ساهم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، في كسر الصورة النمطية للإعلام، وكسر معها احتكار المؤسسات الإعلامية في ممارسة هذه المهنة، وألبس الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية عنوة عباءة مصطلح الإعلام التقليدي، ووضع في يد كل من يمتلك هاتفًا ذكيًّا أو حاسوبًا مفاتيح الإعلام الجديد، إعلام لا سلطة فيه لمقص الرقابة أو توجه المالك أو رئيس التحرير، وبتطور مواقع التواصل وزيادة عدد مستخدميها، تضاعفت سطوتها، وأسقطت الكثير من المبادئ والمفاهيم، وفرضت سلطتها على مهن وفنون كانت في الأمس القريب ماركة مسجلة باسم الصفوة. فالعالم الافتراضي الذي يكبل ملايير البشر بخيوط وهمية، لا حدود لها، انتصب خلال السنوات الأخيرة، كوحش يصعب السيطرة عليه أو حصر مهامه واختصاصاته.

وفي حرب المواجهة مع قوانين هذه الممالك الافتراضية، أصبح التكيف أو الانصهار خيارًا محتومًا لمهنة الإعلام، لمواصلة الطريق أو الاندثار، ومن هنا أصحبت منصات التواصل جزءًا لا يتجزأ من الممارسة الإعلامية، وغرقت الأغلبية الساحقة من الوسائل الإعلامية في مستنقع السوشيال، بدلًا عن الاستثمار في جوانبها الإيجابية، وانتقلت مواضيع الإعلام وموازينه من بحوث الجامعات والنظريات، وجهد الأستديوهات ومكاتب التحرير، إلى أحضان سوق الهشتاج والتصدر، وأضحى الإبداع والعمل الصحفي معها تحت مقصلة المتابعات والمشاهدات.

تكريس للرداءة، تصدير للحمقى، انتشار رهيب للتفاهة، بدعم إعلامي مطلق، اندثار للمدرسة الراقية في الإعلام، وسقوط ممنهج في زحمة القاع، حيث لا مكان للمعايير والأخلاق والعقل، وسائل إعلامية حتى ولو كانت عريقة وتمتلك جميع المؤهلات المادية والبشرية، للبقاء في القمة، تقتات من مواقع التواصل الاجتماعي بكل تناقضاتها وقذاراتها، وتستضيف روادها، وتلهث وراء حملاتها وفيديوهاتها، وصنعت لها عرشًا ثابتًا في برامجها وأجنداتها، وأهملت البعد النبيل للسلطة الرابعة من أجل عيون رغبات العامة وميولاتهم، وتخصصت في تمييع الذوق العام، وسلبت المجتمعات فكرها وهويتها.

رسالة الإعلام الحقيقية تختلف عن فوضى السوشيال ميديا ومخلفاتها، لأن الإعلام أسمى من إطار الكاميرا، وحدود الصور وعناوين المقالات، فهو فن تجتمع في حضرته جميع الفنون، وميثاق أخلاقي قبل أن يكون مهنة، وخضوع أي وسلية إعلامية لمواقع التواصل بجميع تفاصيلها يحولها إلى دكانين فتنة ودعارة، وخشبات لمسرحيات ساذجة، ولعل تجربة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قبيل تنصيب جو بايدن رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة الأمريكية مع مواقع التواصل الاجتماعي، دليل قاطع على أن هذه الأخيرة لا يمكن أبدًا أن تكون منبرًا إعلاميًّا أخلاقيًّا ومحايدًا، وأمريكا التي تعتبر نفسها عرابة للديمقراطية والحريات في العالم، كتمت صوت ترامب إلكترونيا، وأدخلته في عزلة إجبارية، لأنها تأكدت أن ممارسة الإعلام بقواعد السوشيال ميديا تهديد للأمن القومي، وحظر حسابات ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن فقط لقطع حبل الوصال بينه وبين أنصاره، بل هو تحطيم لقواعد اللعبة وسيطرة الإعلام البديل وبروزه كقوة ضاغطة.

إن خروج الإعلام من مستنقع السوشيال ميديا، أصبح أكثر من ضرورة، ويحتاج لثورة حقيقية من أصحاب المهنة الشرفاء، ثورة أخلاقية وفكرية ستكون بمثابة عودة الروح للجسد، وعودة الصورة القيمية لهذه المهنة، فالإعلام الذي يرى في مواقع التواصل جنة للبروباغندا والرايتينغ، هو إعلام ضال مضل، لا بد أن يحمل في ذاته بذور فنائه، لأن المتلقي السلبي فقط هو الذي لا يجيد الفصل بين الإعلام كمهنة ورسالة لها ضوابط وقوانين، وبين وسائل التواصل الاجتماعي، كمنصات إلكترونية وكيانات افتراضية تعج بالإشاعات والأخبار الزائفة والحمقى وعشاق الشهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد