حروب أهلية، وتنظيمات متطرفة، وملايين المهاجرين، واقتصادات عاجزة، وأنظمة حكم أكثر قمعا، ومزيد من التدخل الأجنبي. قد تبدو هذه أبرز نتائج الربيع العربي الذي بدأ منذ أكثر من 7 سنين؛ عندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه.

لكي نفهم أسباب حدوث الربيع بعيدا عن نظريات المؤامرة الساذجة، والتي لم يقدم أصحابها حججهم المقنعة، علينا أن نفهم طبيعة العقد الاجتماعي الذي نشأ منذ منتصف القرن الماضي بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية، وكيف ساهم فشله في إشعال غضب الشعوب.

إن الدول العربية منذ منتصف القرن الماضي اعتمدت على عقد اجتماعي خاص: نظام رعاية أو محسوبية (patronage system) أعطى فيه المواطنون رضاهم أو سكوتهم أو مباركتهم لنظام الحكم القائم، مقابل أن يوفر هذا النظام جميع أنواع السلع الاقتصادية والاجتماعية للناس. ليس فقط الأمن، بل رعاية صحية، وتعليما، وخدمات اجتماعية، والأهم وظائف. في الدول العربية الريعية كانت الدولة تعطي خريجي الجامعات وظائف حكومية دائمية، كان أغلبها وظائف غير منتجة أو قليلة الإنتاج، متعمدة على أموال النفط أو الغاز لدفع رواتبهم. يمكن القول إن هذه الوظائف كانت هدايا من الدولة، حتى لا تثور الطبقة المتعلمة ضدها.

بمرور الزمن واجهت أنظمة الرعاية غير الفعالة هذه تحديات كبرى من جراء ظهور ثلاث قوى رئيسة، وهي: زيادة سكانية هائلة في صفوف الشباب على أعتاب مرحلة البلوغ واختراق الاقتصاد المعولم للمنطقة، وظهور بيئة جذرية جديدة لتبادل المعلومات مثلتها القنوات الفضائية أولا، وتلاها الإنترنت والهاتف المحمول.

وكنتيجة لهذه القوى الثلاثة، أصبحت الدول العربية ليست غير كفؤة وحسب، بل غير فعالة على نحو متزايد في توفير السلع التي يتوقعها المواطن. لذلك وبحلول بداية القرن الجديد، كان يتوجب على خريجي الجامعات الجدد الانتظار لسنين للحصول على الوظيفة الحكومية الموعودة. وقد تصل مدة الانتظار إلى 8 سنوات في دول ذات الكثافة السكانية الكبيرة مثل مصر. أصبح الشاب العربي المتخرج يعمل سائق تاكسي أو عامل في مطعم في انتظار تلك الوظيفة. إن عدم امتلاك وظيفة دائميه يعني أن الشاب لا يستطيع العيش لوحده أو الزواج. بمعنى آخر لا يصبح إنسانا بالغا مستقلا بحياته، ويبقى عالقا.

كانت هناك محاولات لإصلاح العقد القائم، لكنها جعلت الأمور أكثر سوء. ومن المهم أن ندرك أن الجميع كان على علم بهذه المشاكل في الفترة التي سبقت الربيع العربي. ففي التسعينات والألفين كان العديد من الأشخاص في الحكومات العربية والغربية والقطاع الخاص والمجتمع المدني يتحدثون عن ضرورة إجراء إصلاحات. كانت محاولات الأوربيين عن طريق إنشاء منظمة الاتحاد من أجل المتوسط، بينما كان لدى الأمريكيين أجندات الحرية والديمقراطية، والأخيرة أشعلت المنطقة بدل استقرارها.

لكن عندما حاولت الحكومات العربية إصلاح العقد الاجتماعي في بلدانهم من أجل استيعاب تأثير العولمة وصعود الشباب، لم يقوموا بتطوير عقد اجتماعي أكثر شمولا لمكونات الشعب، عقد من شأنه تأسيس حكم قوي ودائم، بدلا عن ذلك فاوضوا النخب السياسية والاقتصادية على إجراء تعديلات، فقطعوا وعودا بالإصلاح إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وباعوا أصولا مملوكة للدولة إلى الأشخاص النافذين والأغنياء. وقللوا من التوظيف الحكومي دون فتح المجال أمام القطاع الخاص لتحقيق نمو حقيقي. والأسوأ جلبوا رجال الأعمال المقربين منهم إلى داخل أحزابهم الحاكمة بدلا عن فتح باب المشاركة السياسية للجميع. أدت التعديلات الناتجة إلى زيادة سلطة مجموعة معينة والاستمرار في إقصاء الآخرين، ففاقمت عدم المساواة، وزادت من سيطرة النخب على الدولة؛ مما أدى إلى ظهور مظالم متزايدة ضد هذه الأنظمة.

ونتيجة لذلك زاد الاستياء والاحتجاجات، وعجزت الحكومات أمام قوى العولمة والتكنولوجيا على استخدام الأيديولوجية، سواء الدينية أو القومية، والمحسوبية للسيطرة على الناس. ولم يبق للحكومات العربية وسائل فعالة أمام المعارضة المتزايدة فرجعت إلى الإكراه لقمعها. إن هذا الانهيار في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وهذه الحلقة من المعارضة والقمع، هو ما أسفر عن انتفاضات الربيع العربي في 2011.

في المقالة القادمة سأسلط الضوء على عواقب ردود فعل الحكومات على الربيع العربي وعن أهمية تغير العقد الاجتماعي القائم لمستقبل ذي حكومات دائمة الاستقرار، ودور المجتمع الدولي بذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد