في نهاية عام 2010 انطلقت شرارة الربيع العربي من دولة تونس ومنها إلى مصر حتى وصلت إلى سوريا وليبيا واليمن.

سقط نظام ابن علي، ثم سقط نظام مبارك، ثم القذافي ثم نظام صالح. توالت الأحداث في المنطقة العربية، وسرعان ما انطفأت تلك الهالة التي صنعتها الفصائل حول نفسها، لتكتشف الشعوب أنها فقط كانت الضحية الوحيدة، أما الفصائل فما كانت إلا ورقة استخدمتها الأنظمة المتعاقبة في تحقيق المآرب.

ولقد اكتشفنا أيضًا أن الشعوب ما كانت إلا ضحية ذلك الصراع العدمي الوهمي، بل لقد اكتشفنا أن تلك الفصائل التي طال أمدها وتعاقبت عليها الأنظمة لم تستطع أن تُدوِّنَ في سجلات التاريخ إنجازًا سياسيًا واحدًا، فتاريخها إجمالًا، ما بين الاستخدام والصفقات المشبوهة مع الأنظمة الجائرة، في حين أنهم كانوا يوهمون الشعب بأنهم يقاومون الاستبداد!

وإنني في هذه المقالة سوف أتناول أحد المظاهر المهمة في فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين وما كان معها من فصائل، لنقف على دلالة مهمة.

في الحادي عشر من فبراير (شباط) 2011 رحل مبارك عن حكم مصر، وها هي الفصائل وكل القوى المدنية صار من حقها تأسيس الأحزاب للمشاركة الفاعلة في العملية السياسية. وبالفعل بدأت كل القوى الراغبة في ذلك، في الإعلان عن أحزابها وبرامجها ومرجعياتها، فتأسست مجموعة من الأحزاب اليسارية والليبرالية، كحزب المصريين الأحرار، وحزب الدستور، وحزب الكرامة، ومصر الحرية، والتيار المصري، والتحالف المصري… إلخ، إضافة إلى الأحزاب التي كانت قائمة بالفعل، كحزب الوفد، والتجمع، والغد، وغير ذلك.

بالتوازي تأسست مجموعة من الأحزاب الإسلامية المتنوعة، كحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور، وحزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، وحزب الأصالة، وحزب الوسط، ثم جاء بعد ذلك حزب الوطن، وحزب مصر القوية… إلخ، هذا مع إحياء حزب العمل، بالإضافة إلى أحزاب أخرى كانت تحت التأسيس كحزب الفضيلة وغيره. ثم كيانات أخرى سوف يأتي ذكرها ودورها بعد قليل.

بناءً على ما قدمتُ به أقول، لقد وصل الإسلاميون إلى الحكم، ولنسترجع الأحداث جيدًا حتى نستطيع أن نتصور هذه الأمور.

لقد جلس محمد مرسي على كرسي الحكم، وكان من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الإسلاميون أنهم لم يجعلوا بينهم وبين قصر الاتحادية مسافة مناسبة تسمح للرئيس بحرية الحركة، وكأن كل القُوى في ذلك العام «عام الحكم»، قد صنعت دائرة حول مركز اتخاذ القرار في الاتحادية، محيط هذه الدائرة، جانب كبير منه مثَّلَه الإسلاميون، بما يمثلهم من تلك الأحزاب التي ذكرت، ثم مكتب إرشاد جماعة الإخوان، ثم مجلس شورى الجماعة الإسلامية، ثم الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ثم مجلس شورى العلماء، ثم الجبهة السلفية، ثم مؤسسة الدعوة السلفية، ثم ما استجد من جبهات وكيانات، كل ذلك كان يشكل عوامل ضغط على رجل جلس على كرسي الحكم في مرحلة حرجة جدًا مرت بها مصر، ثم ما كان معهم من إعلام هزيل ما كانوا يقبلون أن يكونوا ضيوفًا عليه، إلا نادرًا (وهذا الأمر لطالما اشتكى منه الإعلامي خالد عبد الله في برنامج مصر الجديدة على قناة الناس، وقتئذ)، بل كانوا يتسابقون ليحلِّوا ضيوفًا دائمين على إعلام الخصوم، والغريب أنهم كان يخرجون من فضائيات خصومهم ليصفوها بإعلام مسيلمة الكذاب.

الجانب الآخر من محيط الدائرة، كان يمثله خصوم ومعارضو الإسلاميين بما يمثلهم من الأحزاب التي ذكرت، ثم ما استجد من جبهات وكيانات، ومعهم آلة إعلامية ضخمة. أكررها، لم تكن هناك مسافة مناسبة ما بين الحاكم ومؤيديه قبل معارضيه، للحفاظ على هيبة المنصب، والمسئولية عن ذلك تقع على رئيس الدولة ابتداءً، ثم المؤيدين. لقد كانت حالة من الفوضى والعشوائية.

وإذا نظرنا إلى الجانب الأهم من محيط الدائرة الذي يشكله الإسلاميون، فسنجده قد تشكل من مجموعة من الفرقاء، (وإن تظاهروا وقتئذ بالتوافق والانسجام فيما بينهم) إلا أن الأيام قد أثبتت أنهم لم يستطيعوا أن يوحدوا صفهم وأن يُنَقُّوا الصف من الاختلافات التي منها ما هو اختلاف النوع، ومنها ما هو اختلاف التضاد، نعم، وهذا ما أثبتته الأيام بعد ذلك، وخاصة بعدما أضاعوا الحكم.

فإذا نظرنا إلى الكيانات الإسلامية الآن، فسوف نجد ما لم نكن نتخيله من قبل، لدرجة أن الانقسام دبَّ داخل الفصيل الواحد، فتداخلت الفصائل في بعضها البعض بتلاقي القناعات الشخصية، ولقد انقسموا فيما بينهم بحسب الأيديولوجية والمبادئ ووجهات النظر لأكثر من فريق. ففريق يؤيد السيسي، وفريق ثانٍ يعارضه ويرى أن الحل في اصطفاف جميع المعارضين، بغض النظر عن توجههم، للمواجهة حتى إسقاط النظام. وفريق ثالث يعارض الأول والثاني ولا يرى جدوى من الاصطفاف مع المعارضين الآخرين الذين يريدون الخلاص من النظام القائم وحسب، بل إن هذا الفريق الثالث لا يرى حلًا إلا في هدم مؤسسات الدولة وبنائها من جديد. وهناك فريق رابع يرى أن الحل يكمن في المصالحة بين جميع الأطراف مع الدولة، للخروج من الأزمة.

واللافت في هذا الأمر، أن هؤلاء الفرقاء لا يمثل كل فريق منهم فصيلًا بذاته، كلا، بل إن كل فريق يمثله مجموعة من الأشخاص أحيانًا ينتمون لفصيلين أو أكثر.

كل هذا مع حملات التشكيك والتخوين واتهامات أخرى تصل إلى التفسيق والتكفير أحيانًا، فصار الكل يشكك في نوايا الكل. نعم، هذا ما رأيناه بعد ضياع الحكم وما زلنا نراه حتى الآن.

وأؤكد على أن الفصائل الإسلامية وغيرها من الكيانات ما أظهرت توافقها بعد رحيل مبارك إلا للشعور الجارف بأن هناك عدوًا في الداخل ولابد من مواجهة خطره، هذا العدو الظاهر وقتها كان ممثَّلًا في الأحزاب والشخصيات المعارضة. ولذلك سرعان ما دبَّ الخلاف وبدأ تآكل الجانب الإسلامي، (لأن الاختلاف بنوعيه، النوع والتضاد كان موجودًا بالفعل، ولكنه كان كالمارد النائم، ومن خلاله فُتِحَت الثغرات بسهولة).

وفي المقابل كان الجانب الآخر المعارض يزداد قوة، حتى بدا وكأنه هو الذي يحكم، وليس محمد مرسي، وهذه حقيقة، فلقد فعل معارضو الإسلاميين ما شاؤوا، حتى زال الحكم. في حين أن الإسلاميين ما سعَوا إلى شيء وفعلوه، بل إنهم ما توعَّدوا أحدًا ونفذوا وعيدهم.

أعود وأقول، إن تلك الدائرة التي شارك فيها الإسلاميون بشكل كبير ومعهم خصومهم، انعكس أثرها على مسار الحكم في مصر خلال ذلك العام، ومن الشواهد على ذلك، هو تراجع محمد مرسي عن قرارات عديدة أصدرها ثم تراجع عنها، كقراره بعودة البرلمان، ثم التراجع عنه، ثم قراره بإقالة النائب العام عبد المجيد محمود، وتعيينه سفيرًا لدى دولة الفاتيكان، ثم تراجع عنه. ثم تراجعه عن الإعلان الدستوري الذي يُحصن قراراته ضد الطعن أمام القضاء.  

ولقد أقر مرسي بصفته ممثلًا للسلطة التشريعية، زيادة أسعار السجائر والغاز والخمر والمياه الغازية والكهرباء، وبعد ساعات قليلة صدر بيان التراجع من رئاسة الجمهورية، وإعادة القرار إلى الحكومة لدراسته.

وبعد الأحداث التي شهدتها محافظتا بورسعيد والإسماعيلية، أصدر مرسي قرارًا بحظر التجوال في مدن القناة، فاستقبل المواطنون القرار باستهانة، لدرجة أنهم نظموا ما عُرِف بدوري حظر التجوال، وذلك ما دعا مرسي للتراجع عنه وإبلاغ محافِظَي مدن القناة بتخفيفه أو إلغائه.

لم تكن تلك فقط هي القرارات التي اتخذها مرسي وتراجع عنها، كلا، بل إنه تراجع في قرارات عديدة لا تتسع المساحة لذكرها. ولقد قال الراحل محمد حسنين هيكل حينما سُئل عن ذلك: رئيس الجمهورية لا ينبغي أن يتراجع عن قرار اتخذه، وإن كان لابد فاعلًا، فمن الممكن أن يقوم بتعديله جزئيًا، وذلك حفاظًا على هيبة المنصب.

ومن ثم أقول لقد كانت تلك الممارسات التي مُورِسَت من جانب مؤسسة الرئاسة ابتداءً ثم من جانب الفصائل والأحزاب والكيانات الإسلامية، سببًا في الفوضى التي ميزت المشهد المصري في عام الحكم.

إنهم لم يتركوا المعارضين يمارسون دورهم، ولم يستطيعوا التوصل معهم إلى نقاط التقاء، بل إن الإسلاميين قضوا عام الحكم في مباريات إعلامية، ثم التسابق على حشد الجماهير في الشوارع والميادين، (وهم من قالوا لخصومهم يومًا، الشرعية للبرلمان وليست للميدان)، وإن كان البرلمان قد تم حله، فقد أخذوا الرئاسة، ومع ذلك عادوا إلى الميدان دون جدوى.

لقد كان أولى لهم، بل لقد كان فرضًا عليهم، بوصفهم ممثلين عن شعب فوضهم وأوصلهم إلى الحكم، أن يعوا طبيعة المرحلة، وأن يحددوا في أي طريق سوف يمضون، أهو الطريق الثوري؟ أم أنه الطريق الإصلاحي الدستوري؟ فما كان منهم لا يستطيع أحد أن يحسبه على أحد الطريقين، فلقد كانت التصريحات عنترية ثورية فوق المنصات، بينما كانت الممارسات لا ترتقي حتى لدرجة الممارسات الإصلاحية. لقد نجحت المعارضة في إشغالهم.

لذا أقول إنه كان عامًا من الفوضى، شهد تحالفات ما بين مجموعة من الأطراف المتنافرة، (والدليل على ذلك، هو ما رأيناه ونراه منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013 حتى اليوم).

نعم لقد كانت فوضى، ولقد انعكس أثرها على الشارع المصري، فهذا مواطن معارض يحمل البرسيم وينطلق به حيث يسكن الرئيس بمنطقة التجمع الخامس، ومواطنون غيره أرادوا تحطيم بوابة القصر، أثناء وقوع أحداث الاتحادية، وغيرهم ذهبوا إلى الشهر العقاري ليحرروا التوكيلات لوزير الدفاع لتولي رئاسة الجمهورية.

والغريب أنهم إلى الآن ينسبون تلك الأفاعيل إلى الممارسة الديمقراطية.

لقد كان عامًا من الفوضى، (ويُسأل عنها رئيس الجمهورية أولًا ثم كل الفصائل والأحزاب التي كانت تحيط به، ثم من كانت تصدر عنهم تصريحات تثير السخرية أو الاستياء).

لقد كان عامًا من الفوضى، حتى إن الرجل كان إذا اختلف مع زوجته يقول (الله يسامحك يا مرسي). لقد أضاعوا هيبة المُلْك.

ومن ثم، فإنني أوجِّه هذا التساؤل: نفترض أنه لم تكن في مصر معارضة للفصائل الإسلامية ولا جيش، بعد ثورة يناير حتى زوال الحكم، وكان السلاح متوفرًا، ثم برزت الخلافات التي رأيناها ونراها حتى اليوم، (فالأمر قد انتقل من التخوين ليصل إلى التكفير). ما الذي كان من الممكن أن يحدث؟ ويجب ألا ننسى حادثة مقتل المتشيع حسن شحاتة ومن كانوا معه.

وأخيرًا، أكرر الدعوة بضرورة تفكيك تلك الفصائل التي ورَّطَتْ مصر في هذه المحنة التي طال أمدها، فمنذ عقود ومصر تعيش في محنة عظيمة وأزمة خطيرة، وكانت تلك الفصائل من أهم أسباب وجودها واستمرارها حتى اليوم، أكرر أنه بات من الضروري أن يحمل الشعب كله قضيته تحت راية واحدة يحملها قائد، لا فصائل.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد