منذ شهر تقريبًا والمصريون يحبسون أنفاسهم بعد ظهور دعوات تطالب بالنزول إلى الشوارع والميادين تحت شعار «ثورة الغلابة» لإسقاط نظام «عبد الفتاح السيسي»؛ نظرًا للتدهور الاقتصادي والمعيشي غير المسبوق في تاريخ مصر الحديث.

دعوات «ثورة الغلابة» التي طفت على السطح، وتحديدًا في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما بدأت بعض المواقع الإلكترونية المعارضة في تسليط الضوء عليها، لم يعرف من الذي يقف خلفها؛ فإعلام النظام اتهم جماعة «الإخوان» بالوقوف خلف هذه الدعوات، بينما اتهم بعض أعضاء الجماعة على مواقع التواصل النظام بالوقوف خلف ما تسمى «ثورة الغلابة».

بعد انقضاء يوم الجمعة 2016/11/11 بدأت ملامح المشهد تتضح شيئًا فشيئًا، فما رأيناه يمكن وصفه بـ«البروفة الثورية» التي أثبت من خلالها «نظام السيسي» للعالم قوته، في إحكام قبضته الأمنية على الشارع المصري.

المشهد في الشوارع والميادين كان أقرب إلى تدريبات يختبر فيها النظام قوة انتشار قواته – الجيش والشرطة- وإحكام أجهزته الأمنية على مؤسسات الدولة الهامة والتمركز أمامها، وفي نفس الوقت لقياس ردود أفعال المصريين بعد فشل أي حراك مناهض لقرارات النظام، وإن كانت تمس «لقمة العيش» للمصريين.

علينا أن ندرك أن النظام بعد حزمة القرارات الاقتصادية الأخيرة الموازية لقرض صندوق النقد الدولي، ناهيك عن اختفاء بعض السلع الأساسية تيقن أنه سيكون هناك انفجار شعبي وشيك، ولكن هذا الانفجار لن يكون في يوم 11/11 الذي أطلق عليه «ثورة الغلابة»، وما يدل على ذلك أنه من المعروف أن البنك الدولي يقدم لأي نظام، يطبق إجراءات البنك للحصول على القرض، حزمة من النصائح الأمنية لكيفية التعامل مع الغضب الشعبي والتظاهرات، وحتى الثوارات الشعبية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان النظام المصري متيقن من عدم حدوث ثورة وشيكة، وهنا أقصد ثورة الغلابة، فلماذا كثف من انتشاره العسكري، وتمركز قواته، واستعراض عضلاته؟ الجواب يكمن أن النظام يدرك أن هناك انفجارًا وشيكًا كما ذكرت سابقًا؛ لذلك رأى أنه من الأفضل أن يجري استعدات أمنية تشبه التدريبات، ولكن في الشوارع والميادين لمعرفة مدى قوته في مواجهة الشعب، ووضع يده على نقاط الضعف والقصور في أداء أجهزته الختلفة، بالإضافة إلى قراءة ردود أفعال الشارع، ورفع تقارير عنها؛ لوضع خطط مستقبلة لكيفية مواجهة مثل هذه الأحداث.

وبالتالي فإن النظام المصري يتعامل مع الثورة القادمة التي يتوقعها مثلما تتعامل الجيوش مع مشاريع الحرب سابقًا، من تهيئة نفسية الجنود والقوات والشارع لمواجهات محتملة قد تكون دموية، وهنا لا أفسر بالضرورة أن أحداث 11/11 هي صنيعة أمنية أو مسرحية، ولكن علينا أن نضع كل الاحتمالات أمامنا، وهي: أن هذا الحراك قد يكون من صناعة الأمن، أو أن أجهزة الدولة استغلت دعوات التظاهرات لتنفيذ ما ذكرناه سابقًا.

الأهم في هذا الصدد هو أن علينا أن نستنتج أن النظام أدرك يقينًا من خلال تقارير رفعت من جهات سيادية – كما ذكرت صحف غربية سابقًا – أن ثورة قادمة، أو بالأحرى انفجارًا شعبيًّا ضد النظام، فذلك بدأ بالاستعداد له.

لو أردنا أن نستدل على هذا التفسير، فعلينا أن ننظر إلى زيارات مدراء أجهزة استخبارات دولية بشكل علني وغير علني إلى القاهرة، ولعل أبرز زيارة حدثت مؤخرًا هي للواء «علي مملوك»، رئيس مكتب الأمن القومي السوري التابع لنظام بشار الأسد، وقد نقول إن النظام المصري يريد أن يستفيد من تجربة نظيره السوري الذي يقاتل فصائل المعارضة منذ اندلاع الثورة السورية في مارس (أذار) 2011، وأنه يستعد لمثل هذه المواجهات.

أما إذا أردنا أن ندل على فكرة رغبة النظام في قياس مدى قوة أجهزته الأمنية واستعداد أفراده، فعلينا أن نسترجع تصريحات السيسي بتاريخ 26-9-2016 عندما أكد أن القوات المسلحة تستطيع أن تنتشر في محافظات مصر كلها خلال 6 ساعات فقط؛ لحماية الدولة، يقصد حمايته ونظامه.

لا يهمنا في النهاية أن نعرف من هو الذي خطط لدعوات التظاهر في 11/11 – ثورة الغلابة – ولكن الأهم أن ندرك أن النظام أثبت قدرته على التحكم في الشارع ومفاصل الدولة والسيطرة على ردود أفعال المواطنين وقمع أي مظاهرات مناهضة له بل واستعراض قوته،  والتي تكللت في نهاية اليوم بموافقة صندوق النقد الدولي رسميًّا على إقراض نظام السيسي 12 مليون دولار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد