الألم لا يعدو كونه شعورًا من المشاعر! ولا قيمة لمشاعرنا الاخرى حتى تلك المحمودة من دون الألم، لأنه إذا كان بالضد تتميز الاشياء، فإن الألم هو الضد الذي تتميز به مشاعرنا الاخرى! وليس بوسعي أن أتخيل كائنًا معدومًا من الألم؛ لأنه سيكون حينها معدومًا من الشعور على الجملة!

أجمل المكسب هو ذاك الذي يعقب الخسران، وأعظم الغنى هو ذاك الذي يتلو الفقر، وعليه فإن أكبر السعادة هي ما سبقها ألم! إننا ما كان لنا أن نعرف معنى السعادة من دون أن نتذوق شيئًا اسمه الألم، والألم ليس شعورًا سيئًا في حد ذاته، السيئ في الأمر هو تعاقب الألم من بعد الراحة، لأننا لا نشعر إلا بالتغير! فربما أحدهم في قمة سلم السعادة في نفسه من الرضا ما في نفس أحدهم في أعلى درج البؤس، ما يضير الإنسان حقًا هو أن يتغير أو أن تتغير عليه الحياة! يٌخيل إلي أن سعادة الإنسان ليس بكم السعادة أو الشقاء في حد ذاتهما، وإنما بمدى التفاوت الذي عاشه بين الشعورين المتناقضين.

الحب، والعطف، والرفق، والإحسان… إلخ. مما يتبارون في بسطه ومنحه وكثير من المشاعر الإيجابية الأخرى إنما هي مدينة للألم نفسه! إننا بارعون في تعاطفنا لأننا بارعون في أوجاعنا! في كل تجربة موجعة تمرين لعواطفنا ومشاعرنا، ومع كل فقدان نتعلم قيمة البقاء وبعد كل سلب ندرك فضل العطاء!

الألم هو وسيلتنا لاكتشاف الحياة، لتجنب الخطر، لضمان البقاء، لا أجزم بأنه الوسيلة الوحيدة، ولكن أعدكم بأنه الوسيلة الأنجع على الإطلاق! مٌذ كنا أطفالًا صغارًا يبهرنا من النار المشتعلة وهيجها فنغمس فيها أصبعنا، ولولا توجعنا منها أول مرة لظل الإنسان على نفس سذاجته واندفاعه! كان لا بد أن نتوجع من ألم المخادعة حتى نتعلم ألا نثق ومن ألم الفراق حتى لا نتعلق ومن ألم الاخفاق حتى لا نتوانى!

يقول الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي ويليام جيمس: «الألم هو مفتاح الإبداع وطريق العبقرية».

ولوح إلى ذلك المعنى توفيق الحكيم أيضًا قائلًا: «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم».

العقل البشري المسؤول عن توليد مشاعر الألم هو نفسه المسؤول عن توليد مشاعر السعادة، ويكأنه كان مقدرًا أن يكون من كان قويًا في حزنه وسخطه كان قويًا في فرحه ورضاه، أليس غريبًا أن تكون قدرة الإنسان متعادلة في بإساءة ومضرة!

أعتقد في دخيلة نفسي أن المستوى العام من الرضا الذي يحصده الإنسان في حياته يتحدد بالفارق بين أسعد لحظة عاشها وأتعس حادث مر بها وبناء على هذا الافتراض فإن البشر جميعهم متساوون من حيث الرضا العام، وإن كانوا يتفاوتون بينهم من حيث مستوى السعادة والتعاسة في حد ذاتها، إلا أنهم مشتركون في حقيقة واحدة مفادها أن الحياة تنقلب بهم نفس المنقلب، وأن الأيام تدور عليهم دائرتها بنفس القسوة، وهذا ليس من باب الغرابة، وإنما من باب العدالة!

أليس عجيبًا أن يكون حقيقة الموت – وهي على مرارتها – من أساسيات سعادة الإنسان في محياه! تخيل أنك ضمنت لنفسك بقاء سرمديًا في الحياة فكيف سيسعد الإنسان بنجاته من كل تجربة أليمة ظن نفسه هالكًا فيها؟ وإن كنت ضمنت قربًا أبديًا بجوار أحبائك فما قيمة التعلق إذا لم يكن ثمة فراق! إننا نسعى في الحياة قدر ما نستطيع، وبكل ما نملك من قوة وطاقة؛ لأننا نعلم يقينًا أننا سنرحل يومًا، ونتمتع برفقة أحبتنا كل لحظة من زمن لأننا ندرك أن ذلك قد لا يكون متاحًا في الغد! كم ستكون الحياة مملة إذا كانت بحوزتنا إلى الأبد! ويا لضجر الحياة إن لم يكن باستطاعتنا أن نحتفل في نهاية كل يوم بنجاة جديدة!

الإنسان أدرك تلك الحقيقة في قرارة نفسه إلا أنه يكابر في الإذعان بها! حتى أننا أصبحنا نصطنع الألم ونستجديه إن لم يجدنا هو! وأعتقد أن كثيرًا من آلامنا دخيل مٌتصنع! كأن السعادة من بقية ما بوسع الإنسان أن يضجر منه فيحيك لنفسه ألمًا جديدًا حتى يصبح باستطاعته أن يجد السعادة من جديد، ويكأن البحث عن السعادة والولوج فيها أدعى للرضا من الاستقرار في السعادة نفسه، كأن مصير الإنسان أن يبقى دائمًا ساعيًا مستجديًا، ولا يرضى من الحياة بما دون ذلك!

ولا أجدني الآن أتذكر شيئًا غير بيت شعر ردده أبو الطيب المتنبي منذ ألف سنة:

سُبحانَ خالِقِ نَفسي كَيفَ لَذَّتُها *** في ما النُفوسُ تَراهُ غايَةُ الأَلَمِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد