ربما تظننى مبالغًا أو متحيزًا في بداية الأمر، لكنها الحقيقة التى نحاول تجاهلها، أو التهرب منها، أو في أحيانٍ أخر عدم الاعتراف بها.

نعم – غالبًا – يموت الأزواج قبل زوجاتهم، وإذا أردت التأكد من ذلك، فلا عليك، إلا نظرة سريعة إلى من حولك من أقرباء أو معارف أو جيران، حتى تبدأ علامات التعجب فى الارتسام على وجهك، وتكتشف أن أكثر العائلات التى مات فيها أحد الزوجين خلفت من ورائها «أرملة» وليس «أرمل»، وأن رب الأسرة – غالبًا – يلقى ربه قبل زوجته.

وإذا سلمنا بالأمر، وشهدنا به، وتأملنا فيه، فسيقفز إلى أذهاننا سؤال مُلِح، ألا وهو: «لماذا»؟ لماذا – غالبًا – يموت الأزواج قبل زوجاتهم؟ لماذا يرحل الرجال أولًا؟

والسؤال هنا ليس بحثًا عن السبب، فإن كان المسببُ اللهَ فلا تسألن عن السبب، فإنها أقدارٌ مكتوبة وآجالٌ موقوتة، لا يقدّمها سبب، ولا يؤجلها آخر.

ولكن السؤال هنا بحثًا عن الحكمة، التي هى ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، فما الحكمة إذن في أن يتوفى الله – عز وجل – الأزواج أولًا؟

1- لا يقوم البيت إلا بالمرأة

«قميصٌ من قماش تخيطه الأم يبعث الدفء، وقميصٌ من الصوف تخيطه امرأة غريبة لا يدفئ» ـ مَثل فنلندي.

قلما تجدُ زوجًا تُوفيت عنه زوجته، ولم يتزوج بعدها، ولكنك على الجانب الآخر ستجد أكثر النساء قد فعلن ذلك، وليس ذلك لأن الرجال أكثر شهوةً من النساء، فهذا أمر فطري، وليس لأن النساء أكثر تضحيةً من الرجال، فقد جبلن على ذلك، ولكن السبب الرئيس هو أن الأسرة لا تنشأ إلا بالمرأة، وأن البيت يصعب قيامه بغيرها، ولكن من الممكن جدًا قيامه بغير الرجل.

فالمرأة هى ربة البيت وملكته؛ فهي من تقوم بالتربية والتوجيه، فضلًا عن كونها هي من تقوم بالأمور الحياتية الضرورية لأية أسرة، كإعداد الطعام وغسل الثياب.

فأنّى للرجل أن يفعل كل ذلك أو نصيفه أو قليلا منه! وهو الذي يقضي جُل يومه كادحًا وراء لقمة العيش؛ حتى يوفر لزوجته وأولاده حياة كريمة.

وأنّى للإنسان أن يُبنى بغير تلك الأساسات! وأنى للبيت أن يُقام بغير تلك الأعمدة!، وأنّى للأسرة أن تنشأ بدون تلك الضرورات!، وأنّى للحياة أن تستقيم بغير كل ذلك!

2- المرأة هي صانعة الإنسان

«وراء كل رجلٍ عظيم امرأة» ـ نابليون بونابرت.

بتلك المقولة المعروفة الكثير من العور؛ لأننا إذا ما أردنا الإنصاف فيجب علينا أن ننتقل من التعميم إلى التخصيص، ومن التنكير إلى التعريف، وذلك بتغيير كلمة واحدة، حتى تصبح المقولة أكثر إنصافًا وصدقًا وعدلًا، وحتى تعكس واقعًا حياتيًا نحياه يومًا من بعد آخر، لتصبح المقولة «وراء كل رجل عظيم أُمَّهُ».

ونحن لا ننكر بذلك دور الزوجة فى حياة الرجل، ولكننا نُذَكر فقط بتلك المرأة التى صنعت منه رجلاً، رجلاً قادرًُ على تحمل المسئوليات والأعباء ومواجهة الحياة بكل تحدياتها وصعابها، رجلاً عازماً على النجاح والنبوغ، رجلاً متسلحاً بالعزيمة والإصرار، رجلاً متحلياً بالاجتهاد والمثابرة، إننا نُذَكر فقط بتلك المرأة التى صنعت منه «زوجاً» رائعًا فى حياة زوجته!

إن الأم هي التي تبنى أعظم بناء، ألا وهو «الإنسان»، فهي التي تربي وتوجه وتقوم وتعلّم وتنَشئ وتدير وتدبر، وإنك إذا ما دققت النظر إلى الكثير من عظماء البشرية، لوجدتهم قد قامت أمهاتهم على تربيتهم وتنشئتهم.

تربى الإمام «أحمد بن حنبل» في حضن أمه بعد وفاة أبيه؛ فأصبح إمامًا من أئمة الدنيا؛ يقول رحمه الله: «حفظتني أمي القرآن، وكان عمري عشرًا، وكانت توقظني قبل الفجر، فتدفئ لي الماء إذا كان الجو باردًا، ثم نصلي أنا وهي ما شاء الله لنا أن نصلي، ثم ننطلق إلى المسجد، وهي مختمرة لتصلي معي في المسجد، فلما بلغتُ السادسة عشر، قالت: يا بني سافر لطلب الحديث؛ فإن طلبه هجرة في سبيل الله». حتى قال أحد جيرانه عنه عندما كان في صباه: «أنا أنفق على أولادي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف أدبه وعلمه وحسن طريقته!».

ويقول «توماس أديسون»: «إن أمي هي التي صنعتني؛ لأنها كانت تحترمني وتثق بي، أشعرتني أني أهم شخص في الوجود، فأصبح وجودي ضروريًا من أجلها، وعاهدت نفسي أن لا أخذلها كما لم تخذلني قط».

وقد حرصت أم الإمام «البخاري» على تربيته وتعليمه الحديث بعد أن فقد والده، وقد ربته على حب العلم ومجالسة العلماء، حتى صار أمير المؤمنين في الحديث.

وتولت أم الإمام «الشافعي» تربيته والعناية به، حيث إنه لم ير أباه؛ إذ قد مات وهو رضيع.

وقد وهب الله «محمد الفاتح» أمًا فاضلة ربته على مكارم الأخلاق، وأعدته للمهمة التي كان يحلم بها الكثيرون من أمراء وقادة المسلمين، لقد كانت تأخذه وهو طفل صغير وقت صلاة الفجر لتريه أسوار القسطنطينية، وتقول له في ثقة: «أنت يا محمد تفتح هذه الأسوار، اسمك محمد كما قال رسول الله». والطفل الصغير يقول متعجبًا: «كيف يا أمي أفتح هذه المدينة الكبيرة؟». فترد عليه الأم:«بالقرآن والسلطان والسلاح وحب الناس». واستمرت الأم العظيمة تغرس فيه هذه المعاني، حتى بلغ عمره 22 عامًا، ومات أبوه السلطان مراد الثاني، فدخلت عليه أمه، وهو يبكي على أبيه فقالت له: «أنت تبكي فماذا تفعل النساء؟ قم .. القسطنطينية بانتظارك وأعداء أبيك في كل مكان».

3- تُبنى الأسرة بالعاطفة وليس بالمال

«ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم» ـ شكسبير

لا شك أن الفقر من أعدى أعداء الإنسان على مر الزمان، حتى أن رسولنا الكريم قد استعاذ منه في قوله: «اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر»، ولا ينكر أحد أن الغنى من أكثر الشهوات المحببة إلى النفس، وأن المحمود من المال يُعد من أهم الضرورات التي تعينك على أمر دينك ودنياك. إلا أن البيوت لا تقوم بالدرهم والدينار، وإنما بالحب، ولا تُبنى الأُسر بالذهب والفضة، بل بالمودة والرحمة. فكم من أُسر من حولنا مغمورة فى نعيم الدنيا من ظاهرها، لكنها مفككة ومبعثرة من الداخل. وكم نعرف من عائلات فقيرة تنعم في سعادة يتمناها أصحاب القصور.

تَهبُ المرأة أبناءها ما لا يشترى بالمال، فهى تهبهم الحب والحنان والأمان، تفعل ذلك باستمرار، دون توقف، وبصدق وإخلاص بغير مجاملة أو تملق، وبدون مقابل مادي أو عاطفي. إن برّ الأم بأبنائها بر فطري وجِبِلِّي، بينما في كثير من الأحيان يكون بر الأبناء بأمهم بر متَكلّف ومصطنع.

إن عدم التماثل أو المساواة بين الرجل والمرأة في الجانب العاطفي لا يعد مطلقًا ظلمًا لها أو انتقاصًا من قدرها أو تقليلًا من شأنها، لكنه على العكس تمامًا، يُعدُ رفعًا لقدرها وتعظيمًا لدورها، فإن النساء يتميزن بتغليب العاطفة ولين الجانب؛ لأن الله قد خلق حواء من شيءٍ حي، ألا وهو ضلع آدم، وذلك إعدادًا لمهمتهن الكبرى ووظيفتهن الرئيسة، ألا وهي بناء الإنسان والتعامل معه وتربيته وإعداده، بينما يُعرف الرجال بتغليب العقل على العاطفة؛ لأن الله قد خلق آدمَ ـ عليه السلام ـ من الأرض، لذا يتصف الرجل بصفات ما خُلقَ منه من شدة وقساوة، وذلك تجهيزًا لمهنته الأولى، ألا وهي عمارة الأرض والعمل بها لكسب المعاش.

وفي النهاية تبقى الحكمة الخالصة من هذا الأمر لدى الخالق سبحانه وتعالى، يقضى في خلقه بما يشاء وهو العليم الحكيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأزواج

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد