تمر العقود تلو العقود، ولم تزل مصر تعيش حالة التيه التي دخلت فيها بسبب ذلك الصراع السياسي المشروط الممل، والذي فرغ طاقات الأمة، وأهدر أعمار أبنائها في أوهام التمكين عبر وصول أحد الفصائل الإسلامية إلى الحكم.

إن ما شهدته مصر والمنطقة من أحداث دامية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي حتى الآن، لمدعاة للتدبر والتأمل في مراحل ذلك الصراع الذي طال أمده. وذلك ما دفعني إلى أن أقول: لابد من تفكيك هذه الفصائل حتى تستفيق الأمة.

وسوف أوضح السبب في ذلك عبر السطور التالية من خلال التذكير بمساوئ الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر، في ظل وجود فصيل الإخوان المسلمين وغيره من الفصائل، ولن آتي بجديد، وإنما سوف أذكر ما تذكره الفصائل من مساوئ وسلبيات.

ولنبدأ بعصر جمال عبد الناصر. (أيها الشعب، أيها الرجال الأحرار، جمال عبد الناصر من دمكم، ودمي لكم، سأعيش من أجلكم وسأموت في خدمتكم، سأعيش لأناضل من أجل حريتكم وكرامتكم، أيها الرجال الأحرار، حتى لو قتلوني فقد وضعتُ فيكم العزة، فدعوهم ليقتلوني الآن، فقد غرست في هذه الأمة الحرية والعزة والكرامة، في سبيل مصر، وفي سبيل حرية مصر سأحيا، وفي خدمة مصر سأموت).

قال جمال عبد الناصر هذه الكلمات مساء السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954، أثناء إلقائه خطابا بميدان المنشية في محافظة الأسكندرية، بعد أن أُطلِق عليه الرصاص من مسدس  محمود عبد اللطيف، أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، والذي تم تكليفة من القيادي هنداوي دوير باغتيال عبد الناصر، واشتُهِرت الواقعة إعلاميا بحادث المنشية.

وكما يقول الكاتب الأمريكي، ريتشارد ميتشل، لقد كان هذا الحادث بمثابة النقطة التي انطلق منها جمال عبد الناصر لتصفية جماعة الإخوان المسلمين. فقام باعتقال الآلاف من أعضاء الجماعة، إضافة إلى إعدام قيادات شهيرة داخل الصف الإخواني. وهكذا انقلب ناصر على جماعة الإخوان. ومن المعلوم أن فصيل الإخوان المسلمين كان الشريك الأهم والورقة الرابحة التي استخدمها الضباط الأحرار (كأحد أهم القوى المدنية في مصر) للخروج على ملك مصر والسودان في الثالث والعشرين من يوليو 1952. وبالفعل رحل الملك الذي قيل عن مصر في عهده: إذا أردت أن ترى حداثة باريس وسحر فيينا وعراقة إسطنبول، فاذهب إلى القاهرة.

هذا هو العصر الذي خرجت عليه جماعة الإخوان المسلمين لتوريط المصريين في الحكم العسكري. ومعلوم أيضا أن الإخوان المسلمين هم من كبَّروا وهللوا حينما أصدر ناصر قرارا بحل الأحزاب المصرية، ولقد عبروا عن فرحتهم بعبارة (وهزم الأحزاب وحده) وكان ذلك في يناير 1953.

والآن نبدأ في ذكر بعض مساوئ حكم جمال عبد الناصر من وجهة نظر الفصائل الإسلامية، وهذا بعيدا عن الجدل المثار بين الأطراف المعنية حول تلك المساوئ.

في نوفمبر1952 بدأت المفاوضات بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية بشأن التخلي عن السودان، وقد كان، فلقد تم سحب القوات المصرية من السودان عام 1955، لتفقد مصر أكثر من ثلاثة أرباع مساحتها.

أصدر ناصر قراره الخاص بالتأميم الشامل لممتلكات المصريين والأجانب، ممن تنطبق عليهم الشروط (التي كانت جائرة ظالمة).

دعَّم ناصر المتمردين الأكراد ضد العراق، ودعم الهند ضد باكستان، ودعم الروس ضد دول الاتحاد السوفيتي الإسلامية.

ورط مصر بالمشاركة في حربٍ لا يُعرف فيها العدو من الصديق، ألا وهي حرب اليمن، والتي أُطلِق عليها (فيتنام مصر)، حيث راح ضحيتها قرابة الـ15 ألف مقاتل مصري.

في عصره وقعت نكسة الخامس من يونيو 1967، والتي انتصر فيها الجيش الإسرائيلي على الجيش المصري، ووقعت بعدها سيناء تحت الاحتلال.

في عام 1969 أقدم ناصر على ارتكاب مذبحة القضاء.

وأخيرا وليس بآخر، يجب أن لا ننسىى التضييق الأمني والإعلامي، ثم التنكيل والتعذيب الذي لحق بالمصريين جراء التذرع بوجود فصيل أو مجموعات تخطط للانقلاب على نظام الحكم. وذلك ما يُعرف بالدولة البوليسية.

أكتفي بهذه الأحداث والتي شهدتها مصر في عصر عبد الناصر، والتي يرددها الكثيرون ممن ينتمون إلى الفصائل الإسلامية، ممن يرون أن الفصائل الإسلامية قد طوقت أعناق المصريين بالفضل والجميل، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين، ولازالوا حتى الآن يرددون مثل هذا الكلام، فمنهم من يقول: جماعة الإخوان تم تأسيسها لتكون بديلا عن الخلافة بعد سقوطها. وآخرون يقولون: جماعة الإخوان هي الفصيل الوحيد القادر على الحشد وتنظيم المظاهرات الضخمة، بل إنهم يتباهون ويتفاخرون بأنهم مظلومون ومقهورون، وقضوا معظم الأعمار خلف القضبان، وحقيقةً هذا هو إنجازهم الوحيد الذي حققوه بعد صراعهم الطويل مع الأنظمة!

وهذا الكلام إنما يدل على انعدام الرؤية السياسية والمنطقية. ففصيل الإخوان المسلمين كان موجودا بالفعل وقت البدء في هذه الممارسات التي مارسها العسكر بقيادة عبدالناصر، ولم يقدروا على فعل شيء يُذكر، ولم يستطيعوا أن يؤثروا على قراراته بشيء، بل كانوا في بعض الأحيان يهتفون له هتافات تدل على انعدام الإدراك لديهم.

والسؤال: ما الذي لم يفعله جمال عبد الناصر ونظامه داخليا وخارجيا خوفا وهيبةً لتنظيم الإخوان المسلمين؟ وإن جادلوا في ذلك، فليأتوا بالأمور التي لم يفعلها ناصر، أو تراجع عنها؛ مراعاة لوجودهم وتأثرا بقوتهم، وأهمية دورهم في الحياة السياسية، إن كان لهم دور!

لقد فعل ناصر ما أراد في ظل وجودهم. لقد استخدمهم، ومعه الضباط الأحرار في الخروج على الملك فاروق، ثم استثمر أول فرصة للانقضاض والتحفظ عليهم داخل السجون والمعتقلات.

والسر في ذلك أن الدولة هي الطرف الوحيد الذي يحق له استخدام القوة عند أي مستوى من المستويات. هذا ما تقوله الأعراف والقوانين الدولية المعاصرة. وهو أمر يعُد من الأمور، العظيمة جدا، الغائبة عن إدراك ووعي معظم الفصائل الإسلامية، وكأنهم يعيشون في عصر أبي مسلم الخرساني؛ حيث سهولة تكافؤ العدة والعتاد، وكأنهم غفلوا عما تمتلكه الدولة الحديثة من مؤسسات وأسلحة وأجهزة أمنية، فتصوروا أنهم قادرون على صيد الطائرة بالسهام والرماح، وكأنهم لم يعوا طبيعة العالم المعاصر، وما فيه من تحالفات عسكرية وسياسية وتكتلات اقتصادية؛ ما أدى إلى تشابك وتداخل المصالح.

وأقول: إن ما حدث في عصر ناصر ما هو إلا اختزال لأمور مصر العظام في أمر فصيل وُلِدَ ضعيفا ليتم استخدامه كطرف في صراع غير متكافئ، بل ما كان مؤهلا له وقتئذ، ولازال كذلك حتى هذه اللحظة.

وأقول: إن ما حدث في عصر ناصر ما كان إلا اختزالا لملايين المصريين في عشرات الألوف ممن ينتمون للجماعة.

وأقول إن ما كان في عصر ناصر ما تحمَّل تبعته إلا مصر وأهلها، فلا تنمية ولا تقدم ولا إصلاح ولا نهضة، فقط هو الصراع الداخلي ما بين العسكر أصحاب السلطة والقوة، وبين الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي أثبتت الأحداث أنها ما  كانت إلا ألعوبة في أيدي الضباط الأحرار. وتلك هي النتيجة التي دَوَّنها واقع مصر عن تلك الحقبة.

وبناء على هذه النتيجة التي انتهت إليها حقبة العهد الناصري، والتي ما كان للإخوان المسلمين فيها دور غير الاستخدام، أقول: ينبغي تفكيك هذه الجماعة؛ حتى يحمل الشعب كله قضيته، بعد أن عزلوه عقودا عن واقعه وقضاياه باسم الصراع الدائر ما بين النظام والفصيل. وما نتج عن هذا الصراع الوهمي سوى تبرير الأنظمة لنفسها للتنكيل بهذا الشعب. نعم، ينبغي تفكيك هذا الفصيل الذي أساء إلى المسلمين عامة، فبسببهم وُصِمَ المسلمون بالسذاجة والضعف، لقد صار المسلمون بسببهم عنوانا لاستمراء حياة القهر والظلم والفقر والتغني بالثبات على الوهن والخور.

ومن رفض الدعوة بتفكيك الفصائل، قائلا: وماذا لو لم يكن الإخوان موجودون في عصر ناصر؟ أقول: كان سيصعب عليه الخروج على الملك، وإن خرج وأقصاه، فالطبيعي أن يتجه بالبلاد نحو التنمية. وإذا أراد أن يسير في طريق الصراعات واستطاع أن يختلق ذلك مع أحد الأجنحة القوية في المؤسسة العسكرية، أو مع أي قوى مدنية أخرى. ما كان للأنظمة أن تصبغ الصراع بالصبغة الإسلامية، ما كان الإسلام سيدخل أمام أعيننا قفص الاتهام ليحاكم بتهمة الإرهاب، وبتهمة الغباء السياسي الذي يتمتع به أهله.

لذلك أقول: ينبغي تفكيك تلك الفصائل.

ننتقل من عصر ناصر إلى عصر السادات حتى اليوم. وأرجئ تناوله إلى مقالتي القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عبد الناصر
عرض التعليقات
s