قد يعترض البعض على العنوان باعتباره يقطع بأن السيسي سيفشل وهذا يعارض المنهج العلمي الذي لا يقر بالقطعيات في الحياة السياسية .. لكنني بوضوح وبشكل مباشر أجزم بحتمية سقوط الانقلاب .. لا أقول هذا من باب التمني ولا لأبيع الوهم للناس .. بل هي قناعة راسخة بعد تأمل ونظر في الأحوال المصرية وحركة التاريخ وعندي أسبابي التي أبرهن عليها كلامي.

وهم الشعبية

لا مجال لإنكار شعبية السيسي فهي أمر واضح للعيان، كما لا مجال أيضاً لإنكار أن قطاعا غير صغير من الشعب يعارض السيسي، ولا تتوفر بين أيدينا إحصائيات استقصائية عن حجم الشعبية التي يتمتع بها السيسي لكن هناك عاملان نستطيع استقراءهما:

العامل الأول

أن كتلة معارضي السيسي تضم الفئة الحيوية في المجتمع المتمثلة في الشباب والطلاب وهي كتلة حتى وإن كانت صغيرة فهي في تزايد مستمر تزيد أو تنقص وتيرته بحسب جريان الحالة الاقتصادية والأمنية والسياسية في البلاد .

العامل الثاني

عدم استناد هذه الشعبية التي يحظى بها السيسي على قاعدة صلبة من عطاء تاريخي أو إنجاز قومي كما هو الحال في الشخصيات التاريخية بل هي شعبية مصطنعة أشبه ما تكون بطريقة صناعة النجوم الإعلامية فالسيسي قبل انقلابه لم يكن ذلك الشخص المعروف شعبياً لكن شارك الإعلام بشكل كبير في تلميعه وإظهاره بصورة البطل المخلص بالإضافة إلى خلفية التفكير الجمعي عند الشعب المصري التي تحترم المؤسسة العسكرية وترى أن البلاد بحاجة إلى (فتوة) أكثر من حاجتها إلى رئيس.

يستطيع السيسي أن يستفيد من هذه الشعبية ويوظفها في صالحه فهو غير مطالب بموجبها بتقديم برنامج سياسي واقتصادي لتنمية البلد، وأي برنامج سيقدمه سيحظى بالقبول بغض النظر عن محتواه، وفي ظل الوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد تكون هذه الشعبية مصدر قوة له تعوضه عن تقديم إنجازات غير ممكنة على أرض الواقع، وبإمكانه أن يستغلها بمصارحة الشعب بصعوبة الوضع الاقتصادي واتخاذ حزمة إجراءات قاسية ومطالبته له بالصبر وتحمل المسؤولية معه لاجتياز الأزمة وهذا ما يفعله بالفعل، ومن يتابع تسلسل التصريحات من التفاؤل والتبشير بمستقبل أفضل لمصر إلى المصارحة بجرأة بأن المستقبل سيكون صعبا على جيل أو ربما جيلين قادمين.

لكن هذه الشعبية ذاتها قد تتحول إلى نقمة عليه، فالشعب لم يعد هو نفس الشعب، وسقف مطالبه مرتفع، وسيفوق من غيبوبته التي سببتها المرحلة السابقة بما فيها من هرج وفوضى وسيواجه الحقيقة المرة التي يعيشها في معاملاته اليومية التي تضيق يوما عن يوم.

سينتظر الشعب تقدماً في المجال الأمني والاقتصادي والاجتماعي، وكل يوم يمر دون تحقيق إصلاحات حقيقية سيخصم من رصيد شعبية السيسي قطعاً إلى أن تأتي لحظة الحقيقة التي يكتشف فيها الشعب زيف هذه الشعبية المصطنعة وكما يقول المثل الإنجليزي Easy come easy go.

المعضلة الاقتصادية

من سوء حظ السيسي أنه يستلم سدة الحكم بانقلاب عسكري في لحظة فارقة تعيش فيها البلاد ظروفاً استثنائية بعد عزل الرئيس المنتخب وما نشأ عن ذلك من تداعيات لا تزال حاضرة في المشهد بقوة أدت إلى وضع اقتصادي متدهور بشكل غير مسبوق بما يحمله من ديون متراكمة واقتصاد مترهل يعاني من مشكلات بنيوية أدت إلى وضع مصر في قائمة الدول الهشة اقتصاديا لأول مرة هذا العام حسب تقرير صادر عن منظمة التنعاون الاقتصادي والتنمية.

ولا يعني كلامنا هذا أن الاقتصاد المصري ينهار، وذلك بسبب تدفق الدعم الخليجي المستمر الذي بلغ 25 مليارا من السعودية والإمارات أساساً والكويت بدرجة أقل، وهذا الدعم يمثل الدافع الرئيسي الذي يمنع الدولة من الانهيار بالإضافة إلى وديعة الخليج التي تقدر بـ 9 مليارات دولار، لكن مصر الدولة الكبيرة أكبر من أن ينهض اقتصادها بمساعدات خارجية فرغم ضخ تلك المبالغ الباهظة إلا أن معدل النمو قد توقف عند 2% ، كما أن هذه المساعدات غير واضحة الشروط وغير مستدامة وهي مرتبطة برؤية تلك الدول في اعتبار نتائج الربيع العربي الإقليمية تضر بأمنها القومي وبالتالي فهي مستمرة في تقديم المساعدات ودعم الثورات المضادة، وليس أمام السيسي سوى الاعتماد عليها طالما هو يحقق مطالبها، ولكن من المنتظر أن تنخفض وتيرة المساعدات (وليس انقطاعها) بعد استكمال المؤسسات الدستورية، كما أن تلك المساعدات تطرح تساؤلا مشروعا عن دور دول الخليج في توجيه السياسة المصرية وتحويل مصر لدولة تابعة فمن يملك المال يملك أن يوجه السياسة.

ومظاهر التراجع الاقتصادي واضحة في تراجع الاستثمارات الداخلية والخارجية وانخفاض عائدات السياحة وتذبذب أسعار البورصة المصرية وإحجام القطاع الخاص عن الدخول في مشاريع جديدة تمثل مغامرة بالنسبة له في الوقت الحالي، وغني عن القول أنه لن يكون أمام النظام الحاكم في النهاية – وقد ظهر ذلك من خلال تصريحات السيسي – إلا اتخاذ إجراءات تقشفية تؤدي إلى رفع الدعم وانخفاض قيمة الجنيه وزيادة التضخم مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة البطالة.

ولكن كيف سيكون شكل الاقتصاد المصري في عهد السيسي؟

اتسم عهد المخلوع مبارك بهيمنة رجال الأعمال المشكوك في ذمتهم المالية، ونهج الفساد البيروقراطي في الدولة، وكانت هذه الشراكة المشبوهة بين فساد رجال الإعمال وفساد البيروقراطية المصرية عاملاً أساسيا في اندلاع الثورة المصرية، ونستطيع أن نستشف أن السيسي قد يجد نفسه مضطراً للتعامل مع رجال عهد مبارك مؤقتا رغم ما يمثله هذا من عبء عليه، لكنه في النهاية سيطيح بهم وسيتشكل الشكل الاقتصادي الجديد بشراكة جديدة بين المؤسسة العسكرية ورأس المال الخليجي ولكن هل سيحدث هذا فارقا؟

في قراءته لمستقبل شكل الاقتصاد المصري ذكر الخبير الاقتصادي المصري عمر الشنيطي: (أن ثمة أسئلة اقتصادية وجودية تطرح نفسها في المرحلة القادمة عن شكل الاقتصاد ودور اللاعبين المختلفين فى دفع عجلة النمو، وبالنظر إلى وضع اللاعبين الأساسيين في المشهد الاقتصادي الحالي، فإنه من المتوقع أن يكون التوجه الاقتصادي الاستراتيجي، الذى تقوده كيانات جديدة ناتجة عن الشراكة بين المستثمرين الخليجيين والمؤسسة العسكرية، لا يختلف كثيراً عن الوضع قبل ٢٠١١ وإن اختلفت الوجوه ولعل الحكومة المكبلة اقتصادياً لن تستطيع فعل الكثير لدفع النمو وقد يقتصر دورها على محاولة استيعاب الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع. هذا التصور بالتأكيد سيمنع وجود استقرار اجتماعي مستدام مهما اشتدت الشوكة الأمنية، وعلى من يدير زمام الأمور تعلم الدرس ممن سبقه).

من المعروف أن أية عملية بناء اقتصادي تحتاج قبلها استقراراً أمنياً وإصلاحاً سياسياً لن يكون متوفراً في حالة استمرار القلاقل والمظاهرات وتدهور الحالة الأمنية واستمرار سياسة إقصاء جزء أساسي من الشعب، وفي غياب الاستقرار السياسي والأمني يكون الحديث عن التنمية الاقتصادية وتشجيع السياحة والاستثمار حديثا في الهواء لا جدوى منه.

فالوضع الاقتصادي لن يتحسن إلا ببناء دولة مؤسسية تحترم القانون وتحارب الفساد، واتخاذ قرارات اقتصادية حاسمة للدخول في عملية إصلاح اقتصادي شامل يشارك فيها الجميع، والمعضلة التي تواجه السيسي في هذا الصدد أنه ليس أمامه إلا الاستمرار على نهج مبارك وإن تغيرت الوجه، وما كان سبباً للفشل لن يكون سبباً للنجاح.

وفي النهاية لن تتجاوز سياسة السيسي الاقتصادية اتخاذ إجراءات اقتصادية قاسية تزيد من معاناة الشعب المطحون أصلاً، كما سيستمر في حاجته لوجود عدو يمثل بالنسبة له فرصة لتحويل الأنظار عن الوضع الصعب، وحشد الناس خلفه وتوفير المبررات لتواضع الإنجازات.

تجريف السياسة

لن يكون أمام السيسي في سياسته المستقبلية إلا أن يعتمد بشكل كلي على العسكر في الشق السياسي والاقتصادي أو فلنقل بأن السيسي سيكون واجهة العسكر لحكم مصر وترسيخ مكتسباتهم الاقتصادية والسياسية والقانونية التي حصلوا عليها بموجب دستور عام 2012 وأكدت عليها التعديلات الدستورية التي أقرت باستفتاء عام 2014، مما يعني بأن نفوذ العسكر وصل حداً غير مسبوق وهو نفوذ محمي دستورياً.

وأي دور سياسي أو رقابي للقوى السياسية والحزبية ومنظمات المجتمع المدني سيكون محكوماً بقواعد اللعبة الجديدة التي تتلخص بأن مناطق النفوذ العسكرية خط أحمر ممنوع الاقتراب منه، ولا شك بأن هذا الأمر يتعارض مع التعددية السياسية الحقيقية ومع الديمقراطية المنشودة والتي من أجلها خرج الشعب في يناير 2011، وفي الوقت ذاته سيقوم العسكر بفتح المجال لبعض مظاهر التعددية من أجل تحسين الصورة داخلياً وخارجياً.

ستحرم القوى السياسية بمختلف توجهاتها من ممارسة دورها الذي تطمح إليه وعليها أن ترضى بالدور الهزلي المرسوم لها وإلا تعرضت للقمع والإقصاء بما في ذلك القوى التي دعمت الانقلاب وبررت قيامه.

فنحن إذن أمام دولة أمنية بامتياز تمارس القمع والسجن والتعذيب وتلفيق القضايا وإسكات الرأي الحر وإقفال المنابر الإعلامية، وإن تزينت هذه الدولة بصورة ديمقراطية.

هل هذا ما كانت تطمح إليه الكتلة الرئيسية التي خرجت ثائرة على حكم مبارك؟ هل هذه السياسة ستحقق أهداف الثورة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية؟ إلى أي مدى سيتحملون قمع جمهورية الخوف وممارساتها الأمنية؟

إن جذور الثورة لا تزال موجودة، وأسبابها ما تزال قائمة، وشعلة الثورة لم تنطفئ بعد لكنها بانتظار السيلان الشعبي.

 السيسي رمز الاستقطاب

في المراحل الانتقالية مثل التي تمر بها مصر تحتاج البلاد إلى قيادة سياسية استيعابية من نوع خاص من طراز بناة الدول الذين ينجحون في توحيد الشعب خلفهم ويحققون الاستقرار والسلم المجتمعي، قادة أمثال لينكولن وغاندي ومانديلا.

والواقع الذي عليه الحال في مصر أن العنوان الأساس الذي جاء به الانقلاب من أول يوم وما زال مستمرا فيه هو الإقصاء، فالعقل الأمني الذي يدير الأمور بمصر يديرها بشكل استعلائي فوقي لا يسعى للمصالحة ولا يقبل بالحلول الوسط ولا يرى نفسه أصلا بحاجة لتقديم أي نوع من التنازلات.

وبالتالي فالنظر إلى السيسي باعتباره قائداً تاريخياً سينجح في تحقيق الاستقرار لمصر هو أمر فيه شك كبير، فكيف بمن كان سببا للمشكلة أن يكون جزءا من الحل؟

إن أي حل منطقي للأزمة المصرية لا بد وأن يشمل إقصاء السيسي فهو السبب الرئيسي لعملية الانقسام الجارية الآن وينظر إليه قطاع عريض من الشعب كمجرم حرب تجب محاكمته، ومن أجل ضمان بقائه لن يكون أمامه إلا الاستمرار في حربه الدموية بلا هوادة، وهي حرب يأخذ منها السيسي سبب وجوده ويستند إليها في أخذ شرعيته كقائد ضرورة جاء في ظرف استثنائي فهو غير مطالب بالتالي بتحقيق إنجازات للشعب.

ولذلك نقول لن يتحقق الاستقرار طالما السيسي على راس الحكم، ولن تتوقف الحرب ضد الإرهاب لأن السيسي يحتاج إليها وإلا فقد مبرر وجوده.

تقزيم مصر

تعكس الصورة الذهنية لمصر في الوجدان العربي صورة مصر قائدة الأمة العربية التي إن تقدمت تقدم العرب وإن تراجعت تراجع العرب، كما أن السياسة العربية في مجملها – سواء اتفقنا معها أو اختلفنا- يتم إعدادها في المطبخ المصري. فهل رسخ انقلاب السيسي هذه الصورة أم مسحها؟

يحاول الإعلام المصري الترويج لقومية مصرية مصطنعة تعلي من الروح الشوفينية العنصرية التي تنظر لمصر بمعزل عن محيطها العربي والإسلامي وفي هذا السياق تتم شيطنة الفلسطينيين والسوريين والليبيين واستعداء دول مهمة مثل تركيا وقطر والجزائر، ويظهر التناقض في المهادنة بشكل كبير بل وإظهار مصر بدور التابع لدول الخليج خصوصاً السعودية والإمارات بينما يتم غض النظر عن الخطر الذي يمثله العدو الإسرائيلي.

بكل بساطة نستطيع أن نقول بأن مصر الانقلاب لم تعد قائدة العرب بل هي دولة تابعة لن تجنح عن السياسة السعودية الإماراتية خصوصا ما يتعلق بدعم الثورات المضادة في الدول العربية، لأن من يدفع له أن يشترط ويوجه ويقبض عائد استثماراته فلا شيء في عالم السياسة يقدم بلا مقابل.

ولا بأس من لفت الانتباه إلى أن الدول التي تعاديها مصر مثل تركيا وقطر هي دول مستقرة سياسياً واجتماعياً وتحقق نمواً اقتصادياً متصاعداً بينما ينظر العالم إلى حليفتها السعودية كدولة غير مستقرة سياسياً ومعرضة لاهتزازات بسبب عدم ترتيب بيت الحكم ولا شك بأن هذا العامل سيلقي بتداعياته على مصر الانقلاب في حالة حدوث أي تغيير في السعودية.

يتحدث الإعلام المصري أيضاً حديثاً حول تحدي أمريكا والسعي لبناء علاقات قوية مع روسيا والصين لموازنة النفوذ الأمريكي وهو كلام تنفيه تصريحات السيسي نفسهالذي صرح أكثر من مرة بأنه على اتصال دائم بالإدارة الأمريكية.

والمفارقة في علاقة  السيسي مع الولايات المتحدة تكمن في ارتباط السيسي وضباط الجيش المصري عموما بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة من خلال المساعدات العسكرية والدورات والتدريبات المشتركة وهناك تنسيق دائم بين وزارتي الدفاع المصرية والأمريكية ورغم تحفظات الإدارة الأمريكية على شكل المسار الذي انتهجه الإنقلابيون ورغم ترديد الإعلام المصري لأخبار تهديد السيسي لأمريكا، إلا أن العلاقة الحميمة بين الطرفين أبعد من ذلك فالولايات المتحدة لا ترغب في قطع العلاقات وهي مستعدة لغض النظر عن الجانب الأخلاقي في العلاقة وذلك لما يبدو من حرص السيسي وضباطه على صداقتها وعدم معاداتها أو فلنقل باللغة الدبلوماسية (الحفاظ على مصالحها في المنطقة).

ومن المعطيات المتوافرة لدينا لم يكن لدى الإدارة الأمريكية سياسة واضحة ومحددة لما يجري في مصر ولم يكن لديها مانع من وصول الإخوان لحكم مصر بل كانت تسعى لدمجهم في الحياة السياسية وترويضهم، وما حدث من انقلاب دموي بهذا الشكل الذي ظهر فيه إنما تم بفعل قوى إقليمية لها علاقاتها مع الاستخبارات الأمريكية ولم تكن الإدارة الأمريكية راضية عن هذا (العك) الذي تسببت به تلك القوى الإقليمية وكانت تتمنى لو سقط الإخوان لوحدهم بطريقة (شيك) لكنها في الوقت ذاته أخذت موقفا متخاذلا تجاه دعم الديمقراطية ولم تتخذ أي إجراءات بحق الانقلاب عليها وسعت لإقناع الإخوان بقبول الأمر الواقع، وفي ضوء عدم وجود سياسة أمريكية واضحة محددة في مصر فلا ينتظر من أمريكا أن تفعل شيئا لإعادة الحياة الديمقراطية المدنية في مصر، لكن يبقى عليها أن تواجه سؤالاً محرجاً حول (الشرعية) وهو السؤال المطروح أيضاً على الدول الأوربية التي وقفت موقفا أكثر إيجابية من أمريكا وعلى المجتمع الدولي بأكمله، فكل الإجراءات الانتخابية التي تتم الآن إنما تستند في شرعيتها القانونية على ما قام به الجيش في 3 يوليو، وهو عمل يمثل انقلابا على رئيس منتخب بشكل واضح.

هكذا تبدو مصر السيسي دولة تابعة لدول الخليج المانحة يقتصر دورها العربي في دعم الثورات المضادة، ودولة مكشوفة معرضة للابتزاز خارجيا بسبب فقدانها للشرعية القانونية.

الحراك الثوري

لم يهدأ الشارع المصري منذ الانقلاب على الرئيس المنتخب وهو حراك عنيد معمد بالدماء والضحايا، حراك شعبي لا أحد يملك التحكم فيه فقد تجاوز الإخوان وإن كان محسوباً عليهم وهم يمثلون ركيزته الأساسية، ورغم أن هذا الحراك لا يمثل في الوقت الحالي تهديداً وجوديا للانقلاب العسكري المحمي بأجهزة الدولة العميقة والقضاء غير النزيه والإعلام الموجه ورجال المال والأعمال، ورغم أن السيسي يستند في شرعيته على حرب الإخوان وليس له دور آخر يستمد منه وجوده، (ولو لم يكن هذا الحراك موجودا لاختلق السيسي – وهو رجل المخابرات – معركة أخرى يبرر فيها وجوده مثل القضاء على الإرهاب في سيناء) إلا أن استمراره يمثل تهديدا حقيقيا للانقلاب فهو يبقي جذوة الثورة مشتعلة في النفوس ويوفر الكتلة المركزية التي يتجمع حولها الساخطون يوما بعد يوم.

وإشكالية الحراك الحالي أنه لا يزال لدى قطاعات كبيرة من الشعب المصري ينظر إليه على أنه حراك جماعة لا حراك وطن، الأمر الذي كان مختلفاً في يناير 2011 الذي غابت عنه اللافتات المعبرة وكان حراكاً عفوياً مباغتاً، كما أن النظام الحالي الشاب يختلف عن نظام مبارك العجوز وهو في أعلى درجات جهوزيته حالياً.

يحتاج الحراك الحالي إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي وعلى رأسه البيت الإخواني، وإعادة إنتاج نفسه بشكل جديد وشعارات جديدة، والاعتبار من تجربة الدولة العميقة التي انحنت للعاصفة ثم استغلت الموجة وعادت من جديد في أول فرصة، ففي السياسة كما في الحرب الأمر جولات والذكي من قرأ واقعه واستعد للجولة الجديدة، وهي قادمة لا محالة.

ستوفر الأسباب التي ذكرناها آنفاً من فشل اقتصادي وعودة الدولة القمعية ونفوذ العسكر وانكشاف السيسي الوقود للحراك الثوري الذي يحتاج لكي يكون مؤثراً إلى إحباط شعبي عام، ومشاركة مختلف قطاعات الشعب المصري خصوصاً الشباب والحركة الطلابية والعمالية وطبقة المثقفين واتفاقهم على هدف موحد، وإلى حدث تراكمي يشعل نار الثورة.

 

ما من شك بأن الانقلاب العسكري يمثل حركة معاكسة لاتجاه التاريخ، ففي زمن الانفتاح الثقافي والإعلام الجديد، وتأثر الدول ببعض، ولى عهد الانقلابات العسكرية وولى عهد استبداد الحكام، وما يحدث في مصر إنما هي موجة ارتدادية سيعقبها موجة ثورية جديدة فالثورات في حقيقتها ليست موجة واحدة بل سلسلة موجات تنتهي بالثورة الكبرى .. ويبقى السؤال المهم: وماذا بعد سقوط الانقلاب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد