بدأت المنظمات الإنسانية نشاطها عبر الحدود في شمال غرب سوريا بناء على قرار مجلس الأمن الدولي منذ العام 2013. وتقدم هذه المنظمات، سواءً المحلية منها أو الدولية بما فيها وكالات الأمم المتحدة المساعدة ضمن قطاعات متعددة كالتعليم، والصحة، والحماية، والمأوى، وغيرها. وعلى الرغم أن هذه المنظمات تمكنت من إدارة علميات إنسانية واسعة جدًا، إلا أنه من الملاحظ مع مرور الزمن تصاعد أصوات الانتقادات من قبل المجتمع المحلي في شمال غربي سوريا – على أقل تقدير – حول أداء هذه المنظمات، ولعل أكثر تلك الانتقادات تصب في ساقية واحدة وهي ضعف الثقة بهذه المنظمات أو محدودية قدراتها، وعلى الرغم أنني لم أجد أي دارسة شاملة وعميقة، تثبت أو تنفي بشكل علمي هذا التحدي أمام المنظمات، إلا أن هناك جملة من العوامل التي ستدفع بالمجتمع المحلي إلى اتخاذ هذا الموقف إذا لم يكن واقعًا حاليًا.

في هذا السلسة من المقالات، سأذكر بعضًا من تلك الأسباب، مصنفة في ثلاثة أقسام على الترتيب الآتي: التخطيط الإستراتيجي – العمليات والتنفيذ – الأثر على المجتمع.

وسأقوم بالجزء الأول من هذا المقالة بالحديث عن التصنيف الأول وهو:

التخطيط الإستراتيجي

1. عدم التخصص في العمل على صعيد المؤسسة وعدم استقطاب المتخصصين: حيث لم تختر المنظمات وخاصة الناشئة منها تخصصًا واحدًا يساعدها على بناء قدراتها بشكل سريع جدًا فيه، أو يعطي للمنظمة الفرصة للتركيز أكثر على تطوير الجودة المرتبط بالعمليات. وذلك رغبة منها في الانتشار الواسع، والاستكثار من المشاريع، وإذا كانت هذه المشكلة في أغلب الأحيان مرتبطة بالمنظمات المحلية أكثر من الدولية، إلا أن الدولية والمحلية اشتركتا في عدم قدرتها على استقطاب المتخصصين لبرامجها المتنوعة تلك، فكثرًا ما تجد أن من يقود أنشطة التعليم ليسوا بمعلمين أو ذوي خلفية تعليمية مثلًا، وكثيرًا ما تجد من يقودون أنشطة بناء المأوى ليسوا مهندسين.

وبالتأكيد فإن أسباب هذا الخلل في ملء الشواغر لا يتعلق فقط بعدم توفر ما يكفي، ويناسب من الموارد البشرية في ميدان العمل المحلي، بل إنه يتعلق أيضًا بعدم دفع أجور مناسبة لكل الأعمال والمواقع مما يدفع بأهل التخصص إلى القفز من اتجاههم المهني الأكاديمي إلى مواقع ذات منافع أكبر فضلًا عن كون عمليات التوظيفات تتم لمشاريع مؤقتة، في أكثر الأحيان لا تتجاوز العام الواحد مما يجعل فرق الموارد البشرية عاجزة عن بذل الجهد الكبير لاستقطاب الشخص المناسب للمكان المناسب. وعلى كل حال، أيًا كانت الأسباب والتبريرات فإن النتائج السلبية واقعة بالضرورة والصورة التي يشكلها المجتمع عن المنظمات تميل إلى فقدان الثقة بها شيئًا فشيئًا.

2. فرض الأنظمة الخارجية وعدم تبني ما هو قائم: فقد تدفقت هذه المنظمات على المحرر بشكل مفاجئ نظرًا لحجم الكارثة، إلا أن الملفت أن هذه المنظمات بدأت العمل في منطقة تعيد تشكيل نفسها وتتعمد ضمن هذه العملية أن تعيش حالة من القطيعة مع التاريخ، والأساليب الإدارية، التي كانت مطبقة من قبل المؤسسات الحكومية قبيل الثورة. وذلك كون أهل المنطقة يعتبرون أن هذه الأساليب سببًا في فساد المؤسسات الحكومية أو ضعفها لعقود من الزمن، أو لأن هذه الأساليب تعيد ربطهم بنظام البعث من جديد؛ مما جعل هذه المجتمعات مفتوحة على أية أطروحات جديدة. لذلك كان هينًا على المنظمات الوافدة أن تحضر أساليب إدارية مطبقة في دول المنشأ، وبالضرورة، فإن هذا الأساليب ستختلف من منظمة لأخرى على حسب نموذجها المتمثل؛ مما جعل الناس في حيرة من أمرهم في فهم كيفية عمل هذه المنظمات، ومثال ذلك عمليات التوظيف، وتحديد القيادات المحلية الوسيطة، والعدالة في توزيع الموارد على المناطق، وآليات المساءلة، وعمليات الشراء والمناقصات والتعاقدات الخارجية، وآليات اتخاذ القرار، وسلطة المدراء المباشرين وغيرها. فأصبح تفسير عدم فهم الأساليب الإدارية من قبل المجتمعات ريبة وشكًا بالفساد. وكان أولى بالمنظمات لو عملت على تطوير ما هو كائن من أجل مزيد من الانسجام مع المجتمع ومزيد من الاندماج بين المنظمات نفسها.

3. عدم تبني الأجسام الحكومية المحلية: حاول المجتمع المحلي منذ تحرير أجزاء واسعة من شمال غرب سوريا إلى بناء أجسام حكومية تقوم على إدارة شؤون المنطقة، وعلاوة على ذلك اعتبرت القاعدة الثورية أن بناء أجسام إدارة محلية جزءًا من موقف المجتمع من النظام وعملية ثورية حقيقية. غير أن المنظمات الدولية والمحلية أدارت ظهرها منذ اللحظة الأولى للمؤسسات الحكومية الناشئة وبذلك فوتت على نفسها فرصة وجود مساحة مشتركة حقيقة لها تستطيع من خلالها أن تنسق العمليات بشكل أفضل، وأن تدير القطاعات بكفاءة أفضل، وأن تجعل بينها وبين المجتمع واسطة محلية تدعمها وتدعم تواصلها، وتضمن الرقابة المحلية الحقيقة والمشاركة المجتمعية.

4. السياسة المتضاربة مع أولويات المجتمع: بلا شكل يتم جمع التبرعات من قبل دافعي الضرائب لتطبيق أجندة واضحة يتم وضعها على مستوى وطني لدول المنظمات الداعمة، ولا يحتاج هذا إلى الإمعان في التبرير، حيث إن علاقات الدول والشعوب تبنى على أصل المنفعة المتبادلة. وليس شرطًا أن تكون بعض أهداف ممولة، ما تتضارب مع الأهداف المحلية للسكان في شمال غرب سوريا. إلا أن المشكلة تتشكل عندما يبدأ المانحون بوضع سياسيات وأجندات لا تعتبر ذات أولوية محلية، وأحيانًا تصنع تضاربًا مع أولويات المجتمع، وينتهي هذه التقابل في الأهداف غالبًا عند اعتبار أن تطبيق أجندة المانح يشكل دافعًا إضافيًا له للاستمرار في دعم المنطقة دون البحث في ما هو مشترك بين الفريقين من أجل التركيز عليه؛ مما يؤدي إلى تعميق انعدام الثقة بين متلقي المساعدة ومقدمها وتضخم في الاتهام للمنظمات أنها تستغل المستفيدين لتحقيق أهداف لا يؤمنون بها.

5. الاعتماد على التجربة من أجل فهم السياق وتطوير الأداء: حيث إن هذه المنظمات تعجلت في توسيع عملياتها في المنطقة بشكل عام نظرًا لحجم الكارثة الكبير رغم عدم فهمها الكافي للسياق أو عدم إكمال بناء قدراتها الأساسية. مما جعلها تنظر إلى التعلم المستمر على أنه إستراتيجية للبناء الذاتي لقدراتها وتتعزيزًا لفهمها للسياق، ولكن كم من الأخطاء التي ترتكبها هذه المنظمات حتى تستكمل مشروع تعلمها هذا وكم هو الضرر الذي تخلفه في المجتمعات المنكوبة أصلًا حتى تتمكن من اكتشاف نقاط ضعفها أو ابتكار حلول إبداعية، والإشكالية هنا ليست تجريم التعلم من التجربة، بل في الاعتماد عليها بشكل رئيس، بدلًا عن أن تكون قناة رديفة، لا أكثر للأبحاث، والدراسات الميدانية، أو الأكاديمية، أو المقارنة بسياقات أخرى، والتأكد من المشاركة الفعالة للمجتمعات في اختيار ما هو نافع لها. ولا تعطي تقييمات الاحتياجات الكثيرة المطبقة حلًا لهذا، فهي تقتصر على جوانب برمجية محددة، والحديث هنا عن فهم السياق، وثقافة المجتمع، ومشروع السكان الذاتي وغيرها من الجوانب فوق البرمجية.

أما بالنسبة للأسباب المرتبطة بالتنفيذ والعمليات، والأثر على المجتمع المحلي، فستناقش في المقالات اللاحقة.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد