كنت قد أنهيت حديثي معها حول الإيمان والإلحاد والأديان والعبادة والإسلام، بعد أن قمت بدفع ثمن الآيس كريم الذي قررنا تجربته في هذا الصقيع، بعد نقاش وأخذٍ ورد معها، حيث كانت تصرّ على أن تدفع هي ثمنه، موضحّة لي أو معترضة على كوني رجلًا من المفترض أن أدفع ولماذا لا تدفع هي؟ وكأنها محامٍ حقوقي يدافع عن حق المرأة في أن تدفع ثمن الآيس كريم لها ولي، وأنه ليس من المسلّم به أن الفتاة تحتاج دائمًا لمن يدفع لها أو يحميها أو يساعدها فهي كائن مستقل وليست تابعًا. أخبرتها أن الأمر أبسط من ذلك بكثير، وسأدفع فقط لأنني من دعوت إلى هذا الآيس كريم.

محاولًا الفهم من «لا أدري» مثلها عن قرب، وكانت قد أخبرتني حين سألتها عن معنى وصفها نفسها بلا أدري «agnostic»، قالت: كما هو واضح من اللفظ، لا أدري، يعني لا أعرف، لا أعلم، لا أدري إذا كان موجودًا أم لا؟ قلت: مَن؟ قالت: الإله! فأنا لا أؤمن به ولا أكفر، لا أثبت وجوده ولا أنفي، لا أدري!

قد انتويت مؤخرًا التعرّف أكثر على من أختلف عنهم ويختلفون عنّي، على من كنت أشفق عليهم قبل ذلك أو كنت حتى أكره بعضهم، على من كنت أراني أفضل منهم من ناحية الدين والقرب من الله، أفكّر كثيرًا متعجبًا من نفسي وأفكاري السابقة، من الذي أعطاني الحق حينها لأرى نفسي أفضل من ذلك الذي يعبد الله بالطريقة التي أعبده بها، ولماذا لم أنتبه ولو لمرة أنه ربما يراني أيضًا مثلما أراه، ربما يرى أنني على الباطل وهو على الحق، ربما يشفق عليَّ أو يبغضني، ولكن مما يدفع هذا التعجّب أو يطمئن بعض الشيء أنه ما دامت قناعاتي وأفكاري تتغير كل حين فهو دليل للمرء على أنه لا يزال حيًا ولم يمت بعد.

أتذكر تلك المرة حين كنّا في أيام الحج، وهي أيام نتقرّب فيها إلى الله حتى ولو لم نستطع إلى الحج سبيلًا، كان أحد أصدقائي يتعجّب ساخرًا من أولئك الهنود الذي يعبدون بقرة أو يقدسون تمثالًا وتجد منهم من يفوز بنوبل في الفيزياء أو الكيمياء برغم ذلك، فأين عقولهم؟ وأين منطقهم وتفكيرهم؟ وما هذا التناقض بين نجاحهم وفهمهم للعلم وفشلهم وعدم فهمهم لحقيقة الدين؟ وكنت قد بدأت منذ فترة أطبّق على نفسي طريقة معينة في إصدار الأحكام على الآخرين أو أفكارهم أو اعتقاداتهم، محاولًا النظر من تلك النافذة التي يرى منها العالم والمبادئ والأفكار والقيم والدين والعالم، وما إن نظرت من نافذة ذلك الذي كنا ننتقده أو نشفق عليه أو نتعجّب من أمره، حتى وجدتني أراه ربما يبادلنا نفس النظرة، نفس الشفقة، ونفس التعجّب، ولقد وجدتنا نسافر ونقطع المسافات لنذهب إلى حجر مقدّس – ننفق آلافًا كل عام لتبديل القماش الذي يغطيه – لنطوف حوله بالدعوات والأمنيات لنا ولأحبائنا، ولقد وجدتنا في نفس الرحلة المقدسة نجمع حصيات نسميها جمارًا نقذفها على شيء ما وكأنه الشيطان. إلا أن الناظر من نافذته قد لا يتعجّب كثيرًا فهو ربما يربط بين طريقتنا في العبادة وبين كوننا أممًا نامية جاهلة فليس منا علماء نوبل إلا نادرًا مما يخفف من تعجّبه، إلا أنه ربما يظل يشفق علينا ويرانا على الضلال كما نشفق عليه ونراه على الضلال، ربما أراد ذات مرة أن يدعونا إلى ترك كفرنا واتباع إيمانه كما أردنا، ربما تمنى لنا جنته وأشفق علينا من نيراننا كما تمنينا!

أتفكّر كثيرًا كلما وجدت فرصة للتفكّر – بعد إنهاء مهام العمل أو الأعمال وترتيبها ومحاولة الموازنة بين بعضها البعض وبينها وبين عائلتي وابنتي وبين حساب ميزانية مصاريف المنزل والبحث عن سكّر مثلًا وبين محاولاتي للقراءة والتعلّم – أجدني أتفكّر فيما آل إليه أمري! وقد كنت أنام على صوت حسّان وأصحو على صوت الحويني، آكل على صوت عمرو خالد وأشرب على صوت حازم شومان، وهذا الأخير الذي لا أعلم لماذا أحب الاستماع إليه حتى الآن كلما صادفت مقطعًا له؟! فأجدني أستمتع أكثر بالاستماع إلى علي مبروك وعدنان إبراهيم ونصر أبو زيد، وأجدني ما زلت أحب الإمام أحمد بن حنبل وأقدّره في نفس الوقت الذي أكون مقتنعًا فيه برؤية المعتزلة للقرآن في كونه مخلوقًا. متناقض أنا جدًا ولكني أصبحت متصالحًا مع ذلك التناقض!

شرد ذهني في نفسي بينما كانت تتكلم صديقتي صاحبة الآيس كريم، هل تلك الفترة التي أعيشها حاليًا هي المخاض الذي لابد من المرور به للوصول إلى بعض الحقيقة؟ نعم «بعض الحقيقة» فليس هناك سبيل للوصول إلى الحقيقة الكاملة ولن يكون هناك سبيل للوصول إليها، وكأن غياب الحقيقة مقرون بدنيانا تلك، وكأننا هنا في هذا العالم لنبحث عنها ونحن نعلم أننا لن نصل إليها، وكأن هناك نوافذ لها مفاتيح خفية كلما وصلنا إلى مفتاح وفتحنا نافذة ونظرنا منها وظننا أن الحقيقة هنا وجدنا مفتاحًا لنافذة أخرى، وربما نفتح نوافذ للظلام – فهي نوافذ – وربما لسنا على الطريق، وربما على الطريق، وربما ننتهي ولم نكن استرحنا راحة الجاهلين ولا بلغنا لذة العارفين، وربما نرضى بما وصلنا إليه من نقصان، ورب نقص يكمُل بالوصول إليه.

حتى قطعتُ شرود ذهني مجيبة عن ذلك السؤال الذي كنت طرحته عليها: وفتاة مثلك ترى أنها قد تؤمن يومًا ما وتتبع أحد الأديان؟ الإسلام مثلًا؟ فأجابت: ربما، ولكن لماذا قد أنتمي إلى دين يرغمني على ممارسة الجنس مع أحدهم حتى لا تلعنني الملائكة طوال الليل؟ لكن ربما، وربما قد أكفر، لا أدري!

وربما إن علمت يا صديقي أن مقالي سينتهي هنا أن تغضب منّي، ولكن ربما لم تنتبه إلى أنك قرأت أكثر من 800 كلمة، وربما تنتظر المزيد؟ أنا أيضًا أنتظر المزيد. وربما تنتظر إجابات؟ أنا أيضًا أنتظر إجابات. وربما أنا وأنت لا ندري!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد