو أقل، ثم ألقى به الصحابة أنفسهم وأبناؤهم خلف ظهورهم، وبحثوا لأنفسهم في طرق أخرى؟!

فإذا كان التراث الإسلامي (فكرًا وفقهًا وفلسفة وتاريخًا) الذي يتم الآن تبنِّيه، والدعوة له، والعمل على إحيائه، والموت في سبيله، يتجاهل كل هذه البديهيات والإنسانيات، ويُصِرُّ على وجود نظام حكم إسلامي؛ ألا يُعَدُّ هذا مؤشرًا أن هذا التراث بحاجة إلى إعادة نظر وتنقيح، وأنه نفسُهُ (أو على الأقل التصورَ المتداولَ عنه) قد يكون من الأسباب التي أدَّت إلى تأخر المسلمين؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد