خلال حوار أجرته معه الإعلامية منى الشاذلي على قناة دريم، قال القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين، دكتور محمد البلتاجي: إن أحد لواءات المخابرات الحربية، واسمه (عبد الفتاح) قد التقاه قبيل وقوع موقعة الجمل في الثاني من فبراير 2011، وطلب منه أن يطلب من الثوار مغادرة ميدان التحرير تجنبًا لإراقة الدماء، التي قد تنتج عن صدام مع أنصار مبارك القادمين إلى الميدان. إلى آخر ما ورد بالمقابلة.

في يوم 12 أغسطس 2012، أصدر الرئيس محمد مرسي قرارًا بترقية اللواء عبد الفتاح السيسي، لرتبة فريق أول، وتعيينه قائدًا عامًا للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع.

ولقد تسبب هذا القرار في فرحة عارمة كست وجوه قيادات التيار الإسلامي بوجه عام، ثم قيادات جماعة الإخوان على وجه الخصوص، تلك الفرحة التي اتشح بها كل ما انبثق عن جماعة الإخوان من كيانات بعد تنحي مبارك.

فهذا هو موقع جريدة حزب الحرية والعدالة، يسارع وفي نفس اليوم لإعداد تقرير صحافي يُبشر المصريين بحُسن الاختيار، فـ(السيسي وزير دفاع بنكهة الثورة)، هكذا كان عنوان الفرحة التي اجتاحت جماعة الإخوان المسلمين. ولقد عدَّد التقرير محاسن الفريق السيسي، ولسوف أنقلها نصًا كما وردت بالتقرير باسثناء الفقرة الأولى الخاصة بالتعريف وصدور القرار:

قالت جماعة الإخوان عن السيسي في يومه الأول: السيسي (كانت له تصريحاته التي هاجم فيها التعامل العنيف للأمن مع المتظاهرين بُعَيد الثورة المصرية المجيدة، فقد صرح من قبل أن هناك حاجة ماسة لتغيير ثقافة قوات الأمن في تعاملها مع المواطنين وحماية المعتقلين من التعرض للإساءة أو التعذيب.

وواصل التقرير: نُشِر في وقت سابق من هذا الشهر أن هناك مصادر سيادية مطلعة قالت: إن الصراع بين الأجهزة العليا في الدولة وصل لمرحلة غير مسبوقة، قائلة: إن كل جهاز صار متسلحًا بكتيبة من الإعلاميين والكتاب الذين يروجون لأهدافه ويهاجمون خصومه حتى من الأجهزة الأخرى، وقالت هذه المصادر إن المخابرات العامة وأعضاء بالمجلس العسكري السابق استخدموا، توفيق عكاشة، صاحب قناة الفراعين وابن شقيقة الجاسوس فاروق الفقي في إحباط مسعى جماعة الإخوان المسلمين لتعيين السيسي رئيس المخابرات الحربية وزيرًا للدفاع.

وبحسب المصادر كان هناك اتجاه لتعيين السيسي بدلًا عن طنطاوي، غير أن المخابرات العامة وأعضاء بالمجلس العسكري حرضوا عكاشة على شن هجوم حاد على السيسي بغرض حرقه ونسف الفكرة في مهدها. وأوضحت المصادر أن عكاشة نفذ المطلوب منه جيدًا، حيث قدم مساء يوم إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة وفوز الدكتور محمد مرسي، حلقة على الفضائية التي يمتلكها، هاجم فيها الفريق السيسي بشدة واتهمه بأنه إخوان متنكر، وأن زوجته ترتدي النقاب، وهو ما دفع الصفحة الرسمية للمجلس العسكري على فيسبوك في اليوم التالي لنشر بيان رسمي للمجلس نفت فيه تمامًا أي وجود للنقاب بين زوجات رجال القوات المسلحة، ويبدو أن الرئيس محمد مرسي نجح في القضاء على مخططات هذه الجهات وأسفرت جهوده في الفترة الماضية عن تحقيق هدفه بإقالة حسين طنطاوي وتعيين الفريق عبد الفتاح السيسي خلفًا له لإحداث عملية التغيير التي لطالما طالبه بها الشعب المصري منذ تولى منصبه في 30 يونيو الماضي.

ثم استطرد التقرير في ذكر مواقف السيسي، فقال: السيسي هو أول من اعترف فعليًا بإجراء كشوف العذرية، في حواره مع أمين منظمة العفو الدولية؛ بحجة حماية الجيش من مزاعم الاغتصاب التي قد تلحق بالجنود بعد الإفراج عن المحتجزات.

كما أنه أول من أعلن صراحة الحاجة إلى تغيير ثقافة قوات الأمن، وأعطى تأكيدات بأن هناك تعليمات بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين وحماية المعتقلين من التعرض للمعاملة السيئة، وأكد على أن الجيش لا ينوي اعتقال النساء مرة أخرى.

اتهمه الإعلامي توفيق عكاشة بالتحكم في سلوك أعضاء المجلس العسكري، حيث شن هجومًا عنيفًا على المجلس، وعلى رأسه المشير طنطاوي، متهمًا إياهم بالخضوع لضغوط المخابرات الحربية، ومديرها اللواء عبد الفتاح السيسي، حيث اتهم عكاشة السيسي بأنه ينتمي للإخوان المسلمين، وأن بعض أفراد أسرته يرتدين النقاب والجوانتي؛ وهو ما دفع المجلس للتأكيد على أن ما قاله عكاشة ما هو إلا افتراءات ومحض كذب.

ولا يفوتني أن أقول إن موقع الحرية والعدالة قد قام بحذف هذا التقرير منذ أشهر قليلة، ولكن موقع (مصرس) الشهير، وهو موقع يعمل ببرمجة الـ (آر إس إس) قد قام بسحب التقرير من مصدره بعد النشر بساعات قليلة.

في السابع والعشرين من أغسطس 2012، نشر موقع جريدة المصري اليوم، تصريح للدكتور محمد البلتاجي، يقول فيه: إن (الفيديو المنشور على لساني حول واقعة اللواء مخابرات عبد الفتاح وعلاقته بموقعة الجمل، لا يخص الفريق أول عبد الفتاح السيسي مطلقًا، وإنما شخص لم أتعرف يومها على بقية اسمه، ولا موقعه الوظيفي). غير أن نائب رئيس حزب الأصالة، المحامي ممدوح إسماعيل، قد نشر على حسابه الخاص بموقع التواصل فيسبوك في الثاني من فبراير 2018 أن الدكتور البلتاجي قد أخبره شخصيًا، وأكد له أن اللواء الذي التقاه في التحرير يوم موقع الجمل هو (السيسي). 

في الثالث من يوليو 2013، السيسي يعلن عن خارطة طريق، بموجبها أطاح بالرئيس محمد مرسي.

وهكذا، بعد أقل من عام، تتم الإطاحة برئيس الدولة من قِبَل الوزير الذي اختاره ودافع عنه وأثنى عليه في مواطن عديدة، بدأ هذا الثناء منذ لحظة الاختيار واستمر حتى قبل الإطاحة بأيام قليلة، ومما قاله مرسي عن السيسي، (يبدو لى أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، بالإضافة لتكوينه العسكري المتميز، لديه عقلية هندسية متميزة).

 وفي خطابه الشهير في يونيو 2013، قال مرسي: (عندنا رجالة زي الدهب في القوات المسلحة، تعمل بانسجام وانضباط كامل وتام تحت قيادة رئيس الدولة).

لم يكن الثناء والثقة قاصرين على الرئيس وحسب، كلا، فهذا هو الشيخ محمد الصغير، في يونيو 2013، يدلي بدلوه عن السيسي، خلال مقابلته على قناة الناس مع الإعلامي خالد عبد الله، فيقول: (الفريق السيسي معنا، بدليل أننا كنا نصلي في أحد المساجد، وكان من عادة الرئيس مرسي أن يطيل ختام الصلاة، فقمت ووقفت أمام باب المسجد من الداخل، فجاء السيسي ووقف في الجهة المقابلة أمام الباب، فقلت له تفضل سيادة الفريق بالخروج، فقال: لايمكن أن أخرج قبل سيادة الرئيس، ومن ثم فهو معنا!).

بل إن الامر قد تجاوز ذلك حتى وصل إلى الرجل القوي داخل جماعة الإخوان، وهو المهندس خيرت الشاطر. ففي ديسمبر 2013، نشر موقع جريدة الوطن المصرية مقطع فيديو للسيدة عزة توفيق، زوجة الشاطر، تتحدث فيه عما قاله زوجها عن السيسي، تقول السيدة عزة توفيق: (لم يكن خيرت يتوقع أن ينقلب السيسي على الدكتور مرسي، وطبعا دي حاجة كانت أبعد ما تكون؛ لأن إحنا كان عندنا حسن ظن بيه منقطع النظير، كان زوجي كتير جدًا يقول إنه إنسان ملتزم ومتدين، وأنه صوام ومصلي).

وبناء على ما سبق أقول: إن جماعة الإخوان المسلمين كانت تعيش في عالم آخر، وإن الجماعة وحلفاءها تعمدوا خداع أنفسهم قبل أن يخدعوا أتباعهم ثم الشعب المصري. وإنني سوف أطرح هذه الأسئلة مع الإجابة عليها للخروج بالدلالة.

هل شهد عام الحكم صراعات ما بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، تدل على قدوم يوم الإطاحة بمرسي؟ والجواب، نعم، وهذه بعضها.

في منتصف فبراير 2013، سرت شائعة إقالة السيسي من منصبه فجاء الرد عليها  يوم 18 فبراير 2013، حيث نشر موقع، بوابة الأهرام موضوعًا صحافيًا بعنوان (مصدر عسكري: شائعة إقالة السيسى تثير غضب الضباط.. وإطلاقها انتحار سياسي ولعب بكرة اللهب)، تضمن الموضوع تحذيرًا من خطورة الصدام مع القوات المسلحة. في اليوم التالي، بادرت رئاسة الجمهورية على الفور، بإصدار بيان، تؤكد فيه على اعتزازها بالدور الوطني للفريق أول اللواء عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، وكافة أعضاء المجلس العسكري.

لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد من جانب القوات المسلحة، فلقد نشر موقع الأهرام أونلاين، الصادر باللغة الإنجليزية، على لسان مصدر عسكري، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يجتمع بدون الرئيس مرسي، وذلك لإظهار تفوق الجيش على الرئاسة.

وهنا لابد وأن أشير إلى ما ذكره الكاتب مصطفى بكري، في كتابه خطة الشيطان، عن أن الرئيس محمد مرسى، قام بعزل الفريق عبدالفتاح السيسى، من وزارة الدفاع، وكذلك قام بعزل اللواء محمد إبراهيم من وزارة الداخلية، وذلك قبل 30 يونيو بأيام. إذن الصراع كان قائمًا وقد استمر.

في أبريل 2013 نشر موقع جريدة المصري اليوم حوارًا أجرته مع اللواء أحمد عبد الحليم، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، وكان من أهم الإشارات التي وردت في هذا الحوار، قوله (حكم الإخوان لن يطول)، وردًا على ما قاله عضو مجلس شورى جماعة الإخوان محيي الزايط: إن الجيش المصري جيش عظيم، ولكن قادته فئران. قال عبد الحليم: (الحقيقة إن الجيش ليس به فئران، وإنما الفأر في جحره مع بقية الفئران في المقطم).

أكتفي بهذا القدر، وأقول: لم يكن الصراع سريًا، بل إن صداه كان يصل ليُسْمِع الداخل والخارج.

ومن ثم سوف أنتقل إلى طرح السؤال الثاني، وهو، ألم تكن هناك تحذيرات لجماعة الإخوان على مدار عام الحكم، تنذر بأن زوال الحكم قادم لامحالة؟ والجواب: نعم، ولقد كانت التحذيرات أكثر من أن تحصى، وهذه بعضها، وسوف أذكر العناوين فقط لضيق المساحة  أولا، مقال (الدليل الذكي لتحويل ثورة شعبية إلى انقلاب عسكرى بوابة الشروق 24 يونيو 2012) للدكتورة باكينام الشرقاوي، وكانت ممن اختارهم مرسي كأحد المستشارين.   

ثانيًا لقد كانت أحداث الاتحادية من أهم الوقائع التي كانت تنذر بزوال حكم الإخوان، والذي يؤكد على ذلك، هو ما قاله العميد طارق الجوهري في شهادته عن تلك الأحداث، في مقابلته على فضائية الجزيرة.

ثالثًا مقال: (من مرسي مع فائق الحب – معهد كارنيجي للسلام 12 مارس 2013) للكاتبة والباحثة منى القويضي.

رابعًا (هل بدأ العد التنازلي للانقلاب العسكري في مصر؟ 20 أبريل 2013).

خامسًا (تفاوض علني على موعد الانقلاب – 14 مايو 2013 موقع الكاتب عبد الله كمال)، وهذا المقال من أخطر ما كُتِب عن العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.

لم تكن التحذيرات تنطلق من داخل مصر فقط، كلا فهذا تقرير النيويورك تايمز، الذي أعده ديفيد كيركباتريك، والذي نشره موقع المعهد المصري للدراسات، بعنوان: أمريكا والانقلاب وحديث المفاوضات: أين الحقيقة؟ وهذا ما أورده التقرير في هذا الشأن (إن جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، عندما زار مصر في ربيع2013، حث الرئيس مرسي على التواصل مع معارضيه، وحذر كيري مرسي من أنه يخشى إن لم يقم بذلك، فإن هذا الأمر قد يمهد الطريق لانتفاضة أخرى، ولكن هذه المرة ستكون ضده هو. غير أن التهديد الضمني لم يسفر إلا عن مزيد من العزم عند مرسي على عدم الانحناء، كما ذكر ذلك معاونوه.

بل لقد جاء التحذير لمحمد مرسي من تركيا، على لسان أحد المسئولين الأتراك، فلم يبد مرسي أي اهتمام له، بل استهزأ مرسي بكلام من حذره، بل سأله عن أحوال الطقس في بلاده.

أكتفي بهذا القدر مما كان من توقعات وتحذيرات لم تلتفت إليها الجماعة، بل تعاملوا معها بكل تراخٍ وفتور. وأكرر وأؤكد على أن الصراع كان موجودًا، فتلك التحذيرات لم تصدر من فراغ.

السؤال الثالث، لماذا لم يُطلعوا الشعب على حقيقة العلاقة التي شهدت توترًا تطور مع الوقت، ما بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية؟

وأجيب: لأنهم تعودوا على العمل السري، حتى بعد أن وصلوا إلى الحكم، لقد تناسوا أنهم يحكمون مصر التي هي أكبر من كل الفصائل والجماعات، ولكنهم تعاملوا مع الأمر العام على أنه أمر خاص. والغريب أنه كان كلما زاد الصدام، زاد الثناء منهم على السيسي.

ثم ماذا؟ ثم هاهم قد ذهبوا إلى ميدان رابعة العدوية، ولقد تركوا رئيس الدولة حتى أُلْقِيَ القبض عليه، ومن ثم أصبح السيسي خائنًا، ثم تطور الأمر مع الوقت ليصبح كافرًا، وهو الذي كان بالأمس القريب (وزير دفاع بنكهة الثورة). ومن تأمل عام الحكم وقف على التناقض العجيب الذي وقعت فيه جماعة الإخوان، من حيث التصريحات والممارسات. وإن المطلوب هو أن يقول الشعب: (آمين)، على سياساتهم واختياراتهم التي ورطت المصريين على مدار عقود مضت، في كتاباتي القادمة أنتقل إلى الحديث عن اعتصام رابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد