طلب ابني علبة حلوى ليأخذها إلى المدرسة، فلما سألته: ”بخصوص ماذا؟” أجاب:”هالو…” ثم سكت، وقال فورًا بصوت خافت حذر: ”لا شيء، عندنا احتفال عادي”.

بدأ الناس يتحدثون أن المدرسة تريد أن تحتفل بيوم الهالوين، ولكنها لم تعلن عن ذلك صراحة، فانقسم الناس بين معارض ومؤيد، كما قام البعض بتوجيه رسالة شديدة اللهجة للإدارة يوبخها فيها على هذا التصرف.

تسود صورة نمطية حول هذا اليوم حيث يعتقد الكثيرون أنه يرمز إلى عيد الخوف، ولذلك تنتشر فيه مظاهر الرعب، لدرجة أن أحدهم لما سئل عن عيد الحب بعد الزواج قال مازحًا: الفالنتاين أيام الخطبة فقط، أما بعد الزواج فيصبح الموضوع هالوين!

بعيدًا عما يتداوله الناس من مبالغات ومعلومات غير موثقة، فإن هذا اليوم يمثل مناسبة ثقافية يتذكر فيها الغرب الأساطير والخرافات القديمة، ويجعلون منه فرصة لإدخال البهجة والفرح على الأطفال، ولمعرفة المزيد حول ذلك سأختار لكم مقتطفات من مقال[1] بعنوان:” جذور الهالوين وتقاليده” ، والذي نشرته مجلة Coup de pouce وهي المجلة الفرنسية الأكثر مبيعًا وقراءة في مقاطعة كيبك الكندية:

لماذا يوم 31 أكتوبر؟

يرتبط توقيت هذا اليوم بموضوع الزراعة، وقد تم اختياره لأنه يفصل بين موسمين، إذ (تعود أصول الهالوين إلى أحد أعياد السلت[2] ، وهو عيد السامن[3] la Samain ، والذي يشير إلى أول يوم في السنة حسب تقويمهم ، حيث يعلن هذا العيد نهاية موسم الحصاد ونهاية فصل الشمس. وبما أن السلت – الذين كانوا يعيشون في إنجلترا وشمال فرنسا – يعتمدون في حسابهم على الليالي، وليس على النهار، فإن الاحتفال يبدأ في ليلة 31 اكتوبر[4].

كان العيد يستمر مدة سبعة أيام تحت قيادة الكهنة، وقد انتقلت التقاليد إلى أمريكا الشمالية حوالي العام 1840، مع هجرة الأيرلنديين).

ومع أن هذا العيد ذو أصول أوروبية، إلا أن الاحتفال به لا يعم كل تلك بلاد، فقد عارض الكثيرون انتشاره في بلادهم ربما لأنهم يرونه عيدًا وثنيًا، أما البلاد الأكثر اهتمامًا به فهي: ( كندا والولايات المتحدة الأمريكية وأيرلندا وبريطانيا وأستراليا).

كيف كانت الطقوس

أما عن الطقوس التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيقول المقال: (خلال الليل يقوم الكهنة بإشعال نار مقدسة تكريمًا لإله بين Been، إله الشمس، كما تفيد هذه النار في اصطياد الأرواح الشريرة.

حسب الأسطورة، وخلال ليلة السامن la Samain، يمكن لأرواح الموتى أن تعود لموطنها على الأرض، وهكذا كان الأحياء يحاولون استقبالهم بأفضل صورة، فعلى سبيل المثال: يقومون بترك الطعام عند مداخل القرى حتى يشبع هؤلاء الضيوف.

إن فتح بوابات العالم الآخر يؤدي أيضًا إلى اقتحام الأرواح الشريرة، وقد صار لهذه الفكرة بعدًا آخر في ظل المسيحية مع وجود مفهوم جهنم، حيث تعتبر عودة الأرواح دليلًا على أنها لم تدخل الجنة، وبالتالي فهي أرواح ملعونة).

التسمية الجديدة

يبدو أن هذا اليوم قد تأثر بالثقافة المسيحية، وأخذ منها اسمه الجديد “الهالوين”، وحسب اللغة الإنجليزية (هذا الاسم مختصر عن عبارة All Hallows’ Eve)، والتي تعني ليلة كل قديسي الجنة.

كلمة Hallow هي تعبير قديم جدًا للكلمة الإنجليزية Holy، والتي تعني المقدَّس، بينما كلمة even فهي مازالت شائعة وهي بمعنى ليلة.

إن لفظة هالويين Hallowe’en لازالت تستخدم أحيانًا في كندا والممكلة المتحدة).

واضح إذًا أن الفكرة ليس فيها أي إشارة إلى الرعب أو التخويف، بل هي إحياء لذكرى أهل الخير، وهم القديسون، وقد سبق وتعرفنا على طريقة الاحتفال كيف كانت في الأصل.

لماذا اليقطين؟

( كان الناس يفرغون اللفت والشوندر ويشقونه على شكل رؤوس ليرمز إلى الموتى، ويضعونه في بداية الطرقات أو على القرب من المقابر، ولما هاجر الأيرلنديون إلى أمريكا اعتمدوا على القرع أو اليقطين؛ لأنه أكثر وفرة.

إن تقليد تفريغ اللفت أو الشوندر أو اليقطين يهدف إلى إخافة الأرواح الشريرة، وهو مرتبط بأسطورة جاك أو لاتيرن Jack O’Lantern، وهو رجل حكم عليه بأن يمشي إلى الأبد بين الجنة والنار؛ لأن الله لا يريده، وكذلك الشيطان لا يريده، فكان يحمل واحدة من اللفت ويضع بداخلها جمرة مشتعلة).

الأشكال المرعبة والهياكل العظمية والسحرة

(ترمز الوجوه المرعبة إلى الأرواح الشريرة، بينما ترمز الهياكل العظمية إلى أرواح القديسين، أما السحرة فترمز إلى النساء اللواتي كن يقمن بدور العلاج دون مقابل وذلك في العصور الوسطى، كانت هذه النساء تتنكر على شكل عجائز بشعة حتى يعرفن ما إذا كان الأشخاص يستحقون عنايتهن، ونظرًا لقدرتهن على المعالجة وسرعة الشفاء كان البعض ينسبهن إلى القوى الشريرة).

الأطفال في الهالوين

اليوم يعتبر الهالوين مناسبة للأطفال (ففي 31 اكتوبر يقوم الأطفال بالتنكر، ويغزون الطرقات ويطرقون الأبواب ليأخذوا الحلوى، وبالنسبة للمنازل التي تشارك بهذه المناسبة، فإنها تقوم بتزيين الباب من خلال وضع يقطينة مضيئة للإشارة إلى أن الأطفال مرحب بهم).

كنت أتمنى أن يكون لدى المدرسة تقويم ثقافي يعرف الطلاب، ليس فقط بالهالوين، بل بأيام الشعوب على اختلافها، وأن تحتفل المدرسة بالهالوين بطريقة صحيحة، فتبين للأطفال حقيقة هذا العيد، وأنه في أصله مجرد احتفال شعبي كان يقوم به الفلاحون احتفالًا بقدوم السنة الجديدة وانتهاء موسم الحصاد، وقد تأثر بصورة طبيعية بالعقائد التي كانت موجودة في ذلك الوقت، ثم تحول الهالوين بعد مرور مئات السنين إلى فرصة يستذكر فيها الناس كيف كانت الخرافة تحكمهم، ويمثلون تلك الأيام والعادات في جو من المرح والتسلية، ليشكروا الله اليوم على ما وهبهم من نعمة العقل والعلم والدين.

بالطبع لا يخلو أي مشهد اجتماعي من أشخاص ربما يتخذون من هذه المناسبات فرصة لإزعاج الناس وإخافتهم، ولكن هذا ليس مبررًا لرفض هذا الموضوع وعدم الاستفادة منه، لا سيما وأننا لا نوفر بديلًا لأطفالنا، سواء على مستوى التعرف على الثقافات القديمة ومحاكاة ما كانوا يقومون به، أو على مستوى خلق أجواء من الفرح والسرور.


[2] – السلت إحدى الحضارات القديمة التي ظهرت في القرن الثامن قبل الميلاد، تمركزت في وسط أوروبا، وكانت تستعمل لغة السلتيك.

[3] – عيد السامن: هو الأول من أربعة احتفالات دينية كبرى من السنة حسب تقويم السلتيك، ويكون في 1 نوفمبر، ويمثل بداية الفترة المظلمة، حيث يتم تقسيم العام إلى فصلين: الفصل المظلم والفصل المضيء.

[4] – حسب التقويم الميلادي يقع عيد الهالوين قريباً من عيدين كاثوليكيين وهما: جمعة القديسيين في 1 نوفمبر، وعيد الأموات في 2نوفمبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد