تحمل النصوص الشرعية عامةً والنبوية على وجه الخصوص توجيهات جليلة على أهمية النصيحة في حياة المسلم، وهي نصيحة تبدأ من عامة المسلمين وتصل إلى أئمتهم، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، رحمهما الله تعالى، عن النبي قال: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وقد جعل النبي النصيحة الصادقة للمسلم من حقِّه على أخيه، فقال: «حَقُّ المسلم على المسلم سِتٌّ… وإذا استنصحك فانصح له» [رواه مسلم].

هذه النصوص الثرية تحمل البذور الأولى لحالة مرنة من النصح والتقويم، تضمنت إرشادات عامة لمجمل المجتمع المسلم، ليقوِّم الاعوجاج، ويسد الخلل، ويُصلح أمر دنيا الناس ودينهم، وتُقدم لنا هذه الأحاديث والتجربة السياسة الراشدة صورةً أشمل عن سقفٍ مرتفع للحرية في المجتمع الإسلامي الأول – بتعبيرات العصر-، فقد كانت أبواب الخلفاء مفتوحة، وكان الرأي – إن لم يكن فيه مخالفة للشريعة- يُصدح فيه أمام الخليفة. هذه الحالة من «الحرية» بمفهومنا الحديث، تستوجب أن تكون موجودة في الحركات الإسلامية من باب أولى، التي تقدم نفسها الأمينة على المشروع الإسلامي، وحاملة لواء تحقيق عودته الحضارية، في سياق تحويل المناصحة العامة إلى حالة معاشة. فقول «لا» في الحركة الإسلامية ليس خروجًا عن الثوابت، أو تفريطًا بالقرارات، أو شقًّا للطاعة مهما كانت.

ما أود إيضاحه أن الحركة الإسلامية بنت جزءًا ركيزًا من هويتها على «مبدأ الطاعة»، وإن تم محاولة تحسين أثر العبارة في المتلقي لأصبحت «الطاعة المبصرة» أو «الطاعة على بصيرة»، إلى ما هنالك، بل حفلت الكتب التأسيسية للكثير من الحركات الإسلامية على التركيز المتكرر على مفهوم «الطاعة»، بل لا يترقى المنتمي في التنظيم الحركي إلا عند الوصول إلى «كمال الطاعة»، في إشارة إلى تسليمه الكامل بالنظم الداخلية وقرارات الحركة، بل رؤيتها وتحالفاتها وقراراتها وتوجهاتها.

وقد مر معي أن واحدة من الحركات، التي درجت على تقديم «الطاعة» قبل أي أسئلة أخرى، وجعلته الركن الأساسي في نظامها، والحفاظ على وحدة الصف فيها قبل أي سؤال آخر، ولو كان استفهامًا بسيطًا على غرار كلمة لماذا. أعود إلى هذه القصة، التي تقول بأن أحد القيادات في الحركة اعتكف مدة من الزمن، على أثر مراجعة تمت بسبب قرارات اتخذها، ونوقش فيها، فعلى أثر طول عهده بـ«نعم» المطلقة والطاعة عمياء ومبصرة، من دون أي استفهامات ومراجعات، أصبحت «لا» صنوًا للجحود، ورديفةً للخروج عن إجماع لم يُبن إلا في ظل هذه الازدواجية الغريبة، وتصبح الاستعانة بهذه النصوص العالية، حاجة ضرورية عند تقديم النصح إلى الآخر، تُستدعى عند الحاجة إليها فقط.

الإشكالية الكبرى أن الكثير من التيارات الإسلامية والدعوية لا تبني داخل جسدها التنظيمي بنية واضحة لإيصال الأصوات الناقدة والناصحة، والنقد ها هنا لا يحمل إلا معانيه الإيجابية، حتى إن الكثير من هذه التيارات لا تتبنى وسائل شورية في اختيار القادة والمسؤولين إلا بعد سنوات طويلة، من العمل على أرض الواقع، أو أن أنظمتها الداخلية تتضمن بنودًا تعطي المسؤول أو الرئيس مما يشبه السلطات المطلقة، وهي سلطات تفتح المجال أمام المزيد من السلطة الأبوية أو «السلطة الفرعونية».

حتى تلك الحركات التي نجت من التفرد المطلق، وتبني قراراتها على الشورى، ينقسم فيها التعامل الشوري إلى قسمين، الأول الذي يراها مُعلمة وليست مُلزمة، ما يعني أن القائد قادرٌ على تبني ما يراه مناسبًا من توجهات وآراء، ولو خالفت مطلق رأي جماعته، ويكون اجتماعه مع الأطر القيادية التي تليه ليس إلا من باب استماعٍ لمزيد من الآراء ليس إلا. أما القسم الثاني فهو الذي يعد الشورى مُلزمة، ويعتمد التصويت العددي، مع تفصيلات تعود إلى النظم الداخلية في آليات هذا التصويت وطريقته، وهو أسلوبٌ عام يجعل الكفة تغلب أحيانًا على فوارق ضئيلة.

وفي عودة إلى لب الموضوع، وهو قول «لا» البناءة، ومحاولة رفض إجراءات وقرارات يرى فيها جزءٌ من الحركيين أنها خاطئة أو متسرعة أو لا تناسب المرحلة. ولكن مشكلة أخرى تظهر حينها، فبناء على البنية التنظيمية للكثير من الحركات الإسلامية، تغيب الآلية الواضحة للمناصحة، والنقد وإيصال الصوت المختلف، وتتحول هذه الأصوات بفعل الأمر الواقع، والممارسة العملية إلى خروج عن الصف، وشق الطاعة، ورفض فج ومتكرر للقرارات العليا، وهو سلوك من الحركة سيدفع هذه الكتلة المناصحة إلى العديد من الاتجاهات، ولكني سأركز على اتجاهين اثنين هما:

الاتجاه الأول ما يظهر في الحركات الإسلامية الكبرى والممتدة، إذ تظهر تياراتٌ ضمن الحركة الواحدة، فعلى أثر خيارات إستراتيجية لها علاقة بالسياسة والعلاقات مع الآخر، وتتمظهر بالمزيد من التشتت على وسائل التواصل الاجتماعي، ويصبح الأفراد على غرار المثل الشائع «كلٌ يغني على ليلاه»، وينقسمون بين رافضٍ ومبررٍ ومبارك مؤيد، في مشهدية تعكس الصحة التي تتمتع بها الحركة من جهة، وأن المنضمين إليها لم يغيبوا تمامًا عن آثار «صناعة القرار»، ولكنه أيضًا بوح يستبطن رفضًا أو على الأقل غيابًا عن المشاركة في صناعته، وعدم قدرة الأفراد على الاعتراض وإبداء الرأي، خاصة عند المحطات المفصلية من عمر الحركات الإسلامية.

أما الاتجاه الثاني، فهو الخروج من الحركة الأم، على شكل خروجٍ فردي، أو عبر مجموعاتٍ كبيرة متتالية، إما لأن صاحب النصح تبرم من ضيق المساحة التي تُعطى إليه في صفوف التيار الإسلامي، وهي مساحة نادرة الوجود، وفي ذلك العديد من الأسباب بحسب مشاهداتي، أو أن محاولاتهم في الإصلاح – وهي تندرج في إبداء الرأي- ستنتهي على توقع واضح، ويصبح لسان الحال «دع ما لقيصر لقيصر»، ويتحول صاحب الرأي والنظر ومن يحمل همًا في الإصلاح إلى عنصر بارد يريد لنفسه البقاء على الهامش، تجنبًا لصراعاتٍ لن تسمن ولن تغني نفسه ولا إطاره ولا حركته شيئًا.

في الختام، النقد ورفع الصوت بالحق، وإيصال الاعتراض، هي أمور واجبة، قد أوجبها علينا الشرع الحنيف قبل الحركة والجماعة، والقيام بها لا يستوجب إذنًا من أحد، ولكن العبرة بالممارسة وفتح القنوات، وليس بالكلام المجرد فقط، بل أرى أنها ركنٌ بالغ الأهمية يجب أن توضع قواعده وترسى نظمه؛ إذ يسمح للحركة بأن توصل أصوات أصغر أفرادها، من خلال أدوات وآليات تجمع بين المعاصرة التقنية، وأصالة الحركة ونظمها الداخلية، ولا يجب أن تظل هذه الآليات غائبة أو مغيبة، لا تُرصد لها الجهود أو الأفكار، كما ترصد في كثيرٍ من الأحيان لتطوير بعض الجوانب الإدارية والعملانية والتقنية من الجماعات العاملة للإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد