عاشت المدن التركية يوم الجمعة 15 يوليو ليلةً عصيبةً، خاضت خلالها كل مكونات الشعب التركي حكومة ومعارضة وشعبًا معركةً مصيرية ضد محاولة الانقلاب على الإرادة الشعبية، ومبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة التي ناضل من أجلها الجميع خلال عقود من الزمن.

ولعل الدرس الأهم الذي على كل الشعوب المتطلعة للديمقراطية والحرية استخلاصه من محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت، هو أن التلاحم والتوافق بين مختلف مكونات الشعب وانتماءاته الإيديولوجية والفكرية، وتبني مواقف موحدة هو السبيل الوحيد لكسر كل المخططات التي تستهدف إرادة الشعوب ومستقبلها.

لقد رأينا جميعًا كيف هب الشعب التركي صفًّا واحدًا للدفاع عن ثوابته ومستقبله ضد الآلة العسكرية التي تآمرت على إرادته، وخانت أمانته، ورأينا في تلك الليلة السوداء كيف نزل الموالون لنظام أردوغان جنبًا إلى جنب مع المعارضين له، ووقف الإسلامي والعلماني والاشتراكي والقومي والليبرالي صفًّا واحدًا بصدور عارية، في وجه الدكتاتورية التي أرادت إيجاد موطأ قدم لها على الساحة السياسية من جديد، ووقف مسيرة النهضة التركية التي حققت الرخاء والرفاهية لكل الشعب التركي دون تمييز.

نعم، لقد رأينا هذا الأمر لأول مرة في منطقتنا التي لطالما عرفت صراعًا فكريًّا وإيديولوجيًّا إلى درجة استعداء كل طرف للآخر، والحشد ضده، وتبادل الاتهامات دون مراعاة مصلحة الوطن والشعب، فكان ذلك سببًا أساسيًّا في توقف عجلة  النمو والتطور، وبقينا عقودًا طويلة لا نبارح مكاننا.

إن السبيل الوحيد لتحقيق الازدهار والسلام لمنطقتنا هو إعلان الهدنة بين كافة الطوائف والانتماءات الفكرية والسياسية، وتغليب صوت العقل والمنطق، وإعلاء مصلحة الوطن والشعب فوق كل الاعتبارات، وذلك لا يتأتى إلا بتحقيق ما يلي:

 

أولًا: العمل على تجاوز أزمة المبادئ والقيم التي تعاني منها النخب السياسية والفكرية، وازدواجية المعايير، والتناقض بين الخطاب والممارسة العملية، وذلك لاستعادة ثقة الشعب في نخبه وأحزابه التي فقدها منذ زمن بعيد، وتبلورت في العزوف السياسي، والإقبال الضعيف على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. كذلك توحيد المواقف والجهود في القضايا التي تشكل نقاط توافق بين مختلف مكونات الشعب، كالقضايا المتعلقة بالحقوق والحريات ومبادئ الديمقراطية، وفتح حوار مدني متحضر فيما يتعلق بنقاط الاختلاف، وتبني خطاب سياسي هادف وبناء يعبر عن النضج السياسي، بدل خطاب التطرف والإقصاء والتخوين الذي تسبب في تقسيم المجتمع لجبهات متحاربة، يقاتل الجميع فيها من أجل شعاراته دون اعتبار لمصلحة الوطن التي تقتضي أن يكون نضالنا من أجل الحق والعدالة والتقدم، وليس من أجل جماعة أو قومية أو إيديولوجية.

 

ثانيًا: إن الدور الذي لعبه الإعلام التركي المعارض لسياسات أردوغان في إفشال محاولة الانقلاب على التجربة الديمقراطية، ومساهمته بشكل مباشر في حث المواطنين على النزول إلى الشوارع للدفاع عن مصلحة الوطن العليا، يشخص لنا جانبًا كبيرًا من المعضلة في مجتمعاتنا، وهو تقاعس الإعلام عندنا في أداء رسالته المتمثلة في نقل الحقيقة كما هي، دون زيادة أو نقصان، وهو ما يعني تطوير أداء وسائل الإعلام والرفع من درجة مهنيته ليكون منبرًا للحقيقة، وترسيخ قيم التسامح والديمقراطية، واحترام الآخر وتقبل اختلافه. فإن تحول الإعلام إلى سلاح في يد أي طرف ضد طرف آخر سيؤدي بلا شك إلى حجب الحقيقة عن الشعب، والتدليس عليه لخدمة مصالح وأجندات ضيقة، تزيد من تعميق الهوة بين مختلف مكونات المجتمع وطوائفه، وسينمي لدى الأفراد والجماعات نزعة العنصرية والتطرف، ولعل أنسب مثال نقدمه في هذا الصدد هو الدور الذي اضطلعت به وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في اندلاع حملة الإبادة في رواندا عام 1994، والتي استمرت مائة يوم فقط، وراح ضحيتها 800.000 شخص بينها، واغتصبت خلالها آلاف النساء بعد حملة تحريض إعلامية كبيرة ضدهن. ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى التجربة المصرية وحملة التحريض والحث على الكراهية التي تشنها حتى اليوم وسائل الإعلام المصرية ضد معارضي الانقلاب العسكري على نظام الرئيس محمد مرسي، وإلصاق تهمة الإرهاب والتطرف بهم لتبرير قتلهم واعتقالهم بسبب آرائهم السياسية، وهو ما أدى لتطبيع فئة واسعة من الشعب المصري مع منظر الدماء المسفوكة في الشوارع وميادين التظاهر، والجثث المحروقة التي تحملها الجرافات في فترة تعتبر الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث.

 

إن المناداة بتوفير هذه الظروف لم يعد بعد اليوم سعيًا وراء تصورات مثالية، بل أصبح مطلبًا ملحًا وضروريًّا للحفاظ على وحدة الشعوب، وأمنها، واستقرارها. خصوصًا في ظل ما تعرفه منطقتنا من مؤامرات ومساع لإعادة تقسيم الموارد والنفوذ فيها بين القوى العالمية الكبرى، وكذلك الانغماس في مستنقع العنف والحروب، وتنامي التهديدات الإرهابية، والجماعات المتطرفة. كل هذه التحديات لا يمكن الوقوف في وجهها إلا بالتلاحم والتوافق، ووحدة الصف والكلمة، والانتصار لقيم المواطنة والحق والعدل فقط، كما فعل الشعب التركي الذي استطاع بسواعده أن يوقف زحف الدبابات والطائرات، ويجبرها على العودة إلى ثكناتها. فهل نحن قادرون على استيعاب الدرس التركي؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد