الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

أصبحت وأصبح قلمي على خبر مجزرة جديدة بالكيماوي، ارتكبها الفاشي بشار الأسد ضد شعبه في دوما راح ضحيتها قرابة 150 روحًا، بحسب ما وصلني حتى لحظة كتابة هذه السطور، لتنضم إلى ضحاياه التي تتساقط بالآلاف منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 ، وتقوم بعدها موجات الشجب والاستنكار من الناشطين، والحقوقيين، وبعض الشخصيات والرموز السياسية في العلن، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وكما هي العادة يأتي بين ثنايا هذا الشجب على ذلك العدوان الغاشم إنكار بالغ للصمت العربي على هذه الجرائم، التي تُرتكب منذ أعوام في حق هذا الشعب، الذي ليس له إلا الله -عز وجل- وهو خير الناصرين، وبما أننا في حالة إنكار أمام هذا الصمت، لا بد أن يُولد السؤال عن سبب هذا الصمت «والذي يعنينا هنا هو الصمت العربي أما الصمت الأجنبي فقد نتطرق إليه في مساحة أخرى».

لا أتصور أن هناك من لا يملك إجابة عن هذا السؤال، ولا أرى أن السؤال يحتمل إجابة واحدة فقط، بل أنا لم أطرح السؤال لمجرد الإجابة عنه؛ فالإجابة قد لا تتطلب أكثر من بضع كلمات، ولكنني أطرح السؤال مدخلًا لفهم الحالة السياسية التي نعيشها الآن كعرب، وحيثيات نشأة حالة الصمت هذه وما وراءها، ومحاولة مني للفهم أحتاج للعودة بضعة عقود إلى الوراء.

لعلكم تذكرون فضيحة أحمد أبو الغيط عندما طالب تركيا بالكف عن التدخل في سوريا، ثم ألقمه بعدها وزير الخارجية التركي حجرًا برد مفحم، هذه المطالبة الهزيلة التي تتجاهل كل الأطراف التي تتدخل في سوريا، والتي كانت هي من تسفك الدماء وتهدم البيوت والمعمار، هذه المطالبة ليست مجرد انحراف للبوصلة عن الاتجاه الصحيح؛ بل هي مبنية على اعتبارات وحسابات يمكن أن تشمل أي شيء إلا الدم السوري أو العربي بصورة عامة، ووجود رجل كهذا على رأس جامعة الدول العربية بكل تاريخه المخزي ليس أمرًا مستغربًا على مؤسسة كهذه.

تأسس هذا الكيان على عين الحكومة البريطانية، إذ عبّر وزير الخارجية البريطاني حينها عن أن العرب قد أحدثوا نقلة كبيرة، وأن المفكرين العرب يرجون لشعوبهم درجةً من الوحدة أكبر مما كان الحال عليه حينها، ثم كان تصريحه الثاني بأن الإنجليز ينظرون إلى العرب بعين «العطف» إلى كل حركة باتجاه تحقيق الوحدة العربية.

كان سقوط الجامعة منذ التحدي الأول الذي واجهته، وهو القضية الفلسطينية، والتي كانت تقف فيها موقف العائق لحركات المقاومة، والتي كان يقودها الشهيد بفضل الله الشيخ عبد القادر الحسيني -رحمه الله- والذي كان في المراحل الأخيرة في جهاده ضد المغتصب الصهيوني يصول ويجول ويذيق العدو الهزائم واحدةً تلو الأخرىـ في الوقت الذي كان التحالف العسكري العربي يمنع السلاح عنه، ويعيق تحركات الفصائل التي تبنّت المقاومة حينها، بل تبعث بأفرادها إلى حكوماتهم حيث ينتظرهم الاعتقال والسجن، وربما الإعدام، مثل الذي حدث مع جماعة الإخوان المسلمين، ليكون بذلك تاركًا الشعب الفلسطيني وحده في مواجهة الزحف الصهيوني الذي ارتكب خمس مجازر في الفترة ما بين عام 48 إلى عام 53.

وهي ذاتها الحكومات التي بسببها ذاقت الأمة أمرّ هزيمة في تاريخها على يد الكيان الصهيوني، في حرب الأيام الستة والمعروفة بالنكسة عام 1967، والتي جاءت نتائجها كارثية، منها سقوط أكثر من 21 ألف قتيل، و45 ألف جريح، و6 آلاف أسير، على الرغم من أن القوة العسكرية للعرب، وبحسب الأرقام، كانت أكثر من القوة العسكرية الإسرائيلية، امتدت الخسائر إلى العتاد العسكري، إذ بلغت خسائر التحالف العربي ما بين 70- 80% من العتاد، بينما كانت خسائر الجيش الإسرائيلي ما بين 2- 5%.

خسر العرب وقتها سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، ونكاد نجزم بالنظر إلى الواقع أن العرب لم يتعافوا من تلك الهزيمة؛ إذ إن الجولان ما زالت محتلة إلى الآن، ويمكن قول الشيء نفسه على الضفة الغربية، وتحديدًا القدس، نظرًا إلى سياسة الاستيطان التي يتبعها المحتل الصهيوني الآن، كذلك سيناء، وبعد اتفاقية كامب ديفيد، لم يعد لدي مصر أي سيادة تذكر عليها، أما غزة، فبالرغم من خروج جيش الاحتلال منها، فإنها تعاني ويلات الحصار الذي أثر على القطاع اقتصاديًّا وتنمويًّا، كما تعرض للضربات الجوية الإسرائيلية أكثر من مرة مما تسبب في أضرار فادحة.

مما يلفت الانتباه أن ذلك العقد من الزمان، والذي وقعت فيه أحداث 67، كان حافلًا بأحداث عدة على الصعيد الداخلي لأبرز الدول العربية؛ فجمال عبد الناصر كان يمارس فرض سلطته في الدولة، ويستحوذ على الممتلكات والإقطاعات الخاصة تحت مظلة «التأميم»، كما شن حملة شرسة على الإخوان المسلمين نفذت فيها القوات الأمنية العديد من الاعتقالات وعمليات التعذيب والإعدامات، الأمر الذي اضطر من نجا للهروب إلى المملكة العربية السعودية في أغلب الحالات، والتي استقبلتهم ودعمتهم نكاية في عبد الناصر وأيديولوجيته التي كان يتبناها، وهي من ناحية أخرى كانت توطد علاقتها أكثر فأكثر مع الولايات المتحدة، والتي كانت تدعم إسرائيل بالسلاح والعتاد العسكري، وهو ذاته السلاح الذي هزمت به القوات العربية في حرب 67، أما سوريا فكان الصراع فيها على أشده؛ فعلى مدى 10 سنوات شهدت سوريا صراعات الضباط الخمسة بين بعضهم وبعض، وهم الذين خرجوا مما كان يُعرف بالجمهورية العربية المتحدة، وبعد خمسة انقلابات عسكرية، آل الأمر أخيرًا إلى حافظ الأسد عام 1970، والذي بعد 12 عامًا من ذلك تقريبًا ارتكب أحد أشهر المذابح في تاريخ المنطقة في مدينة حماة، والتي راح ضحيتها بالآلاف، بحجة محاربة جماعة الإخوان المسلمين.

فترة الثمانينات شهدت تحالف السعودية وأمريكا ضد الاتحاد السوفيتي، الذي احتل أفغانستان، إذ قامت السعودية بدعم الدعاوى التي ظهرت في المملكة للجهاد في أفغانستان، ونحن لم نكن بحاجة لتصريحات ولي العهد السعودي الأخيرة لنعرف ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة التي تغافل عنها الكثير من الناس طوال العقود الماضية، وكان هدف الحملة هو «تحرير الأرض الأفغانية المسلمة من احتلال الكافر السوفيتي»، وقد تم ذلك بالفعل في نهاية الثمانينات، وقد كان للسيناتور الأمريكي تشارلي ويلسون ضابط المارينز السابق دور كبير في الدعم الأمريكي للمجاهدين بالأسلحة، إذ رفع الدعم الأمريكي لهم من 5 ملايين دولار إلى مليار دولار، بحسب ما جاء في كتاب «حرب تشارلي ويلسون» الذي فصّل في هذه القصة.

التاريخ العربي الحديث مليء بالأحداث المفصلية التي شكلت نقلة لتوجهات أيديولوجية، وجماعات سياسية، وصراعات طائفية وغيرها، ولكن من يدقق النظر في هذه الأحداث والمسار الذي اتخذته كل واحدة، لوجد أن الموجه الأول لها أو المستفيد الأول منها هي النخب التي تحكم البلاد والعباد، والتي بقت على رأس السلطة لعقود، ولو تسنى للشعب أن يتحرر من هذا التسلط لجاء طرف ثالث من الخارج وسخّر المال والنفوذ لقتل الحياة السياسية في البلاد، وهذا تجلى بوضوح في الحالة المصرية، إذ كانت الحياة السياسية في مصر بعد ثورة يناير (كانون الثاني) في أفضل حالاتها، وانتشر الحديث في السياسة في شتى المجالس، ووجدت الكوادر والأحزاب متنفسًا للتعبير وطرح رؤاها السياسية بحرية بعد خناق دام عقودًا، ولكن ظهرت بعض السلوكيات التي تعبر عن مراهقة وعبث طفولي من بعض الشخصيات التي عدها الكثير رموزًا يُحتذَى بها قادت فيما بعد للعبث في المشهد السياسي بأكمله، ولضيق نظر هؤلاء وانشغال معظم العقلاء بالالتحام معهم لاحظ قليلون أن هناك ما يدبر في الخفاء، وعلم أن هذه الصراعات أريد لها أن تحدث، وحتى بعد إعلان الانقلاب كان المعارضون لحكم الإخوان المسلمين أو معظمهم ما زالوا في سكرتهم يعمهون، إذ أملوا بالرغم من الطريقة التي انتزعت بها السلطة من الإخوان، والدماء التي أُريقت، والأرواح التي ًازهقت، أملوا في أنه ستكون هناك انتخابات حرة ومنافسة مفتوحة نزيهة، وبصراحة لست متأكدًا من أن هؤلاء بعدما تبينت الصورة بحيث لا يجادل أحد في ملامحها، قد تعلموا الدرس ووعوه.

هذه النخب تأخذ قيمًا ومبادئ كالوطنية والعروبة والإسلامية وغيرها من توجهات، وتستثمر فيها بما يحقق أهدافها الدنيوية المحضة، ثم تلقي بها في أقرب سلة قمامة، وقد صدق أحد الأفاضل عندما قال إن هؤلاء الذين لا يتوانون عن سفك دماء شعوبهم هم عبدةً للكرسي، ودينهم هو السلطة والجاه، وهذا الوصف ليس تكفيرًا أو تعبيرًا عن أنهم صرّحوا بإنكار ألوهية الله تعالى وربوبيته، وإنما هي تحقق لوازم الوصف أو معظمها بحيث يؤول المعني بالأمر في النهاية إليه.

المملكة العربية السعودية منذ نشأتها تبنت رسميًّا الدين مصدرًا للتشريع والحكم، وفي الوقت ذاته تسمح للتيارات الليبرالية وقنوات الضلال والفساد الأخلاقي بالانتشار حتى تنشأ النزاعات بين الاتجاهين، وهذا أنجح الوسائل لتأمين حكم طويل الأمد بلا معارضة أو عقبات أيًّا كانت، وكذلك المؤسسة العسكرية في مصر استثمرت في المعارضة المصرية حتى حققت ما تريد، ثم استغنت عنهم في لمح البصر، وبشار الأسد حاول استخدام قضية الأكراد في حربه ضد المعارضة السورية، وكذلك حاول الشيء نفسه مع العلويين، سابقًا استغل عبد الناصر توجهه الأيديولوجي للاستحواذ على الممتلكات والأصول تحت مظلة «التأميم»، والسادات فتح المجال لانتشار التيارات الإسلامية لمقاومة المد الشيوعي الذي كان يعارضه آنذاك.

بالعودة إلى السؤال الأول؛ فالأنظمة تسكت عن المذابح في سوريا؛ لأن هذا ما كانت ستفعله لو ثارت عليها شعوبها؛ لأن وجود هذه الأنظمة مرهون ببقائها على الكرسي، مما يعني أن مقاومة الثورات هي حرب مقدسة عندهم، سيكون كل شيء فيها مباح، لم يحالف الحظ بن علي ولا مبارك ولا صالح، وإنما خدم الأسد الذي وجد الدعم الروسي الإيراني في مواجهة أمريكا وحلفائها، الأمر الذي لم يجده القذافي ضد هذا الحلف، وأفضل هذه النخب حالًا بما لا ينفي عنه السوء، هو من يشجب ويستنكر المذابح في سوريا، وهو في الوقت نفسه يضع يده مع أكثر من سفك دماء السوريين وهم الروس، ومن ناحية أخرى يترقب رد الفعل الأمريكي بالرفض أو التهديد كما فعل ترامب الذي لا يهمه سوى إثبات أنه يتولى الملف السوري بأفضل مما فعل سلفه أوباما.

هذا هو سبب انتشار الثورة، من تونس إلى مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا والبحرين ودول أخرى، نجحت أنظمتها في قمع الثورات بها في المهد، هذه هي الأنظمة التي كبرت وتوسعت أمام أعيننا عندما صدقنا خرافة الوحدة العربية، وترهات القوميات حتى اكتشفنا أننا مجرد متفرجين على المذابح التي طالت الشعب الفلسطيني منذ عام 47 وإلى يومنا هذا، وعندما صدقنا الكلام عن نشر العقيدة الصحيحة، وتبني سنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم- وعمل الدعاة تحت مظلة الأنظمة التي كانت توفر لهم الدعم والمساجد وساحات الخطابة، والآن وجدنا هؤلاء الدعاة إرهابيين ينشرون التطرف منذ أمد بعيد، ويجب التخلص منهم، أو موظفين يهندسون الدين وأصوله بحيث تلائم أجندة السلطة، وعندما صدقنا أن هناك إعلامًا يهتم بزيادة وعي المشاهد وتثقيفه، واكتشفنا فيما بعد أنهم مجرد أبواق للأنظمة التي تشرف عليهم لا يتوانون عن نشر الأكاذيب وتزييف وعي المشاهد، فطالما هؤلاء موجودون سيظل الدم المسلم رخيصًا أو لا يساوي شيئًا، وستظل النفس البشرية دون قيمة تواجه الشقاء والمعاناة حتى في تحصيل كفاف يومها، ناهيك عن حقها في التعليم والصحة والمسكن، وسيظل المسلمون في شقاء في كل ما أصبح لهؤلاء ولاية فيه، ناسين أو متناسين دعوة رسول الله في كل من ولي من أمر المسلمين شيئًا فشق عليهم، وعند الله تجتمع الخصوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد