قبل حلول الذكرى الخامسة لثورة ٢٥ يناير، انتشرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر بهدف إسقاط النظام. وأصدرت عدة كيانات ثورية بيانات تدعو إلى الهدف ذاته. وفي إحدى تغريداته على “تويتر” قال محمد منتصر المتحدث الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين: “يناير كسر الانقلاب”.

في المقابل تعاملت سلطة الانقلاب مع هذه الدعوات بمنتهى الجدية؛ انتشار لقوات الجيش والشرطة في كل مكان, إجراءات أمنية استباقية لإلقاء القبض على من يُظن أنهم ضالعون في التخطيط للحدث المرتقب, تحذيرات إعلاميين موالين للانقلاب من مؤامرة تحاك للإطاحة برأس النظام الانقلابي, تصريحات للسيسي تشير بوضوح إلى قلقه البالغ من عواقب الحدث, إجراءات استثنائية لإحكام القبضة على السجون وأماكن احتجاز المعتقلين السياسيين.. إلخ.

لم تكن دعوات التظاهر وحدها هي التي أدت إلى توتر سلطة الانقلاب على هذا النحو؛ فالكتلة الصلبة المناهضة للانقلاب ما تزال حيَّة برغم الضربات الأمنية, والاحتقان الشعبي في تزايد بفعل سياسات الانقلاب الأمنية والاقتصادية والخدمية, وقد تنضم شرائح مجتمعية جديدة إلى الكتلة الصلبة في الموجة الثورية المرتقبة. وعلاقات السيسي بالغرب تبدو متوترة وقناعتهم به يبدو أنها لم تعد كما كانت. والداعم الخليجي منشغل عنه بالخطر الشيعي ولم يعد باستطاعته الاستمرار في دعمه بنفس الدرجة.

وقد يستغل هذه العوامل بعضُ المتربصين من داخل أروقة النظام ويزيحونه من سدة السلطة كما فعل أسلافهم بمبارك من قبل, خاصة أن موجة يناير السابقة قبل عام قد حملت للسيسي مفاجآت لم تكن في حسبانه. فماذا لو حملت الموجة الجديدة ما لا يتوقعه وهو في حالة أضعف من تلك التي كان عليها قبل عام؟!

لا يصح إذن أن يترك السيسي مصيره للظروف, بل عليه أن يستعد للاحتمال الأسوأ.

ولكن شيئًا مما يخاف السيسي لم يحدث، ولم يزد الأمر عن مظاهرات متوسطة القوة استمرت بضعة أيام ثم هدأت وتيرتها تدريجيًّا حتى عادت إلى المستوى النمطي الذي ألفته الأجهزة الأمنية وعرفت كيف تتعامل معه, فما السبب الذي أدى إلى ضعف الموجة الثورية عن القدر المأمول؟!

جماعة الإخوان المسلمين -شاء من شاء وأبى من أبى- هي الرقم الأصعب في معادلة الحراك الثوري المناهض للانقلاب, وطبيعي أن يتأثر الحراك الثوري بالأوضاع داخلها إيجابا وسلبًا.

والجماعة تعاني أزمة داخلية لا تخطئها عين, ففيها فريقان يتنازعان القيادة، ولكل منهما وجهة نظر في إدارة المشهد الثوري.

في السادس والعشرين من يناير -وأثناء الموجة الثورية- صدر بيان عن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس لجنة الوساطة بين طرفي الأزمة، وبيان ثانٍ عن القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، وبيان ثالث عن اللجنة الإدارية العليا للجماعة، وبيان رابع عن مكتب الإخوان المصريين بالخارج.

اتفقت البيانات الأربعة على وقف التراشق الإعلامي بين الفريقين, وعلى وضع لائحة جديدة للجماعة وإجراء انتخابات جديدة في كافة مستوياتها خلال مدة لا تزيد عن أربعة أشهر.

ونفهم من مجمل هذه البيانات أن مؤسسات الجماعة الحالية ستستمر في إدارة الجماعة لحين وضع اللائحة الجديدة، وإجراء الانتخابات الجديدة.

الجماعة إذن تمر بمرحلة انتقالية، لائحتها الحالية مؤقتة وقيادتها الحالية مؤقتة كذلك, هي فقط لتسيير الأعمال حتى انتخاب مؤسسات لها صفة الدوام, ومعلوم أن المؤقت يده مغلولة لا يستطيع أن يتخذ القرارت المصيرية والخطوات الحاسمة. عليه أن يسيِّر الأعمال على أي وجه حتى يُنتخب الدائم ويقرر.

بهذه الحالة دخلت الجماعة -التي هي قاطرة الحراك الثوري- إلى الموجة الثورية التي ظن مؤيدوها ومعارضوها على السواء أن لها ما بعدها. فجاءت كما تابعنا منزوعة الدسم  تخيل معي، ماذا لو شكلت الجماعة عقب الانقلاب مباشرة لجنة لتقصي الحقائق للوقوف على الخطأ والمخطئ؟! ماذا لو راجعت حينها خطة سيرها لترسم في ضوئها خطة المستقبل؟! ماذا لو انتهت بعد ذلك حينها إلى وضع لائحة جديدة تناسب الحدث وإلى انتخاب مؤسسات جديدة لها رؤية جديدة في مواجهة الواقع؟!! أما كان ذلك كله عاصمًا لها من الارتباك في الوقت الذي بدت فيه الثمرة قد أينعت وحان قطافها؟!!

ليست هذه “لو” التحسر التي تفتح عمل الشيطان, ولكنها السؤال الواجب وفريضة الوقت, حتى تفيد الجماعة في حاضرها ومستقبلها, وصدق من قال: أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي .

مرت فرصة الذكرى الخامسة دون حسم, ولكن وقت الحسم لم يفت بعد, إنه ممكن بشرط توافر الأدوات مع الأخذ في الاعتبار أن الوقت لا ينتظر وأن الأمر الذي تتباطأ عنه اليوم قد لا تتمكن من تداركه غدًا .

إن جماعة الإخوان المسلمين اليوم في مفترق الطريق وعليها أن تختار بين طريقة تقليدية في التفكير والعمل أوصلتها إلى ما هي عليه، وبين طريقة أخرى علمية متجددة من شأنها أن تنقلها نقلة مختلفة .

والكرة الآن بين أقدام جموع الإخوان في كل مستوياتها التنظيمية. عليهم أن يضعوا لائحة غير تقليدية تناسب المرحلة والمهمة والظرف, وعليهم أن ينتخبوا مؤسسات جديدة وقيادات تلائم المرحلة والمهمة والظرف .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد