بعد مرور 5 أعوام على بدايتي في كتابة الشِعر، ودخولي لهذا العالم المتفرد المتعالي بجماله وسحره وأنهاره وبحوره، عن أن تعاينه أي عين، أو تختلف عليه أقدام من لا يستحقون دخول جنّته والسكن في فردوسه، أو سبر أغواره وفهم أطواره.

أصبح عندي من الذائقة الشعريّة، والمخزون الأدبي، والموهبة المتنامية، والشغف المُتَّقِد ما يؤهِّلني إلى حد كبير لأن أعتلي مقعدي، وأملأ مكاني بين الشعراء الّذين خطّوا أسماءهم وأشعارهم على جدران التاريخ بحروف من ذهب، وزرعوا كلماتهم خارج بوتقة الزمان وفي حدائق الأدب.

فها هي حدائقنا عامرةٌ نضرة، فوّاحةُ العطورِ بفضلهم.

أولئك الشعراء الّذين سحروا أهل عصرهم ومن جاء بعدهم بأشعارهم ومقالهم وحلاوة بيانهم. نحن اليوم بفضلهم نتفاخر بأدبنا وبنتاجهم الشعري أمام العالم أجمع.

وكأيِّ شاعرٍ شغوف جمعتُ شتات أشعاري، وقصائدي المتبعثرة في كلِّ ركنٍ وزاوية في منزلي، وفوق ورق دفاتري وكتب دراستي. وأحيانًا ما كنت أخطّه على عجل على يدي، مخافةَ ضياعه قبل تقيّده بالحبر أو بقلم الرصاص على دفتر.

جمعتهم في ديوان واحد نسّقته، وأعددته بنفسي وقسّمته لأربعة فصول مختلفة المحاور. وكتبتُ مقدمته فخرج بمجموع 260 صفحة، وتخيّرت له اسمًا يليق به ليعكس بصدقٍ ما بداخله. والفرح العارم يملؤني كأنّي أختارُ اسم مولودي الأول.

أخيرًا، استقر رأيي على «ظِّل قصيدة» لتكون قصائدي وديواني الأول مرآةً لتلك الحقائق التي تُلقي بظلالها على عالمنا المحسوس، بحسب تعبير أفلاطون، وقد كان شاعرًا أيضًا.

ثمَّ بهدف عرض ديواني ليُقيَّم وإن تم قبوله ليُنشر، طرقتُ أبواب دور النشر الكبيرة والصغيرة والمتوسط منها. التي لديها فروع وممثلون في مكان إقامتي قمت بزيارة فروعها ومقابلة ممثليها، وباقي دور النشر راسلتها عبر الايميل وبشتى الطرق الممكنة.

حتَّى زرت وراسلت ما يقارب ثلاثين دارًا، لكن النتيجة التي حصلت عليها، وما سمعت من أغلبهم كان صادمًا.

كانوا كلَّما سمعوا مني كلمة «شِعر» تغيرت ملامحهم وانتفضت معبرةً عن رفضٍ قاطع، قبل أن يطلعوا حتّى على محتوى ديواني أو يقيّموه أو يفكروا بقيمة ما أعرض إن كان يستحق النشر أم لا.

يكفي أن اسمي ليس معروفًا ليضمن لهم ربحهم ونفاد الطبعة الأولى بسرعة ليبدؤوا بالثانية فالثالثة، وأني كاتبٌ مغمور -كما قال لي أحدهم- ليُرفض عملي بنسبة 50 بالمئة.

وكون المادة التي أعرضها شِعرًا لا تستهوي قرّاء عصري يتكفّل هذا بالقضاء على الـ 50 بالمئة الباقية.

القول المشترك بينهم غير الرفض القطعي، كان عرضهم أن أتكفّل أنا بتكاليف الطبع والنشر كاملة سأحملها على عاتقي لينشروا لي، ويشاركوني هم بالربح فقط. ولا يلزم في هذه الحالة أي تقييم وتدقيق للنص أو مراجعة له.

دَّار نشر واحدة فقط، في إحدى دول عالمنا العربي الكبير طلبت أن تقيّم النص، وبعد فترة أرسلت لي بإجازة ديواني من لجنة التدقيق وبقبول نشره، لكن بمبلغ 2900 $ مقابل 500 نسخة فقط.

وهذا ما يقتل أحلام كلّ شابٍ عربيٍ مبدع، أو كاتبٍ أو شاعرٍ يحلم بنشر نتاجه الفكري والأدبي، في ظِّل سياسات دور النشر البعيدة كلَّ البعد عن هدفها الرئيسي ومسارها المُحدد لها، وما يجب عليها في كونها محرك الثقافة الأول، وحارس الفكر الّذي يقيّم ومن ثمَّ يخرج علينا بما يستحق أن يُقرأ ويُنشر بحق، فيثري عقولنا ويحقق لنا أفضل نوع من المعرفة.

والأسئلة تبقى تتكرر ولا تلتقي بأجوبةٍ شافية..

مَن يصنع مَن اليوم؟ هل دار النشر هي التي تصنع المؤلّف وتدعمه إن كان ما يقدِّمه يستحق أم المؤلّف هو الَّذي يصنع دار النشر؟

والقرّاء من يحدد ميولهم؟ وهل كلّما انحط ذوقهم وذائقتهم، انحط الكتَّاب معهم والفئة المثقفة، وحرَّاس الفكر، وتلونوا بألوانهم فأصبحوا كبائعي الهوى لكن على رفوف المكتبات متأثرين لا مؤثرين؟

إنما العربي والشِعر شيءٌ واحد

وبالعودة للشِعر وحالنا معه، ربما نحن نعيش اليوم حالة من الجمود والركود العاطفي تجاه الشِعر، مما دعا بعض الأدباء والنقاد لإعلان وفاة الشِّعر العربي، وانتهاء سحره وسيطرته على قلوب العرب على مر القرون، وإعلان ولادة الرواية وبداية أدبٍ من نوع جديد أكثر رواجًا وقبولًا. وعلقوا للشِعر النعوات وبكوا عليه قليلاً ثمَّ مضوا، وكأنَّ الأدب الجديد لا يأتي حتَّى ننحر أمام قدميه الأدب القديم.

الشِعر نال مكانة استثنائية عند العرب لم يحظ بمثلها عند معظم الأمم الأخرى، فقد كان العربي يتنفس شعرًا، ويشرب شعرًا، ويتذوق شعرًا، ويقاتل ويجادل ويعلن حبَّه وكرهه بالشِّعر. وذلك ما جعل لدينا في أدبياتنا قصائد عظيمة نفخر بها أمام العالم.

وقد كان السلاطين والأمراء، إذا أرادوا حجز مقعدٍ دائمٍ في مدرجات التاريخ وذاكرة الدنيا قرّبوا الشعراء منهم، وجعلوهم في أعظم منزلة وأجل رتبة. وكان ذلك مرتبطًا بعظمة الدولة وازدهارها ارتباطًا وثيقًا؛ إذ أنها أنالت الشعراء والأدباء المكانة العالية.

لكن اليوم، ومنذ أواخر القرن العشرين، بدأ الشِعر بالانحسار رويدًا رويدًا من حياتنا، وضعفت ذائقتنا الشعريّة، وتراجع دور الشاعر بشكل كبير في كونه مؤرِّخًا ومصلحًا وثائرًا وعاشقًا وشاهدًا على العصر في نفس الوقت.

ويمكننا أن نعزو ذلك لأسباب كثيرة، منها إهمالنا للغة العربية، وعِظَم الفجوة الآخذة بالاتساع بيننا وبين ثقافتنا، والتدهور والانحدار الشديد في ذوقنا بشكل عام.

والشِعر كالإنسان يتعثر وينهض، يضعف ويقوى، ويتأثر بما يتأثر في حياتنا بتغير الزمان والمكان وما في الأذهان. بيد أنه يختلف عن الإنسان بكونه لا يموت، وإنما وجد الشِعر للبقاء، فجمال الشِّعر وسحره الَّذي جذب العربي إليه كامنٌ في خلوده.

وللشاعر الحذق الماهر في استخراج كنوز الشِعر وبهائها من جنّته وإظهارها للنَّاس مزينة على جمالها بإبداعاته وإضافاته، اليد العليا في المساهمة بنهضة الشِعر وإعلاء شأنه وجذب النَّاس إليه من جديد.

وما نمرُّ بهِ اليوم من ابتعادنا عنه، ليس إلا حالة مرضية عرضية، تعكس انحطاط ذوقنا وبعدنا عن لغتنا وماضينا، وربما هي انعكاس أيضًا لضعف معظم شعراء زماننا وعجزهم عن صياغة لغة شعرية عصرية محببة لدى النَّاس، أو صورة جديدة للشِعر تضم ملامح العصر. يشاهد النَّاس فيها همومهم المُعاشة وآمالهم المنشودة، تحكي فرحهم وحزنهم، ضعفهم وقوتهم، لحظة انكسارهم وتؤرِّخ انتصارهم، وتصل بالكلمات إلى قلوبهم لا أقول تلامس بل تهز بها شغاف قلوبهم، بدون منافقة أو تصنع.

إذا تداركنا أسباب التراجع والانحسار بأسباب العلاج، فلن تدوم هذه الحالة المرضية التي تلبَّست الشِعر العربي طويلاً، ثمّ يعود الشِعر من بعدها لمكانته المعهودة الموجودة في دم وقلب كلِّ عربي وفي ذوقه وثقافته.

ونحن في تقرّبنا للشِعر ورتق الفتق الَّذي بيننا، إنما نقترب من هويتنا العربية، ومن معجزتنا الكبرى، ومن لغتنا وتاريخنا ونعود إلى ما يجب أن نعود إليه.. أي إلى حقيقتنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد