في كل عام يزداد الانقسام ويتسع الفتق على الراتق في قضايا لا هي من أصول الدين ولا من جوهر العقيدة، بحيث يتحول المشهد إلى ما يشبه ساحة الحرب بين الآراء المتضادة ويحتدم السجال والجدل البيزنطي العقيم على الفروع بين مؤيد ومعارض لفتوى أو رأي فقهي في مسائل أقل ما يقال عنها أنها هامشية وفرعية ولا تمس أصل العقيدة.

المحزن والمؤسف في هذا المشهد البائس أن بعض الغلاة في كل جانب تتطرف آراؤهم لتكفر أو تقترب من تكفير أصحاب الرأي المخالف ولا تدري كيف أن الذي يقول مثلًا بإخراج زكاة الفطر مالًا يصبح في نظر هؤلاء المتنطعين على شفا حفرة من الكفر يوشك أن يقع فيها.

الأصل أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة، وهذا القول ظل صحيحًا لقرون طويلة، لأن المختلفين من الفقهاء فهموه وأدركوا معناه الصحيح وكانوا يتقبلون ويتفهمون الآراء المخالفة والفتاوى المعارضة ولم تكن مهمتهم الترصد والتشنيع على من يخالفونهم وخصوصًا ذلك الخلاف الذي يتعلق بمسائل فرعية هامشية بناء على اختلاف زوايا الرؤيا لمقاصد الشريعة في هذه المسائل.

في الوقت الحاضر لم يعد اختلاف الأئمة رحمة للأمة، بل أصبح وبكل أسف بابًا لمزيد من الانقسام والتشرذم والتشظي، وصار نقمة على الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، لأن معظم الجيل الجديد من أتباع المذاهب الفقهية المختلفة لم يأخذوا حظًا وافرًا ولا نصيبًا كافيًا من فقه الاختلاف، وجعلوا من هذا الاختلاف الذي يفضي للرحمة والتوسعة على الناس طريقًا للتضييق والتشديد واحتكار الحقيقة والصواب فتحول باب الرحمة هذا إلى مدخل جديد للتناحر والتفرق والتباغض.

هنالك مسائل فرعية كثيرة تحتمل الاختلاف لأنها لا تمس أصول الدين، وهذا يعكس حيوية هذا الدين ويظهر مقدار السعة والمرونة التي تجعل تشريعاته صالحة لكل زمان ومكان ومواكبة للتحديث والتطور الذي تشهده جوانب الحياة المختلفة، حيوية الدين هذه تراعي التطور واختلاف الظروف والمعطيات حسب الزمان والمكان.

الاختلاف الرئيسي الذي يحدث في مسائل هامشية كاعتماد بداية الشهر من خلال رؤية الهلال بالعين المجردة أو بالتلسكوب أو الركون للحسابات الفلكية هو اختلاف متوقع بين مدرستين: واحدة تأخذ بالتفسير الحرفي للنصوص وأخرى ترى الأخذ بمقاصد ومدلولات النص لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. المشكلة أن مثل هذا الخلاف حدث في عهد الرسول الكريم وأعطى الرسول درسًا للناس في كيفية التعامل مع هكذا خلاف! في غزوة بني قريظة قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فصلى قسم من المسلمين في الطريق لأنهم فهموا من قول الرسول أنه يريد استعجالهم ولم يقصد المعنى الحرفي للقول بينما صلى القسم الثاني في أرض بني قريضة لأنهم أخذوا بالفهم الحرفي لما قاله … ماذا كانت ردة فعل الرسول على الطرفين؟ أقر الرسول صلى الله عليه وسلم كل فئة على فعلها ولم يخطئ أيا منهما! لم نسمع عن حدوث سجالات ومعارك كلامية وتشنيع بين الفريقين بل كان الخلاف خلافًا طبيعيًا هامشيًا ولم يصل إلى ما نراه اليوم بين المسلمين على مسائل أكثر هامشية.

في كل عام تتجدد المعارك والسجالات الطاحنة، وكأنها أصبحت أمراضًا مستعصية ومزمنة يخفت وجعها طوال العام، ليثور مرة واحدة في شهر رمضان كما في موضوع رؤية الهلال أو إخراج زكاة الفطر! حينما يفتي أحد العلماء بجواز إخراج زكاة الفطر نقدًا تثور ثائرة الجماعة المضادة والتي ترى في زكاة الفطر أمرًا تعبديًا لا يجوز فعله إلا كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتشعر وقتها أنك أمام قنابل موقوتة نزع هذا الرأي المخالف فتيلها فانفجرت مرة واحدة، وكأن هؤلاء الحريصين على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما يدعون لم يسمعوا كيف كان ابن عمر وابن عباس يختلفان بكل هدوء واحتواء ولم يقرأوا عن مقدار الرقي والأناقة في اختلاف الشافعي وأبي حنيف ومالك وابن حنبل والذين اختلفوا في نفس المسائل! كثير من هؤلاء المنتسبين إلى الفقه لا يدركون حجم الضرر والتشويه الذي سببوه للإسلام بأفعالهم هذه! حولوا الإسلام من دين تجمع وتآلف وتواد وتراحم إلى دين تفرق وتباغض وانقسام ولا أدل على ذلك من ما شهدته الدول الإسلامية مؤخرًا في موضوع عيد الفطر حتى وصلت بأهل البلد الواحد إلى الانقسام بين صائم ومفطر!

إذا لم يعد الاختلاف في بعض المسائل الفرعية رحمة للأئمة، فالأولى إنهاؤه لا تحويله إلى حقل ألغام يشظي جسد الأمة ويقضي على انسجامها وتآلف مكوناتها!

كما أن قادة وزعماء المسلمين قادرون على الاجتماع وعقد القمم والمؤتمرات، فإنهم قادرون على انتداب بل وإجبار خيرة علماء وفقهاء كل بلد على الاجتماع بعيدًا عن المناكفات السياسية من أجل وضع حد لهذه الخلافات الفرعية التي قسمت الناس وأضرت بصورة الدين، هؤلاء العلماء الذين ورثوا الأنبياء يتحملون وزر هذا الجدل والاختلاف الحاصل لأنه لم يعد خلافًا هامشيًا، بل تحول إلى بؤرة موسمية ساخنة شرذمت المشرذم وقسمت المقسم. العلماء قادرون على الوصول إلى فتاوى توافقية تراعي مصلحة الأمة بالمقام الأول، ويستطيعون أن يصلوا إلى مقاربات واقعية تنهي هذه الحالة البائسة التي وصل لها المسلمون، وعلى الأقل إن لم يستطع هؤلاء العلماء أن يتوافقوا ويتفقوا فعليهم أن يؤسسوا لمنهج جديد في الاختلاف يقود الناس للتفهم والتفاهم والقبول بتنوع الآراء الفقهية بعيدًا عن التعصب والتشنيع والتكفير.

إنهاء الخلاف في بعض المسائل الفقهية صار ضرورة ملحة، لأن المصلحة العامة للمسلمين تقتضيه لأنه يدرء مفاسد كثيرة أصبح يعاني منها المجتمع المسلم بسبب هذا الخلاف، حتى لو وصل الأمر إلى التصويت على بعض المسائل كطريقة رؤية الهلال وثبوت رمضان والعيد وكيفية إخراج زكاة الفطر، لأن ذلك يعني أنه أصبح لدينا أغلبية لها رأي في هذه المسائل وهذا يبعث على الاطمئنان في قلوب المسلمين لأن أغلبية العلماء لا يمكن أن يجتمعوا على خطأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد