وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا سورة الإسراء الآية 16 

عاش المغرب يوم 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 فاجعة وطنية، بسبب حادث انقلاب قطار في منطقة بوقنادل بين مدينتي الرباط والقنيطرة، والتي راحت ضحيتها حوالي 11 قتيلًا وعشرات المصابين والجرحى، وهذه الحوادث يمكن ان تقع في أي دولة وهو شيء طبيعي، بسبب مسببات وأخطاء بشرية أو تقنية، إضافة إلى أن الدول التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها فإن المسؤول أو الوزير الوصي على قطاع النقل والتجهيز والمواصلات يقدم استقالته فورًا وبدون حسابات ضيقة أو تفكير؛ وذلك احترامًا لمشاعر ذوي ضحايا الحادث.

إلا أن هذا الأمر لا نجده في الدول التي لا تتوفر فيها شروط العدالة المؤسساتية والحقوقية ومن ضمنها المغرب، بالرغم من أنه قطع خطوات هامة نحو احترام حقوق الإنسان وأوجد ترسانة قانونية وحقوقية تحافظ على صيانة هذه المكتسبات، وإن كانت هذه المكتسبات والحقوق والقوانين تظل حبرًا على ورق وحبيسة الندوات والمؤتمرات الفكرية دون تأثير حقيقي على المشهد السياسي والحقوقي، خاصة في الخمس سنوات الماضية التي عرفت نكوصًا وانكفاءً حقوقيًا خطيرًا على مستوى الحريات والحقوق بسبب سياسات الحكومة الملتحية التي تعتبر من أسوأ الحكومات في تاريخ المغرب لا على مستوى الممارسة، ولا على مستوى الخطاب، وأيضا حتى على مستوى القيم، بالرغم من أن الحكومات السابقة التي عاشت في حقبة سنوات الرصاص كانت أرحم من هذه الحكومة التي أوصلت الخطاب السياسي داخل المشهد السياسي المغربي إلى مستوى غير مسبوق من الإفلاس والتمييع  في مشهد سياسي بئيس يثير الشفقة أكثر مما يثير القرف.

هذه الحكومة الحربائية التي تحالفت مع قوى الفساد والاستبداد وظل المواطن حبيس قراراتها التي أفقرته وجوعته وجعلت منه لاجئًا في وطنه ودفعت بشبابه نحو الهجرة القسرية بسبب انسداد اﻷمل واﻷفق داخل بلاده.

إلا أن الشيء الذي شكل صدمة للرأي العام المغربي، في هذا الحادث وأضحى حديث الوكالات الإخبارية والصحف العالمية، ما تعرض له ركاب القطار من اﻷموات منهم والأحياء، تعرضهم للسرقة من طرف مواطنين عاديين، مستغليين حالة الفوضى التي خلفها حادث القطار، بالرغم من المجهودات الجبارة التي قامت بها عناصر الوقاية المدنية والأمن في انتشال جثث الضحايا وإنقاذ الجرحى، حيث تعرض ركاب القطار إلى فقدان امتعتهم وأوراقهم الشخصية وأموالهم من طرف أشخاص مجهولين وعاديين، نزعت من قلوبهم ذرة الشرف والمروءة، بل وصل بهم الأمر إلى بتر أطراف بعض الضحايا لسرقة مجوهراتهم وحليهم، هذا بالإضافة إلى استغلال أصحاب سيارات الأجرة لهذا الحادث والرفع من التسعيرة في غياب تام للجان المراقبة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اانحدار الأخلاقي والقيمي الذي وصل إليه المجتمع المغربي، إننا في خضم فصل جديد من تدهور الانبساط الاجتماعي في المغرب أدى إلى خلخلة النسيج الأخلاقي داخل المنظومة المجتمعية والتي فقدت بوصلتها بسبب تخريب المنظومة التربوية والتعليمية وإفلاسها (ومامقررات البغرير والمسمن علينا ببعيد)، وفشل البرنامج الاستعجالي للتعليم الذي صرف عليه مليارات الدراهم بدون نتيجة تذكر، وإفلاس الخطاب الإعلامي المغربي الرسمي في ضرب قيم المجتمع، وترهل الجسم القضائي على مستوى الأحكام وتطبيق القانون وتجزيئه على البعض دون الآخر، إضافة إلى نكبة الخطاب الديني الذي لم يعد يقوم بواجبه، وانحصر دوره فقط في اجترار خطب ومواضيع  اهترأت بحثًا وتنقيبًا لا تلبي الإشباع المعرفي والفكري والروحي للمجتمع، إضافة إلى خطابات شرعنة القهر والظلم على المنابر تحت مبررات واهية بناء على قاعدة وإن جلد ظهرك وأخذ مالك.

كل هذه المسببات  والعوامل أدت إلى ظهور نمط أخلاقي متطرف  بسبب الحالة الإقتصادية والمعيشية التي تؤدي إلى ظهور هذه الأنماط الأخلاقية، ففلسفة الأخلاق في المجتمعات تقوم على قيم ومبادئ تؤدي إلى وجود توازن قيمي مجتمعي تؤدي إلى استقرار الدولة، وما النظرية الخلدونية، إلا دليل على أن فساد الكوادر العليا والصغيرة وأفراد المجتمع العاديين ما هو إلا نتيجة حتمية على احتضار الدولة بسبب نخر فيروس الفساد في أساساتها.

إن اختلال ميزان العدل داخل الدولة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور الاجتماعي والأخلاقي الذي يعتبر أساس شخصية المجتمع ومرآتها نحو اﻵخر من الثقافات والمجتمعات الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد