فشل أحزاب الإسلام السياسي في دول العالم العربي لم يأت من فراغ، بل هذا الفشل الذريع في التسيير دلالة على أن فكر هذا التيّار لا يعير اهتماما للواقع؛ لأن الإسلام السياسي في الحقيقة ما إلا ردّة فعل على سقوط الخلافة العثمانية، وبالتالي كانت أهداف هذا التيار استعادة هذه الخلافة، دون إعطاء أدنى اهتمام للواقع الذي يقول إن فكرة الخلافة هي فاسدة لا تصلح لأي مجتمع بعد ظهور الدول القومية وتنامي الشعور الوطني في كامل أنحاء العالم، واقتناع الناس بأن السياسة هي لعبة مصالح تعتمد على الدهاء، واللعب بكل الوسائل للحفاظ على مصالح الشعب والوطن، والحاكم أصبحت مهمّته الحفاظ على مصالح مواطنيه وأمنهم، وليس إمامة الصلاة والتدخّل في خياراتهم الدينية، وإرغام المسلمين على مبايعته بالقوّة والإكراه مثلما كان يحصل في أغلب فترات تاريخنا.

يقال في السياسة أن الحزب هو تنظيم مكوّن من مجموعة من الأفراد الذين يحملون فكرا وبرنامجا سياسيا موحّدا، يسعون إلى بلوغ السلطة بواسطة الشعب من أجل تطبيق هذه الأفكار وهذا البرنامج، وتلقائيا السبب الأول الذي سيتبادر إلى ذهننا هو أن أحزاب الإسلام السياسي باختلاف الأوطان، لا تملك أي برنامج واقعي علمي مبني على نظريات علمية، كسائر أحزاب التيارات الأيديولوجية الأخرى، فجلّ ما تدعوا إليه هو الحكومة الإسلامية وتنفيذ الشريعة وحراسة الدين، مثلما ذكرها المرشد السابق للإخوان حسن الهضيبي في كتابه دعاة لا قضاة.. وهذه الأفكار هي في الحقيقة تعتبر من تناقضات الإسلام السياسي، فلا يوجد في السياسة والدستور شيء اسمه الحكومة الإسلامية، في ظل دستور يسمح بالمنافسة الحزبية والتعدّدية، فكيف يعقل أن يؤمن الإسلام السياسي بأن الحكومة الإسلامية هي فرض واجب، وفي نفس الوقت بالتعدّدية الحزبية؟ أليست هذه التعدّدية الحزبية الفكرية كفيلة بإسقاط صفة الإسلامية على الحكومة؟ وهل سيؤمنون بحق المسيحي مثلًا في اعتلاء الحكم؟ بالطبع لا، وبالتالي هذا التعايش الإسلاموي مع الأفكار المتناقضة مع أدبياتهم هو أحد أسباب ضبابية مواقفهم، إن لم نقل نفاقهم، فتارة يقولون إننا نؤمن بالمواطنة، ثم يقولون إنهم لن يقبلوا بولاية غير المسلم عليهم، المهم أن تتلخّص أفكار الإسلام السياسي فيما يلي:

  1.  تقسيم مواطني البلد الواحد على حسب انتمائهم الديني والطائفي، فعندهم المواطن لا يرونه على حسب الانتماء للأرض، بل يرونه مؤمنًا أو كافرًا، ثم مسلما سنّيًا أو شيعيًا، لذلك المواطنة عندهم تمر عبر مصفاة الطائفة، وبهذه الطريقة يزرعون الطبقية في المجتمع والتمييز العنصري، بحيث يصبح المسلم غير متساوي الحقوق والواجبات مع غير المسلم أو المسلم ذي المذهب المخالف لمذهب الأكثرية.
  2.      العامل الثاني هو كنتيجة للعامل الأول، بحيث سيتم منع كل مواطن مخالف لمذهب وعقيدة الحزب المتأسلم الحاكم من تقلّد الوظائف ذات المسؤولية العالية, مثل الرئاسة وتسلّم الحقائب الوزارية والاشتغال بالجيش وغيرها، التي ستكون حكرا على المسلمين الذي يتبنّون نفس رؤية ومذهب الحزب الحاكم، أما غير المسلمين فسيتم إخضاعهم لدفع الجزية وهم صاغرون.
  3.  تطبيق ما يسمّونه الشريعة وإقامة حكومتهم المتأسلمة سيتطلّب القضاء على المعارضة السياسية، وهو إجراء قد يتسبب بكنسهم من السلطة، لذلك سيعمدون إلى التحالف مع الأحزاب أشد رجعية مثل الأحزاب السلفية من أجل كسب الأغلبية وبالتالي تصبح الكفّة تميل لصالحهم لتمرير قوانينهم الرجعية، مما يسمح لهم بتجاهل كلّي للمعارضة، لأن دعوات الإخوان والسلفيين السابقة بكفر العلمانيين والليبراليين والاشتراكيين والقوميين والدعوة إلى سريان حكم المرتدّين عليهم أصبحت غير مقبولة تمامًا.
  4. الاعتراض على القوانين التي تنادي بالمساواة بين الرجل والمرأة، وهنا يظهر التناقض الكبير بين ما يؤمنون به من فكر متخلّف ومتحجّر ينادي بالوصاية على المرأة, وبين ادّعاءاتهم في الإعلام وتصريحاتهم التي تقول بأنهم قد قاموا بمراجعات لأفكارهم حولها، وسمحوا بمشاركة العنصر النسوي في العمل السياسي، لأنهم في الحقيقة لن يسمحوا أبدا بوصول المرأة إلى اعتلاء قيادة الحزب فما بالك بقيادة دولة وشعب بأكمله؟ وهم في باطنهم يؤمنون بالحديث الذي نسبوه للرسول: لن يفلح قوم ولوا امرهم لأمرأة.

أما نتائج هذا الفشل فقد سبق وأن رأيناها في تونس ومصر والعراق والسودان وحماس في فلسطين.. ففي تونس مثلا ما أن وصل حزب النهضة إلى الحكم حتّى تسبّب باثارة مشكلة أمنية بالتحريض على قتل أبرز القيادات اليسارية ومنها شكري بلعيد ورفض علي العريض وزير الداخلية الأسبق القبض على الإرهابيين الذين كانوا يتدربون على الأسلحة في الجبال التونسية والادعاء أنهم يمارسون الرياضة، فالمشكلة الأمنية قبل وصول النهضة إلى الحكم لم تكن مطروحة، وبعد 3 سنوات من الحكم، أصبحت المشكلة الأمنية في تونس مشكلة جدّ خطيرة، كما تجلّى فشل النهضة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بتعرض الكثير من مقرّاتها إلى الحرق والتخريب من طرف المتظاهرين، وهذا الفشل تسبب بعودة أزلام النظام القديم بغلاف جديد وهو حزب نداء تونس.. وبعد تجربة النهضة مع الحكم، أدركت مدى طوباوية الأفكار الإسلاموية التي كانوا ينادون بها، فكانت النتيجة هي التحوّل الكلّي لهذا الحزب نحو العلمانية، في موقف لم ينتظره حتى أكبر المتفائلين بأحداث تغيير شامل في حزب النهضة.

وفي مصر، كان الفشل الإخواني ذريعة، وهنا تبرز مقولة الأحزاب الإسلاموية لا تختلف عقليتها عن عقلية العسكر، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، وهي عملة الاستبداد، فقبل رحيل مبارك كان الإخوان يتفاوضون مع عمر سليمان من أجل الوصول إلى حلّ توافقي مع السلطة معتقدين أن نظام مبارك لن يسقط، وبعد الوصول إلى السلط، ظهر الارتجال المذهل في الحكم والخطب الهزلية الديماغوجية، ومعاداة الإعلام والقضاء، ووصل التطرّف إلى تهديد المثقّفين ومطاردتهم وتكفير الأقباط والشيعة، ثم محاولة الانقلاب على الديمقراطية بحشر جميع السلطات في يد الرئيس مرسي بفضيحة الإعلان الدستوري، وبعد ظهور نوايا انقلابهم على حلفائهم العسكر ونقض شركائهم، تم كنسهم من السلطة ليدّعوا أن الجيش انقلب عليهم.

الإسلاموية التي نشاهد تغولها هي كردة فعل لضعف العالم الإسلامي وخضوعه للقوى الغربية الإمبريالية والاستعمارية بعد أن كان قويًا ومهيمنًا، يحكم نصف الكرة الأرضية تقريبًا فخرج بعض المتطرفين في الثمانينات، في محاولة لاستعادة المجد الإسلامي والحث على ما يسمونه بالصحوة الإسلامية والسلفية وبكل الوسائل الميكيافيلية، والدليل الذي يبين الفقر الفكري لمثل هذه الجماعات هو فشلها في إنتاج برنامج واقعي عملي مستقل عن اجتهادات الفكر الغابر، فلا دراسات ولا مقالات ولا كتب سوى كتب التكفير والتكرار والدعوة إلى الخلافة وأستاذية العالم، ولذلك الإسلاموية، التي تسيطر على الإعلام، لا هم لها إلا التهجم على معارضيها، وخصوصا على العلمانيين وتشويههم، والترويج لفكر السلفية الوهابية، إما لإنتاج برنامج وسياسة مبنية على نظريات علمية خاصة بها، فهذا من سابع المستحيلات، وهذا ما يفسر أن التيار الإسلاموي هو تيّار يعتمد على الضعف الفكري للشعوب الإسلامية وقلّة اطلاعها على تاريخ الفكر في دينها، وهو شبيه بالتيّار الشيوعي الذي لا يمكنه حشد الشعب إلى صفّه إلى في فترات الضعف الاقتصادي للأمم.

إن هزائم الحركات الإسلاموية لا تعني نهايتها ورحيلها دون رجعة، بل على العكس فالإسلامويين يبقون الطرف الأقوى في كل استحقاق انتخابي، وهذا بسبب الإمكانيات المادية الكبيرة بحوزتهم دون أن ننسى حقيقة أن كل منابر الإعلام والتعبير في العالم العربي قد أقفلت في وجه التيّارات الديمقراطية والمدنية، وتركت للإسلامويين الإعلام والمساجد.

إضافة إلى الدعم الخارجي الأمريكي الذي يراهن على تشكيل جبهة سنّية بقيادة الإخوان من أجل استعمالهم  في وقف زحف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ومن أجل خلق حرب طائفية بأكذوبة الصراع السنّي – الشيعي، يتم فيها تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ، ولدينا في إسلامويي العراق أكبر دليل، وضعف المعارضة الديمقراطية وتراجع اليسار وانشغاله بالصراعات الداخلية هي من الأسباب أضعفت من قوته، بل إن تراجع اليسار والليبراليين هو سبب تفشي الإسلام السياسي، ولدينا في فترة مصر الليبرالية أيام العشرينات أكبر دليل بحيث كانت أفكار الإسلام السياسي مجرّد أضحوكة أمام أفكار قامات الفقه والاجتهاد، مثل محمد عبده وعلي عبد الرازق الذي دعا إلى الدولة المدنية آنذاك، وألفّ كتابا يحمل عنوان: أصول الحكم، أثبت فيه بطلان ما يسمى بالخلافة بالأدلة الشرعية، ورأى أنها مجرد اجتهاد؛ فكفّروه وهمّشوه، ومن الإسلام فصلوه، فالعامل الذي ساعد الإسلام السياسي على الصعود هو الخطاب الديماغوجي للأحزاب الدينية، والجهل السياسي للشعوب العربية، الذين يظنون أن اليساريين عبارة عن ملحدين، والليبراليين منحلّين، والعلمانيين كفّار وماسونيين.

وهذا ليس لأن غالبية الشعوب العربية هي شعوب إسلامية، وإنما هذه من دعايات الإسلام السياسي، والخطأ الثاني هو حصر الشعوب العربية تيار اليسار في الأحزاب الشيوعية فقط، وحتى بعض المفكرين مثل ماركس أو أنغلز أو لينين الذين لا يحظون بأي احترام من طرف أغلبية الشعوب العربية وسمعتهم جد سيئة، كما نمت في اليسار ما يسمى بالأصولية اليسارية، هذا فضلا عن أن شعارات اليسار ارتبطت بالثورة السوفياتية في عهد لينين، فلا زال اليساريون في خطابات الثورة الروسية وخطابات الشيوعية ومقولات ماركس، بل حتى المصطلحات التي تعود إلى الثورة الروسية مازالت نفسها عند اليساريين الذي عجزوا عن تقديم خطاب جديد للشعوب العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب " الدين السياسي و نقد الفكر الديني " - مولود مدي
عرض التعليقات
تحميل المزيد