لعله لا يخفى على أحد أن مصر في السنوات الأخيرة، أصبحت تتذيل قوائم الترتيبات في كثير من المجالات، أهمها التعليم وحقوق الإنسان في ظل الحديث الدائم للسيسي للمصريين عن أنهم فقرا أوي؛ لكن المصريين فقرا أوي في كل شيء إلا عندما يأتي الأمر لمجال واحد، لعل المصريين نفسهم لا يدرون به وهو أن مصر البلد الفقير أوي قد ضاعفت من استيراد الأسلحة بنسبة 215% في الفترة ما بين عام 2013 إلى 2017، حتى أصبحت ثالث مستورد للأسلحة في العالم بعد الهند والسعودية بنسبة 4.5% من واردات الأسلحة في العالم طبقًا للتقرير السنوي الصادر من معهد ستوكهولهم لأبحاث السلام الدولي «سيبري» في مارس 2018.

الفترة ما بين 2013-2017 هي نفسها تلك الفترة التي شهدت الانقلاب العسكري الذي أعاد عقارب الساعة للوراء، وأصبح السيسي ومن خلفه المؤسسة العسكرية هو المعادلة السياسية الوحيدة التي يمر من خلالها كل شيء؛ وبعيدًا عن الحقوق والحريات فبدلًا من أن يقوم النظام بإطلاق برامج إصلاحية ومشاريع ذات دراسة جدوى تنعش جسد الدولة المصرية المتهالك أمام معدلات الفقر المتزايدة والبطالة وموجة هجرة للكفاءات، والذي ألقت بثقلها على حياة المواطن المصري اليومية وأصبح يأن إذا أمسى وأصبح؛ راح النظام ينهمك في استيراد هذا الكم الهائل من الأسلحة بمليارات الدولارات ويزيد ويستزيد في رواتب العسكريين في وقت هو نفسه يقر ويشتكي بأن خزائن الدولة خاوية؛ فما القصة إذًا هل مصر تستعد لخوض حرب مصيرية أم أن هناك خطر مستقبلي يحدق بنا؟

بداية يجب أن نذكر أن حدوث طفرة لدولة ما في شرائها للأسلحة نوعًا وكمًا هو أحد المؤشرات القوية للاستعداد لخوض نزاع مستقبلي؛ وبالنظر لنوعية الأسلحة التي اشتراها نظام السيسي سنجدها أسلحة هجومية متطورة جدًا تتنوع ما بين حاملات طائرات ميسترال وغواصات فئة 209 الألمانية وطائرات رافال فرنسية، ويجري الحديث عن إس 400 الروسية والسوخوي أيضًا؛ وكلها أسلحة سيادة وتفوق عسكري صعدت بسلاح البحرية المصري إلى المركز السادس على مستوى بحريات العالم؛ تلك النوعية لا يسمح بامتلاكها لأي دولة عبثًا، ولكن شراء الأسلحة في منطقتنا العربية بالأخص قد يكون له حسابات أخرى بعيدة عن خوض الحروب، وذلك يستدعي منا بعض القراءات في هذا الصدد.

شراء السلاح مقابل الغطاء السياسي

بالنظر للتقرير الصادر والصفقات المعلنة، نجد أن مصر قامت وبشكل ملحوظ بتنويع عقود التسلح بين القوى العظمى الغربية كأمريكا وفرنسا وألمانيا وحتى روسيا، ولم تعتمد على قوة واحدة دون غيرها؛ هذا قد يفهمنا أن السيسي حاول في هذه الفترة بالأخص من ناحية شراء الغطاء السياسي من القوى العظمى كما يفعل كل الديكتاتوريين العرب الذين يشترون صمت الدول الغربية عن جرائمهم في ملفات حقوق الإنسان والحريات بصفقات سلاح تقدر بمئات مليارات الدولارات، حتى وإن لم يكن هناك حاجة لها؛ ومن ناحية أخرى يوصل السيسي رسالة للجميع وبالأخص أمريكا أنه هناك دائمًا بدائل وأنه ليس في قبضة أحد وأنه يستطيع التحول للتحالف مع دولة أخرى تمنحه الدعم السياسي والصمت المطلق، بل التأييد لانتهاكاته للحقوق والحريات؛ ولا يخفى عن أحدنا أن السلاح بالفعل ورقة ضغط قوية في بيئة دولية أصبحت المليارات التي تجنى من تجارته فوق كل شيء حتى حياة البشر سواء أكان ضغطًا بالتلويح بإلغاء عقود التسلح التي تساهم في اقتصاديات الدول العظمى أو كما ذكرنا بالتحول لعقد الصفقة مع الدولة الند لهذه الدولة، وبالتالي التحول للمعسكر المعادي.

 

الحماية الإقليمية واستعادة الدور الريادي

مصر وكما يعلم الجميع أنها أكبر دولة ذات ثقل جيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، بل إنها إن لم تكن هي من تصنع المعادلات فحتمًا لا تمر أي معادلة أخرى إلا من خلالها؛ لذا فدولة بهذا الحجم تحتاج لقوة عسكرية ضاربة لبسط سيادتها على أراضيها وحماية مصالحها ونفوذها الخارجي وردع أي تهديد حدودي؛ ولكن هذا لا حاجة ملحة له تستدعي شراء كل هذه الأسلحة نوعًا وكمًا في ظل تحالف حميمي مع إسرائيل ودول الخليج.

وإن انتقلنا لمبدأ السيادة وبسط النفوذ الخارجي فسياسة النظام الحاكم لا تأبه لأي سيادة سواء على الموارد أو الحدود، فنجد أن السيسي أهدى جزيرتي تيران وصنافير طواعية للسعودية وتخازل وتواطأ في قضية سد النهضة، التي فرض على مصر فيها كل شيء برغم أنها تهديد وجودي؛ أما عن السياسات الخارجية فحدث ولا حرج عن سياسة: ادفع يكن لك ما تريد، والتي أكدتها تسريبات السيسي.

 

الحرب على الإرهاب

منذ سنوات تخوض القوات المسلحة حربًا شرسة ضد تنظيم داعش في صحراء سيناء، وهي حرب مستمرة وتحتاج لإمدادات من السلاح؛ ولكن هذه الاحتياجات بالنظر لحجم تنظيم داعش في سيناء من حيث العدد والعتاد والمساحة الجغرافية الواقعة في الصحراء التي يتواجد فيها؛ سنجد أنه لا علاقة لأسلحة مثل حاملات الطائرات والغواصات النووية بطبيعة الحرب على ذلك التنظيم المكون من بضع مئات يسكنون العشش في الصحراء ولم يصل ذلك التنظيم حتى لبسط سيطرته على تقسيمات إدارية بعينها؛ بل عند السؤال تجد أن الأسلحة المستخدمة في سيناء هي أسلحة قديمة، بعض منها منذ حرب أكتوبر، والتي بدلًا من التخلص منها يزج الجيش بها في الحرب.

العديد من القراءات والتحليلات قد تأخذنا لأبعاد كثيرة، والتي أيضًا قد تعرض لها محللون كثر بالتناول الموضوعي، فلننتقل للنقطة التي لها النصيب الأكبر من تلك القراءات والتي قد نستشف منها لماذا تشتري مصر ذلك الكم من الأسلحة؟

 

غاز شرق البحر المتوسط

منطقة شرق البحر المتوسط أصبحت مركزًا للصراع على التواجد والهيمنة العسكرية بين القوى العظمى، والتي لك أن تتخيل أن مياهها يرابض فيها حاملات طائرات ومدمرات لكل من روسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا مجتمعين؛ ولكن الصراع الأخطر مستقبليًّا هو أن هذه المنطقة مهددة بنشوب نزاعات عنيفة على احتياطيات الغاز الطبيعي التي تم ويتم اكتشافها، والتي بدأ منها بالفعل بوادر احتكاكات؛ ذلك الاحتياطي من الغاز والواقع ضمن حدود المياة الإقليمية والدولية المشتركة للعديد من الدول أهمها تركيا واليونان ومصر والكيان الصهيوني.

بين كل فترة والأخرى تحدث احتكاكات بين تركيا التي لا تبدي تهاونًا في هذا الملف وجارتها اليونان حول حق التنقيب عن حقول الغاز في محيط جزيرة قبرص، وما إذا كانت الاحتياطيات المكتشفة للجزيرة تقع في الشطر الرومي أو في ما يعرف بالجرف القاري التركي؛ ولكن ما علاقة مصر بذلك الصراع؟ مصر أيضًا دولة مطلة على شرق البحر المتوسط وتشترك في تلك المنطقة المكتشف بها الغاز الطبيعي وكما لا يخفى على أحد أن العلاقة بين النظام المصري والتركي علاقة عداء سياسي حاد بالتوازي مع وصول العلاقات التركية الإسرائيلية لأدنى مستوى.

وكبادرة للتصعيد شكلت مصر منتدى غاز شرق المتوسط الذي تم تدشينه في القاهرة بمشاركة قبرص واليونان والكيان الصهيوني وإيطاليا والأردن دون توجيه الدعوة عمدًا لتركيا؛ ذلك المنتدى الذي كان عنوانه احترام حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية والذي ينبئ بإمكانية ترجمة ذلك على أرض الواقع للتحالف بين تلك الدول في مقابل تركيا التي لا تبدي أي تهاون أو مرونة في ذلك الملف هي الأخرى بعد تحذيراتها وتصعيداتها الواحدة تلو الأخرى، والتي ما كان منها إلا أن تتعقب السفن الأجنبية التي تقوم بالتنقيب عن الغاز وطردها خارج المنطقة، والقيام بالدفع بسفينتين للتنقيب عن الغاز بمرافقة عسكرية لمحاولة فرض أمر واقع، والذي رافقه أيضًا زيارات متبادلة بين أجهزة مخابرات مصر واليونان وقبرص وبالطبع إسرائيل.

وبالانتقال للكيان الصهيوني؛ نجد أن نتنياهو عندما تعرض لهجوم إعلامي شرس لعدم الضغط خارجيًّا لمنع تمرير صفقات تلك الأسلحة لمصر التي قد تضمن لها تفوقًا عسكريًّا ليس في صالح الأمن الإسرائيلي؛ والتي رد عليها نتنياهو أن ذلك له أسباب جيوسياسية تتعلق بمصلحة الأمن القومي الإسرائيلي؛ ومن ثم ذلك قد يفهمنا أنه ثمة تحالف يجري على قدم وساق.

حتى اللحظة لا يوجد نزاع مباشر بين مصر وتركيا ولكن يبدو أن مصر تخطو نحو ذلك، وأولى تلك الخطوات كان بتأسيس ذلك المنتدى، وكون مصر هي أقوى دولة عسكريًّا بداخله، والتي بينها وبين تركيا عداء علني، فلعلنا نرى ذلك في المستقبل القريب تحديدًا في مطلع 2023؛ خاصة وأن السيسي لا مانع لديه أن يحارب بالمال بدلًا من دولة أخرى، خاصة إن كانت تلك الحرب على معقل ألد أعدائه وهم الإسلاميون وداعموهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد