بقيت علاقة الإنسان الغربي بحيوانه الأليف وبالحيوانات بشكل عام من أكثر الأمور المسببة للحيرة لي وذلك بعد حوالي خمس سنين من إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية.

بحثت طويلًا عن مجموعة من الأمثلة التي تتعلق بتعامله مع الحيوان على أمل أن أجد لها تفسيرًا منطقيًا يوضحها كلها أو بعضها.

بعض الأمثلة المتضاربة التي تجعل الإنسانية تفسيرًا بعيدًا لهذه العلاقة.

– شاهدت مقطع فيديو سُئل فيه أفراد أمريكيون السؤال التالي: لو أن هناك فرصة واحدة فقط لإنقاذ كائن حي واحد من اثنين يتعرضان للغرق، هل تنقذ كلبك أو جارك؟

كان الجواب نفسه تقريبًا؛ أنقذ كلبي.

– بكت جارتي عندما أخبرتني أن كلبها محتاج لعمل جراحي ولم تبكِ عندما أخبرتني غير مرة أن ابنها نقل بسيارة الإسعاف وهو غائب عن الوعي وبحالة خطرة بعد تناوله جرعة زائدة من المخدر، والذي أثار فضولي أكثر أن سيارة الإسعاف غادرت بابنها وعادت هي إلى منزلها.

– أي فيديو لإنقاذ حيوان ما يتم تحميله على مواقع التواصل الاجتماعي يراه عشرات الملايين، بينما فيديو لإنقاذ طفل مسكين كضحية لحرب مجنونة لا يراه أكثر من بضعة آلاف إنسان.

– لماذا لا يرفع الذين يتظاهرون لمنع العنف ضد الحيوانات صور ذبابة الفاكهة أو صور فئران وأفاعي التجارب أو صورة خنزير غينيا مثلًا؟

لماذا دومًا يرفعون صورًا لحيوانات حلوة عيونها كبيرة طالما أن التعاطف هو مع جنس الحيوان بشكل عام؟

– كيف يكون الأمريكي مفرط الحساسية لإيذاء كلب وهو يستهلك خلال حياته حوالي 7000 حيوان (usa today) في غذائه.(حصة الفرد الواحد)؟

– كيف يستمتع الناس في مجتمع مفرط الحساسية لتعذيب الحيوانات بأكل ملايين الأطنان من الـcrab (السرطان البحري) الذي يسلق حيًا؟

– كيف يعد إنفاق الأمريكيين على حيواناتهم الأليفة مبالغ طائلة (60 مليار دولار عام 2016) عملًا إنسانيًا، فيما يوجد أكثر من 600 ألف مواطن أمريكي مشردين بلا مأوى. إذ إن مبلغًا كهذا يكفي لإعادة تأهيلهم في عام فقط بواقع 10 آلاف دولار للمشرد الواحد.

قرأت الكثير من تحليلات المختصين وتناقشت طويلًا مع مربي الحيوانات الأليفة وكانت الردود على تساؤلاتي محدودة ومحصورة بالنقاط التالية:

– في مقال على صحيفة نيويورك بوست بعد رصد ظواهر عديدة مما سبق حاول الخبير تبرير تعاطف البشر مع مصائب الحيوان مقابل مصائب البشر بأن الإنسان دومًا يبحث عن مسؤول ليزيح العبء الأخلاقي عن كاهله في مصائب البشر، فهو دومًا ما يجد أن الإنسان قد تسبب بمصيبة لنفسه أو لإنسان آخر بما يعفيه من المسؤولية الأخلاقية.

أما في حالة الحيوان فلا نجد أن الحيوان غير العاقل عادة مذنب بمصيبته.

– إن الكلب كأهم الحيوانات الأليفة في الولايات المتحدة كائن وفي يحزن لحزنك ويسعد لسعادتك ويفرح لقدومك ولا يريدك أن تغادر المنزل، يعطيك إحساسًا كاملًا بوجود روح إلى جنبك دومًا لا يتبدل مزاجه ولا يشتكي ولا يطلب منك أكثر من طعامه، لا تحتاج أن ترسله إلى المدرسة أو أن تؤجر من يرعاه في غيابك اليومي. يفعل كل ما تطلبه منه دون تذمر، لا تحتاج أن تجامله… إلخ.

فهم يرون أنه عوضهم عن العلاقات المكلفة وإراحة من هموم ومسؤوليات تربية الأبناء الذين عادة ما يغادرون أهليهم في أول فرصة سانحة في هذا البلد.

لكن كل التحليلات والآراء التي سمعتها لا تفسر كل ما سبق فمحاولة تفسير علاقة الإنسان الغربي بالحيوانات على أنها أحد أشكال ذروة هرم الإنسانية تتنافى مع كثير من الحقائق كونهم من أكثر الشعوب استهلاكًا للحوم وبالتالي قتلًا للحيوانات للتغذية، إقدامهم على إخصاء حيواناتهم، أكلهم بعض الحيوانات التي تسلق حية، تقديس حياة حيوانهم الأليف على حياة أقرانهم في الإنسانية، الاهتمام ببعض فصائل الحيوان وعدم الارتكاس لأخرى.

من وجهة نظري كلمة واحدة تستطيع تفسير كل ما سبق؛ هي الأنا.

إن التصحر الاجتماعي في الغرب جعل الناس في عزلة وجعل العلاقات الإنسانية مكلفة ومتكلفة وللهروب من هذا الجانب اللاإنساني السلبي لجأ الإنسان للحيوان (وخاصة الكلاب) ووجد فيها ملجأ لحاجة نفسية وعاطفية.

إن الإنسان الغربي هو صاحب الحاجة لحيوانه الأليف وليس العكس كما يصور البعض مدفوعًا بدعايات شركات (يقدر حجم استثمارها بحوالي 60 مليار دولار بالسنة الواحدة).

الحيوان أصبح بحاجة الإنسان عندما وضعه بين أربعة جدران والحقيقة أنه فيسيولوجيًا أقدر على الحياة من الإنسان نفسه، فمولود الحيوان قادر على المشي والركض خلال دقائق والاعتماد على نفسه غذائيًا خلال أيام ومحاولة عكس الصورة أن الإنسان يضفي على الحيوان من إنسانيته لحاجة هذا الحيوان غير صحيحة.

نعم؛ يحب الإنسان حيوانه الأليف لحاجته له وبسبب الأنا، ويأكل الحيوان الذي يحب لحمه بسبب الأنا، ويعقم حيوانه ويمنعه من الإنجاب بسبب الأنا، ويتعاطف مع إنقاذ الحيوان أكثر من إنقاذ طفل (مختلف) بسبب الأنا، ويهتم لحياة بعض الفصائل من الحيوان ولا يهتم بأخرى بسبب الأنا.

فمن يحاول أن يصبغ كل ذلك بصبغة إنسانية إما جاهل أو مضلل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

USA Today
New York Post
عرض التعليقات