مع مرور موجة رهيبة من إقدام الإرهابيين على تفجير أنفسهم غير آبهين لحرمة النفس المسالمة ولا لحرمة الزمان أو المكان، ومع امتداد تفجيراتهم إقليميًا ودوليًا التي طالت المواقع المدنية من مستشفيات ومساجد وأماكن تجمعات مدنية، بقي أن نسأل: لماذا يفجر الإرهابي نفسه؟ ولماذا يستبيح دماء المدنيين الأبرياء؟ ولماذا يضحي بأغلى ما يملك، روحه، فداء لتنظيم قد لا يزيد ارتباطه به عدة شهور؟

ما التفجيرات الانتحارية؟

في البداية، التفجيرات الانتحارية هي العمليات التي تؤدي إلى مقتل الإرهابي، نحن لا نتحدث فقط عن المحارب المتهور في المعركة؛ بل نتحدث عن الهجمات التي تم التخطيط لها مسبقـًا بعناية، سواء أكانت العملية بحزام ناسف، أم سيارة مفخخة، أم حتى طائرة مفخخة كما فعل الطيارون اليابانيون «الكاميكاز» بالهجوم بالطائرات المفخخة على قاعدة «بيرل هاربور» الأمريكية أيام الحرب العالمية الثانية.

وذكرت منظمة «AoAV» البريطانية أن أول عمل انتحاري مسجل كان في عام 1881 عندما قامت منظمة «إرادة الشعب» اليسارية المتطرفة بعملية اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني؛ حيث قام منفذ العملية «ايقناتي قرينفيتسكي» عند اقترابه من القيصر بإلقاء قنبلة تحت أقدام القيصر مما قتلهما الاثنين.

لماذا التفجيرات الانتحارية؟

لنعلم لماذا تختار المنظمات الإرهابية التفجير الانتحاري، يجب أن نعلم أنه أظهرت دراسات مؤسسة راند لحوادث الإرهاب الدولي أن الهجوم الانتحاري يقتل في المعدل 4 أضعاف القتلى من أي عملية إرهابية أخرى، وذلك لسهولة اندماج الإرهابي بالمدنيين ولزيادة دقة إصابة الأهداف، إذ يفجر الإرهابي حين يرى أكبر تجمع بشري؛ ولأنه لا توجد «خطة هروب» للإرهابي؛ إذ تقل بشدة فرصة إلقاء القبض على المجرم الذي بالقبض عليه ستزيد احتمالية إفشاء العديد من أسرار المنظمة الإرهابية للسلطات؛ لذلك، يفضل قادة الإرهاب بلورة أعمالهم الإجرامية حول طريق العمليات الانتحارية.

كما تختار المنظمات الإرهابية القيام بالتفجير الانتحاري لرخص قيمة العملية، إذ لن تحتاج لأجهزة تحكم إلكترونية معقدة ومكلفة ووجود خبراء في فك تشفير الأنظمة الأمنية لاختراق الشبكات ومحترفين في التسلل لزرع القنابل في الأهداف المحددة التي تكاد تكون مستحيلة مع تطور الأنظمة الأمنية حديثـًا، كل ما يحتاجونه هنا هو «المنتحر» ليقوم بجميع ما ذكر، من محاولة الولوج للموقع والقيام بتفجير الحزام يدويًا، وبأجر ضئيل قد لا يتخطى قيمة القنابل التي زرعت فيه، والتي لا تكلف أكثر من 150 دولارًا في بعض الأحيان.

أخيرًا، يفضل قادة المنظمات الإرهابية الأعمال الانتحارية لسرعة التجهيز والتخطيط للعملية، مقارنة بالعمليات التقليدية التي تحتاج لخطط صعبة وغير مضمونة والتي قد تأخذ وقتًا طويلًا لإتمام أركان الخطة والشروع في العملية. كما تم ذكره في تقرير للويس ديلا كورتي وآخرين في منظمة «مبادرة أبحاث الإرهاب«.

لماذا يضحي الإرهابي بروحه؟

ولكن يتبادر هذا السؤال: «ولكن، لماذا يوافق الإرهابي على خسارة أغلى ما يملك، روحه، فداء للتنظيم؟» هنا تظهر عدة إجابات منها، التماهي مع المجموعة، الرغبة المالية، وحب الشهرة.

»لكي تهيئ شخصًا ما للتضحية بالنفس فلا بد من سلخه عن هويته الذاتية وعن تميزه، وأكثر الطرق فاعلية في الوصول إلى هذا الهدف هو صهر الفرد كلية في الجسم الجماعي، إن الفرد المنصهر في الجماعة عندما تسأله من هو؟ فإن جوابه التلقائي هو أنه ألماني أو روسي أو مسيحي أو مسلم أو عضو في قبيلة معينة»، هذا ما ذكره إيريك هوفر في كتابه «المؤمن الصادق«.

ويرى الكاتب أنه يجب على المنظمة الإرهابية أن تسلخ الفرد المنضم إليها من هويته الشخصية، وأن يبقى جزءًا من كيان تدعي أنه «قوي ومتماسك»، ويجب أن تغرس فيه اتجاهًا إلى احتقار الحاضر والتعلق «بالبشائر» القادمة مستقبلًا، وأن يضع حجابًا بينه وبين الحقائق؛ وأن يتم شحنه بالعواطف المتفجرة على نحو يجعل من المستحيل عليه أن يعيش مع نفسه.

ويرى أنه ما يزال النظام يقوم بغسل عقول المنضمين إليهم، بزرع الكراهية وجعلهم يتبنون أنماط السلوك المتشابهة في المجموعة، حتى يصبح الشخص «مؤمنًا صادقـًا” والذي يقول عنهم «إن اعتقاد المؤمن الصادق بعصمة العقيدة التي يعتنقها تجعله لا يقيم أي وزن للشكوك أو المفاجآت أو الحقائق غير السارة التي يمتلئ بها العالم من حوله»، وهي تحقق هذا الهدف بتصوير عقيدتها في صورة الكمال المطلق الذي لا توجد أية حقيقة أو يقين سواه، بينما في الحقيقة هم لا يقاربون حتى طرف الحقيقة، وذلك لاتباعهم الصورة المحرفة من الدين الداعية للقتل والإرهاب والتي خالفت معتقدات الجمهور الإسلامي الوسطي، والتي تكافئ نقمتهم على المجتمع وتجمل، في عيونهم، مشاهد القتل الجائر التي تحمل تواقيعهم.

وبالتالي، تزين المنظمة للفرد الموت في سبيل معتقداتهم وتطمس حقيقة الموت والقتل المرعبة من قلوبهم بإيهامهم بأنهم «يشاركون في صناعة منظر باهر وملحمي»، وهذه كلها وسائل لفصل الإرهابي عن نفسه الحقيقية المكونة من لحم ودم ومشاعر.

ولكن هناك أناسًا لم ينضموا إلى هذه التنظيمات حبًّا لهم، ولا رغبة في تحقيق أهدافهم، وإنما انضموا إليهم هروبًا من الفقر المدقع والمميت في مناطق الصراع مثل سوريا، إذ ذكرت صحيفة «دايلي سيقنل» أن «داعش» تكافئ أهالي الانتحاريين بمبلغ 5300 دولار مستغلين أوضاعهم المعيشية الصعبة، وكما فعلت «داعش» عندما حاصرتها القوات العراقية في الفلوجة، إذ استغلت أوضاع المدنيين المتضررين من الحصار والذين لم يجدوا إلا التمر الناشف طعامًا لهم، أعلنت «داعش» أن «الانضمام مقابل الطعام» في محاولة بائسة لاستقطاب أهالي الفلوجة.

وأخيرًا، هناك مجموعة تنضم للجماعات الإرهابية حبًا للشهرة، فقد ذكر باتريك كوكبورن في كتابه «صعود داعش» أن العديد من المنضمين للجماعات الإرهابية من حول العالم انضموا إليهم حبًا للشهرة، وقال إن بعضهم انضم للتنظيمات الإسلامية؛ لأن وضعه المادي ليس جيدًا في بلده؛ بل إن بعضهم برر انضمامه للتنظيم المسلح «لأن الوضع كان مملًا في بلادي»، ويستخدم التنظيم القادمين من الخارج لإجراء عملياتهم الانتحارية مستغلين ضعفهم في العلوم الشرعية والذي يسهل عليهم عملية غسيل الدماغ.

تأثرت 21 دولةً في عام 2015 من الهجمات الانتحارية مخلفة ما يتجاوز 43 ألف ضحية بين قتيل وجريح، حسب ما ذكرته منظمة AoAV. نتائج الهجمات الانتحارية مؤلمة للغاية، ففيها فقدان لأعزاء لا أحد يعرف لماذا قتلوا، بينما الأدهى والأمر معرفة أن هناك أناسًا يكبرون فرحًا عند حدوث هذه الأعمال الوحشية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد