الجامعة العربية والنشأة الأولى

قد يتعجب البعض حين يعلم أن أول من تحدث حول ضرورة وجود كيان سياسي يجمع الدول العربية في 29 مايو (أيار) عام 1941، هو أنتونى إيدن، وزير الخارجية البريطاني  الأسبق. والواقع الذي يجب أن لا نغفله كعرب، إن  نشأة الجامعه العربية جاءت في الأساس من قبل المستعمر البريطاني الذي كان حينها يحتل الجزء الأكبر من الوطن العربي. لم يفعل البريطانيون ذلك من باب مصلحة هذه الأمة، بل لذر الرماد في العيون، وتكون جامعة الدول العربية بمثابة غطاء يسهل على بريطانيا التحكم في مصائر هذه الدول، سياسة: جمِّع تسد، بريطانيا التي لم تترك المنطقة إلا والعرب أشتات من عدة دول، تعصف بها الخلافات البينية الحدودية والصراعات الداخلية بين الصفوة السياسية إلى يومنا هذا. بريطانيا التي  تمسك بكل ملفات المنطقة وسجلها الأرشيفي يحتفظ بمعظم أسرار المنطقة في حقبة زمنية معينة كان البريطانيون سادة العالم والمملكة التي لا تغيب عنها الشمس.

فالحقيقة الظاهرة للعيان وبعد أكثر من سبع عقود على إنشاء الجامعه العربية، لم تستطع أن تحقق أي  هدف من أهدافها، بل زادت الطين بلة، وأصبحت الخلافات السياسية بين القادة وحتى الشعوب هي الأبرز وضوحًا، والتي طغى عليها نوع من الشتات بين الدول العربية، أكثر مما تجمع العرب على كلمة واحدة حتى التعاون بين الأعضاء، لم يتحقق ولو في حده الأدنى، فالجامعة كما يرى معظم المثقفين والمفكرين خرجت منذ زمن عن ميثاقها، والهدف الذي أسست من أجله على مدى العقود الفائتة، وذلك  لأن الجامعة العربية في الأساس صناعة بريطانية، وميثاقها الحالي تم ديباجته في لندن، ولذا يرى الكثيرون ضرورة إجراء تعديلات على ميثاق الجامعه والبدء من تغيير مسمى الجامعة إلى اتحاد الدول العربية كمسمى جديد يعيد بث الروح في العمل العربي المشترك، واتخاذ مصطلح سياسي جديد للدول العربية وهو اتحاد الدول العربية على غرار الاتحاد الأوروبي أو مسمى منظمة الدول العربية بمثل منظمة الدول الأفريقية، العنوان الجديد للعمل العربي لأمة عربية أكثر توحدًا وتماسكًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وقدرة على التحديات ومواجهة الأخطار التي تحيط بالمنطقة، وأخذ العبرة والدروس والموعظة من إنشاء التحالف العربي، الذي ولد في لحظة تاريخية عصيبة، وأكثر مأسوية كانت ستلحق بالأمة العربية، عندما بدأت ملامح انهيار بلد عربي عريق ووقوعه في كنف إيران الذي يزعزع استقرار وأمن الشعب العربي في أكثر من مكان، تحالف عربي مشترك جاء لإنقاذ الشعب العربي اليمني من الانسلاخ بعيدًا عن محيطه العربي، وليس المجال هنا لسرد الأحداث التي تثبت ذلك، وتكفي الإشارة إلى ضرورة تغيير الواقع الحالي لمزيد من العمل المشترك الموحد.

التغيير يقع على عاتق القادة العرب

وربما أفضل ما يمكن للقادة والزعماء العرب فعله اليوم، هو ضرورة تغيير المسمى الحالي الذي استهلك على مدى أكثر من سبعة عقود، وضرورة تعديل ميثاق الجامعه الذي تم كتابته وصياغته قبل استقلال معظم الدول العربية، وهذا ما يفرض  التجديد وإحياء روح العمل المشترك ليكون أول طريق للتغيير يبدء من الاسم والعنوان ويمكن أخذ أكثر مسمى (اتحاد الدول العربية – منظمة الدول العربية – التحالف العربي)، وكلنا يعلم ويعرف أن التجديد يعني بث الروح، فالأمم المتحدة كانت تحت مسمى عصبة الأمم المتحدة، وتغير في ظرف دولي جديد إلى مسمى الأمم المتحدة المتعارف عليه اليوم.

إذًا فلماذا تصر بعض الدول على عدم تغيير مسمى الجامعة العربية، وميثاقها الذي لم يحقق أي نجاح يذكر ويحسب للجامعة، فقد تقدمت عدد من الدول العربية على مدى السنوات الماضية بأكثر من مبادرة لإصلاح الوضع العربي وتشكيل نظام عربي جديد، وكان ذلك من قناعة لدى بعض القادة العربي بضرورة إعادة صياغة العلاقات العربية-العربية في إطار يمكنها من تجاوز كل المساوئ والعقبات التي عصفت في مسيرة الجامعة العربية وتحقيق الاستفادة من دروس المشوار الطويل للجامعة وتقييم كل السلبيات والإيجابيات إن وجدت.

فكل الاختلالات ما زالت قائمة، وكانت سببًا رئيسًا في عرقلة منظومة العمل العربي المشترك، فقد أصبح الوقت مهيأً اليوم، أكثر لمعالجة ما تواجهه الأمة من تحديات وأزمات فالإصلاح الحقيقي يبدء من تغيير المسمى، من جامعه إلى اتحاد أو منظمة، وذلك لن يكون إلا بالأخذ من تجارب الاتحادات الإقليمية والعالمية الناجحة، سواء الاتحاد الأوروبي أو الآسيوي أو حتى الاتحاد الأفريقي، والاستفادة منها بعد دراستها وتطويرها وإثرائها وأخذ ما يناسب الأمة العربية.

تغيير الهدف لعمل مشترك حقيقي

فالهدف الأساسي الذي يجب الوقوف عنده،  البحث عن دور جديد للمنظمة أو الاتحاد العربي الجديد، ليكون دوره وانتقاله لمؤسسة أكثر تطورًا وفاعلية، كما حدث مع منظمة الوحدة الأفريقية التي أصبحت الاتحاد الأفريقي، والسوق الأوروبية المشتركة التي تحولت إلى الاتحاد الأوروبي.

ولابد على كل  المفكرين ورجال السياسة، والإعلام والكتاب والمثقفين العرب، التحرك أولًا ليساهموا بالنقاش الجاد والمستفيض والمسؤول، حول ضرورة التغيير وأول ما يمكن البدء به إلى ذلك التغيير المنشود مصطلح الجامعة العربية، الذي استهلك مع الزمن، ولم يعد يحمل ذلك المضمون الحقيقي الذي اتفق عليه قبل 70 سنة.

والأهم اليوم كأمة عربية واحدة ذات لغة ودين وهدف مشترك واحد، الإثبات للعالم بأن أمتنا العربية قادرة على الخروج من كل أزماتها، وتملك من الإصرار والشجاعة والعزيمة القدرة على مواجهة كل التحديات وبناء مستقبل عربي جديد، ينطلق نحو تحقيق التنمية الشاملة، ومؤسس على قيم الدين الإسلامي الذي يرفض كل أنواع التطرف والإرهاب، شريكًا فاعلا ومؤثر في المجتمع الدولي في كل القضايا، التي تهم العالم أجمع من خلال التمسك بمبادئ السلام والتسامح والاستقرار والعمل الدءوب، من أجل تحقيق العدالة والمساواة بين البشر، وتنمية شاملة تعم كل دول العالم دون استثناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد