لا يقاس مدى تأثير الشخص بمدى حجمه ومستواه العضلي، ولا يقاس تأثير دولة بمدى توغلها في التاريخ والجغرافيا؛ فدول عربية وغربية تسكن على هامش الأحداث ولا تأثير لها في مجريات الحياة خارج حدودها، بالرغم من اتساع مساحتها، بل إن التأثير الفعلي يُقاس بمدى ما لدى الفرد أو الدولة من قوة وارادة وعزم على تحقيق شيء هام يخدم البشرية، وكيفية اسثتمار مواردها البشرية والمادية والطبيعية لتحقيق أقصى حد من النهضة الخاصة والعامة.

لو أسقطنا هذا النموذج على الواقع الحالي؛ لوجدنا أن أناسًا كثر جاءوا إلى الحياة وخرجوا منها دون أن يسجلوا أسماءهم في صفحات المجد والعزة الشخصية والجماعية، واكتفوا في حياتهم بدور المتفرج، وأن دولًا كثيرة ذات عمق تاريخي وجغرافي، لكن بقي نفوذها في حدود مساحتها.

سأتحدث عن دولة قطر ذات المساحة الصغيرة حيث تبلغ مساحتها إحدى عشر ألفًا وخمسمائة وواحد وعشرين كيلومترًا مربعًا، ويبلغ عدد السكان حوالي المليونين ومائة ألف نسمةً حسب إحصاءات عام 2014، وهي من الدول المرتفعة الدخل التي تدعمها ثالث أكبر احتياطات من الغاز الطبيعي في العالم وإحتياطيات النفط، والمصنفة من قبل الأمم المتحدة باعتبارها دولة ذات التنمية البشرية العالية جدًا، وهي الدولة العربية الأكثر تقدمًا في مجال التنمية البشرية، وتعتبر قطر لاعبًا رئيسًا مؤثرًا في منطقة الشرق الأوسط، وستستضيف كأس العالم لكرة القدم 2022، وأن تصبح أول دولة عربية للقيام بذلك.

وبالعودة إلى (لماذا قطر؟ لماذا الآن؟)

قطر لم ترسل طائرات حربية أو دبابات عسكرية أو صواريخ بعيدة المدى لغزة؛ كي يكون هذا سبب المحبة، قطر أرسلت لغزة ولغيرها من مستضعفى الأرض حبًا وحنانًا، على الصعيد السياسي استضافت قطر جلسات الحوار، وسارت في اتجاه تحقيق المصالحة بين فتح وحماس، وتستضيف قطر قيادة حماس وفصائل المقاومة، وتوفر لهم دعمًا سياسيًا في كل المحافل الدولية، وتنظر لحماس على أنها حركة تحرر وليست حركة إرهابية، كما ترى دول عربية عديدة، وقطر هي الدولة الوحيدة التي تبرعت لغزة بمبلغ مليار دولار في قمة شرم الشيخ المنعقدة بعد حرب 2014، وعلى صعيد الخدمات والمشاريع التنموية، وخاصة في غزة، فكل أبناء غزة يلمسون دور قطر الرائع.

ولأن قطر فعلت كل ما تم ذكره وغيره، ولأن قطر لم تصفق كغيرها حينما قال الرئيس الأمريكي ترامب في بلاد الحرمين: إن حماس إرهابية، ولأن سلوك قطر الأخلاقي لم يرق للذين صفقوا وبلعوا ألسنتهم إعجابًا بخطاب ترامب، بدأت الخطوات العملية لتحجيم دور قطر وحصارها لتتخلى عن نصرتها للحق.

حرب خليجية ضد قطر

تعددت الآراء بشأن الحرب الدبلوماسية الخليجية ضد قطر، منها تراجع قطر عن وعدها بالمشاركة في دفع مبالغ مالية طائلة مع السعودية والإمارات لترامب، ومنها تقارب قطر مع إيران، ومنها علاقة قطر بحماس وجماعة الإخوان.

لو أخضعنا تلك الآراء للتفسير سنجد أن من حق كل دولة التصرف بمالها كيفما شاءت طالما أنها لا تضر بالآخرين، وأن تقارب قطر مع ايران لم يكن وليد اللحظة، بل إن سياسة قطر معروفة بأنها منفتحة على الجميع، بل إن قطر مشاركة في قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية بما يعرف بعاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن الذي تقول السعودية إن ايران تدعمهم، يبقى الأمر مرجحًا لقبول فكرة ان السبب المهم هو وجود حماس في قطر، لأن ترامب جاء إلى المنطقة، ويريد إعادة تشكيلها من جديد برؤية إسرائيلية تؤكد أن كل من يحتضن حماس التي هي عدوة إسرائيل فهو إرهابي يجب محاربته، ولأن الدول العربية لا تملك من أمرها إلا السمع والطاعة لسيد البيت الأبيض فقد بدأت الخطوات العملية للحرب الدبلوماسية على قطر، وهذا ظهر جليًا على لسان وزير خارجية السعودية حينما قال: إن على قطر طرد قادة حماس وعدم التعامل معهم.

أعذار مبتورة يسوقها المتربصون

يقول البعض أن لقطر علاقات مع إسرائيل وأن بها قاعدة العيديد الأمريكية، ولهذا فهي تستحق ما يحدث لها، ولا تستحق التعاطف، وهذا صحيح لا يمكن إنكاره، لكن هل نسى هذا البعض أن أغلب الدول العربية: السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، وعُمان، والأردن، ومصر، وجيبوتي، والسودان، والمغرب، بها قواعد أمريكية، فلماذا يتم الصمت عن القواعد في تلك الدول ويتم إثارة قاعدة أمريكا في قطر؟ ثم لو تحدثنا بمفهوم أوسع عن معنى القاعدة، فلن ينحصر في المجال الجغرافي، بل إن تأثير السياسة الأمريكية في كل العالم واضحة وضوح الشمس من خلال سفراء أمريكا في العالم الذين يتدخلون في كل خصوصيات الدولة المستضيفة لهم.

يبقى القول: إن ما تقوم به قطر تجاه فلسطين، لا يمكن حصره بهذه السطور القليلة، وهذا يؤكد أن العبرة ليست بمساحتك أو عمرك الزمني، بل العبرة بما لديك من قوة وإرادة وعزيمة للوصول إلى خدمة البشرية بكل ما تستطيع.

إن قطر الصغيرة هي صغيرة بمساحتها في الجغرافية، لكنها كبيرة بعطائها، وكبيرة بحب الناس لها، كبيرة بمدى انسجامها مع مطالب الفقراء والمضطهدين في بقاع الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد