كثيرًا ما يدور السؤال على ألسنتنا نحن العرب والمسلمين في مآسينا: أين العالم المتحضر من حولنا؟ أين حقوق الإنسان؟ أين محكمة العدل الدولية؟ كيف يُسكت على ما يحصل من جرائم؟

في بداية الحراك الشعبي في سوريا قُدم لنا معلومة خاطئة مفادها: أن النظام السوري مغلول اليد هذه المرة أمام المد الشعبي: فالماكينة الإعلامية التي كانت غائبة في أواخر السبعينات، وأوائل الثمانينات عندما سويت مدينة بسكانها على الأرض، ستعمل الآن على فضحه، ولن يفلت من العقوبة، خاصة مع انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

لكن الواقع أن المجتمع الدولي وقف متفرجًا على مأساتنا، و مع مرور الوقت باتت الحقيقة ظاهرة وتساءل الناس:

هل يوجد في هذا العالم شرعية دولية أم أنه مازال غابة يحكمها منطق القوة؟

لنجيب على هذا السؤال، دعونا نلق نظرة على القانون الدولي العام ونشأته وآلية عمله.

  • فكرة وجود قانون يحكم الدول في علاقاتها:

إن دارس التاريخ البشري يلاحظ بسهولة أن الإنسان عاش منذ القدم في جماعات قادتها سلطات حاكمة، سواء كان التجمع قبليًا أو على شكل دول بدائية، أو تطورت إلى توسعية إمبراطورية، وسادت بين الجماعات المختلفة علاقات تراوحت بين التعاون والحرب.

مع نشوء المدن في اليونان سادت بين تلك الممالك علاقات تعاون، حيث عد اليونانيون أنفسهم فوق باقي البشر؛ لذا وضعوا بعض القوانين التي تنظم علاقة تلك المدن ببعضها في السلم والحرب، وتستخدم لحل النزاعات بينها، لكنها لم تشمل باقي الجماعات البشرية أو المدن، بل إن تدمير الآخر، واسترقاقه،  يعد عملًا مباركًا ومقبولًا؛ فهم كما أشرنا يعدون نفسهم أرقى أعراق البشر، وورث منهم الرومان هذا التقليد، وطوروه؛ فوضعوا قوانين نظمت العلاقات بين الشعوب ضمن الإمبراطورية، واستثنوا من لم يتبع لهم أو يرتبط معهم بمعاهدة من تلك القوانين الناظمة للعلاقات. فكانوا أممًا مستباحة لا حامي لها، وفي كلتا الحالتين كان منطق القوة هو السائد؛ فالضعفاء لا مكان لهم ولا حماية؛ لأن القانون جاء لتنظيم علاقة الأقوياء ببعضهم.

في العصور الوسطى تغير شكل العلاقات في العالم الأوربي، فبعد انتشار المسيحية وتفكك الإمبراطورية الرومانية سادت العلاقات الإقطاعية في ظل سيطرة الكنيسة البابا على السلطة الروحية والدنيوية، وضعف الدول الموجودة أمامها، إذ كانت أشبه بكيانات هلامية لا يسيطر ملوكها، إلا على عواصمهم، بينما يسيطر كل أمير و«بارون» على ما تحته من الضياع والمدن الصغيرة، وإن تبعوا اسميًا للملك. لذا فإن الكنيسة كانت هي التي تنظم علاقة البارونات والأمراء والملوك ببعضهم، وتعززت السلطة الكنسية بالظهور الإسلامي في أوروبا؛ حيث اعتبر هذا الاختراق تهديدًا وجوديًا للقارة المسيحية، زاد من تمحورها حول سلطة البابا؛ فهو القادر على الدعوة للحرب المقدسة التي تدفع الجنود نحو الممالك المهددة لدرء الخطر، وهو من يملك أن يحرم هذا من رحمة الله فيؤلب رعاياه عليه ويحرك الطامعين لغزوه، وهو من يملك أن يرضى عن ذاك فيثبت ملكه، ويعترف بسيطرة هذا على أرض ما، ويعتبر سيطرة غيره اعتداء يستوجب اللعن والطرد من الجنة، فالكنيسة هي الضامن والمنظم للعلاقات في العالم الأوروبي.

إلا أن الملوك كانوا في محاولة دائمًا لمنازعة الباباوات السلطة الدنيوية؛ ما سيؤثر على شكل تلك العلاقة مستقبلًا.

 

  • نشأة الدولة الحديثة وأثرها على تطور العلاقات الدولية.. اتجاه تقعيد القانون الدولي

في القرن السادس عشر دخلت أوروبا في تحولات هامة؛ نتيجة الاحتكاك المباشر بالمسلمين خلال القرون السابقة أثناء الحملات الصليبية وانتشار فكرة التحرك خلف البحار بحثًا عن الثروات والذهب، مستغلين الفراغ الذي حصل في العالم الإسلامي في نفس الفترة.

تدفق الذهب على القارة، ووجد الملوك فيه المال اللازم للاستقلال وشراء الولاءات، وبناء الدول تحت سلطتهم؛ فبدأت دول حقيقية في الظهور، كالإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية ومملكتي إنجلترا وفرنسا، ككيانات متماسكة تحت سلطة واحدة، بينما ظل الوضع في إيطاليا وفي الشمال الأوروبي على حاله مقسمًا لمقاطعات، وإن ساد بينها علاقات أكثر تنظيمًا.

لكن التغير الكبير ظهر عندما  علت الأصوات المنادية بكسر سلطة البابا من داخل الكنيسة نفسها؛ فنشأ المذهب «البروتستانتي»، وانتشر في ألمانيا وهولندا، وصولًا إلى إنجلترا، ودخل أتباعه في صراع دموي  مع أتباع البابوية «الكاثوليك»، بلغ ذروته في حرب الثلاثين عامًا (1618 – 1648)  التي أكلت الأخضر واليابس في القارة، وأسست لظهور أفكار جديدة تعرف الأمة والسلطة بشكل مختلف عن السابق، وتمجد الدولة ككيان لا يعلوه شيء بعد أن كانت الكنيسة تتمتع بهذه المنزلة، على يد مفكرين كـ«توماس هوبز» و«جون لوك».

كذلك أثرت تلك الحرب في الفكر الأوروبي نحو ضرورة وجود قانون يحكم الصراع ويخفف آثاره المخيفة، كما في كتابات «غروشيوس»، خاصة مؤلفه «في قانون الحرب والسلام»، الذي يعد من أوائل المؤلفات في القانون الدولي العام، فقد رأى أن الدول كالأفراد، عليها الالتزام بشريعة تحكم العالم، معقولة في مضمونها، غير قابلة للتغير؛ لأن مصدرها ثابت. هذا المصدر الثابت لم يشر إلى الخالق تعالى، بل إلى المخلوق الذي اعتبر ذا طبيعة ثابتة، ورأى أن الحرب لا بد لها من مبرر عادل، وإلا عدت عدوانًا.

وهنا تبرز ملاحظة هامة، وهي أن فكرة التفوق عند الإنسان الأوروبي هي نفسها التي كانت عند اليونان والرومان؛ فكل ما تُحدُث عنه في فكرهم كان مجال تطبيقه هو أوروبا، أما باقي العالم، فهم ثروات واجب استغلالها، ودليل ذلك الازدهار الشديد في تجارة العبيد في هذه العصور؛ بسبب الحاجة لهم في عمارة الأراضي المكتشفة، وكان بعض رواد النهضة الأوروبية مساهمين مباشرين في تلك التجارة، كجون لوك الإنجليزي، بل إنه في حالات معينة كان الرقيق أبيضًا كما حصل للكثير من الإيرلنديين.

نتج عن حرب الثلاثين عامًا معاهدة هامة تعد الأساس الأول للقانون الدولي العام هي «معاهدة فيستفاليا(1)» التي أقرت العديد من المبادئ، كالمساواة بين الأمم المسيحية بغض النظر عن عقائدها، وأشكال حكوماتها، وزوال السلطة البابوية الدنيوية للأبد، وتطبيق مبدأ التوازن الدولي الذي يقضي بأنه في حال حاولت دولة التوسع على حساب غيرها، فإن بقية الدول تتكتل لمنع حصول ذلك، ومبدأ سيادة الدولة على أراضيها، وما يفرضه ذلك من عدم شرعية التدخل الخارجي فيها، وظهور فكرة التمثيل الدبلوماسي الدائم محل السفارات المؤقتة، وتدوين القواعد العرفية في معاهدات لتشكل نصوص القانون الدولي.

تطورت الفكرة مع تعقد العلاقات وخاصة مع تفعيل فكرة التوازن الدولي التي تم تطبيقها بعد حرب الخلافة الإسبانية، والتي انتهت بمعاهدة أوتريخت 1713 (2) حيث تكتلت دول أوروبا لمنع اتحاد فرنسا، وإسبانيا تحت عرش واحد يخل بالتوازن.

دخلت أوروبا منعطفًا جديدًا بعد الثورة الفرنسية التي أدخلت مفاهيم جديدة على العالم، كالحرية، والعدالة، و حق الشعب في اختيار حكوماته؛ فانقسمت أوروبا إلى معسكرين: الأول تمثله الثورة الفرنسية بقائدها «نابليون»، والدول الإمبراطورية القديمة الممثلة في إنجلترا والنمسا وروسيا القيصرية، والمقاطعات الألمانية، وأفضى الصراع بين الطرفين إلى هزيمة نابليون والاجتماع في فيينا عام 1815(3)؛ لترتيب البيت الأوروبي من جديد؛ فنشأت قواعد دولية جديدة، حيث أقر المؤتمر حرية الملاحة في الأنهار الدولية، وتحريم تجارة الرقيق بعد أن قلت الحاجة لها؛ نتيجة التطور الصناعي نحو «المكننة»، وترتيب نظام البعثات الدوبلوماسية، وانبثق عن المؤتمر تحالف سمي بالتحالف المقدس، جمع الأطراف المنتصرة، هدفه المعلن الحفاظ على الأخلاق المسيحية، لكن هدفه الحقيقي هو وأد أية ثورة على الدول الإمبراطورية.

في هذا القرن بدأ العالم المتقدم يتوسع خارج إطار القارة الأوروبية بظهور الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع إعلان الرئيس الأمريكي «جيمس مونرو» عدم السماح لأية دولة أوروبية بالتدخل في شؤون القارة الأمريكية أو احتلال أجزاء منها معززًا مبدأ السيادة الوطنية، وعدم التدخل، تلا ذلك في نهاية القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين مؤتمرات السلام في لاهاي 1899-1907 التي حاولت وضع أطر لفض المنازعات بين الدول بالطرق السلمية، وانبثق عنها محكمة التحكيم الدولية كأول هيئة قضائية تحكم بين الدول.

  • تطورات العلاقات الدولية والقانون الدولي في القرن العشرين

إن كل ما سبق من مبادئ ومعاهدات لم يمنع الدول الكبرى المتحفزة نحو هضم المزيد من الثروات والأراضي حول العالم من الدخول في صراع مدمر بداية القرن العشرين في الحرب الكبرى الأولى 1914-1918 والتي حاول المنتصرون بعدها إعادة تشكيل العالم من جديد تحت وصايتهم وتثبيت زوال الإمبراطوريات القديمة المهزومة، العثمانية والنمساوية والروسية بتنظيم وشرعنة الدول الناتجة عن انفراط عقدها.

عقد مؤتمر الصلح في باريس 1919 فأنشأت عصبة الأمم، وانضم لها دول جديدة من أمريكا اللاتينية وآسيا، وكان للولايات المتحدة دور كبير في دعم الدول الناشئة في محاولة منها لفرض نفسها في عالم الدول الاستعمارية من خلال مبادئها الأربعة عشر التي سميت باسم رئيسها «وودرو ويلسون (4)» وأهمها حق تقرير المصيرللشعوب المستقلة عن الدولة العثمانية وحرية الملاحة في المضائق الدولية.

إلا أن عصبة الأمم لم تستطع تحقيق المأمول؛ لأن الدول المهزومة في الحرب الأولى، وخاصة ألمانيا وإيطاليا بقيت تتحين الفرصة لاستعادة مجدها؛ ما ساعد على تصاعد موجة الأيديولوجيات العلمانية المتطرفة كالنازية والفاشية ومهد لنشوب الحرب من جديد.

كانت الحرب العالمية الثاية أشد وطأة على البشرية من سابقتها خاصة مع تطور الأسلحة الفتاكة وامتداد مساحة الصراع نحو شرق آسيا والشواطئ الأمريكية، وقد أفرزت الحرب واقعًا جديدًا مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت كقوة كبرى لم تتضرر من الحرب تعمل على وراثة النفوذ الأوربي في العالم، وهضمه تحت هيمنتها، بينما بقي الاتحاد السوفيتي كقوة تتمتع بعقيدة مخالفة مسيطرة على مساحات شاسعة من العالم؛ فدخل العالم في النصف الثاني من القرن العشرين فيما عرف بالحرب الباردة بين القطبين.

اجتمع العالم بعد الحرب في عام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة؛ لوضع حد لمآسي الحروب حول العالم، وإنشاء منظمة تكفل السلام، وتقوم بما لم تستطع «عصبة الأمم» القيام به؛ فأنشأت «الأمم المتحدة» وانبثق عنها مجلس الأمن، وكما الحال في كل مؤتمر ومعاهدة ضمنت التشكيلة الجديدة مصالح الدول المنتصرة؛ فضمنت لهم حق التصويت المعطل في مجلس الأمن «الفيتو»: حيث يحق لكل من هذه الدول الخمس إيقاف أي قرار يعارض مصالحها.

حقيقة صمدت الأمم المتحدة في وجه العواصف التي مرت بها، وانضم لها الكثير من الدول التي نالت استقلالها في عملية تصفية الاستعمار المباشر الفرنسي والبريطاني، وانبثق عنها منظمات وهيئات، كما أنشئت كيانات ومنظمات إقليمية، كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية و… عملت على تحقيق التعاون بين الدول في مجالات دولية عديدة، كالمجالات الإنسانية، كمجالات البيئة، ومكافحة التجارات الممنوعة، كالمخدرات، والأعضاء البشرية. إضافة إلى التعاون الاقتصادي وموضوع الغذاء والمناخ والطيران والفضاء الخارجي، والكثير الكثير من المجالات الأخرى؛ فأصبحت البنية الدولية معقدة، وتحقق تحت سقفها الوصول للكثير من المعاهدات في المجالات السابقة، إلا أنها في كل ما سبق كانت تحقق مصالح الدول الكبرى، والولايات المتحدة تحديدًا، فإن نجحت النظرة المثالية الممثلة في التعاون الدولي في إيقاف الحروب وإحلال السلام في الجزء الشمالي من العالم، حيث الدول الاستعمارية ما جعلها جنات يتطلع الناس إليها، فإن الحروب خارج تلك الجنة لم تتوقف، بل كثيرًا ساهمت تلك الدول في إشعالها، أو كانت طرفًا فيها كما في الحرب الكورية والحروب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان العراق والجرائم السوفيتية اتجاه الشعوب المسلمة التي خضعت لاستعمارهم و حروب إسرائيل في المنطقة العربية مرورًا بالحرب اليوغسلافية وحروب القارة الإفريقية و…

وأخيرًا ما يجري على الساحة السورية الذي قوبل بتبلد واضح ومتوقع تجاه المأساة الإنسانية الكبرى فيها، أي أن الجهود الدولية نجحت في نقل الصراع خارج نطاق أمانها لتحصره في عالمنا لتؤكد على النظرة الاستعلائية التي لم تتغير، بالرغم من كل الكلام والمنمق والمبادئ البراقة.

بعد سردنا السابق لنا أن نلاحظ أن المصدر الرئيس الأول للقانون الدولي العام هو المعاهدات الدولية، والتي لاحظنا أن الكثير منها جاء بعد حروب طاحنة بين القوى العالمية، والتي نظمت لتخدم مصالح المنتصرين على حساب الطرف الآخر، ولفرض واقع دولي يجري تعميمه وتحقيق أكبر فائدة من الوضع التالي للحرب أي أنها تمثل مصالح الكبار على حساب الصغار، إضافة إلى عيب واضح للجميع يسود القانون الدولي، و هو: أن لا إلزام قانوني للدول به إلا إرادتها؛ ما يجعل ذلك القانون مشلولًا، ويجعله ألعوبة بيد القوى الكبرى.

فنجد مثلًا أن الدول القوية تحديدًا ترفض الالتزام بالكثير من المعاهدات، ولا توقع عليها أو تنسحب منها كما انسحبت روسيا منذ أيام من اتفاقية روما(5) التي أسست بموجبها محكمة الجنايات الدولية أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلم توقع على المعاهدة أصلًا. كذلك الأمر بالنسبة لاتفاقية كويوتو(6) للمناخ للحد من الانبعاثات الحرارية الضارة في البيئة، والتي بقيت الولايات المتحدة منفردة في عدم التوقيع عليها علمًا أنها مصدر أساسي من مصادر تلك الغازات. و نفس الأمر ينطبق على إسرائيل واتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية (7) واستهتارها بكل القرارات الدولية الجائرة على المسلمين، والتي صدرت لمصلحتها، إلا أنها ضربت بها عرض الحائط؛ لأنها لا ترفض أن تتخلى حتى عن الفتات الذي قبلوا به.

بقي لنا أن نسأل أين كنا نحن العرب والمسلمين من المسألة الدولية، وما موقفنا من الوضع الحالي؟ هذا ما سنتحدث عنه في الجزء الثاني بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد