من الملاحظ في الفترة الأخيرة زيادة وتيرة اعتقال واغتيال كل  من يعارض السلطة الحاكمة في البلاد العربية التي تتسم بصفة الديكتاتورية، سواء ديكتاتورية ظاهرة أو مقنعة مغلفة بغلاف شفاف كأنه غلاف الديمقراطية، فكل طاغية على مدار التاريخ يستشيط غضبًا عندما يرتفع صوت ينادي بالحرية والشفافية، فكل من يعارض يجب أن يكمم فمه سواء بالاعتقال أو الاغتيال.

وفي تاريخنا الحديث نبدأ من الأستاذ عبد الرحمن الكواكبي، وهو صاحب الكتاب الشهير طبائع الاستبداد والذي يصف فيه طبيعة المستبد وكيف يستبد بالعباد وهو كان من معارضي السلطان عبد الحميد وبعد أن تابعت السلطات التركية التضييق عليه، هاجر الكواكبي سرًّا من بيروت إلى مصر سنة 1899 (أو على أبعد تقدير 1900)، ثم خرج منها سائحًا فطاف جزيرة العرب وتحول إلى الهند والصومال والحبشة وغيرها. وبعد عودته إلى مصر عام 1902، فاجأته المنية، بعد أن كان جواسيس السلطان عبد الحميد قد دسوا له السم في فنجان القهوة. كما تؤكد المراجع العربية، فبسبب الخوف من أن ينير المفكر عقول المحكومين ويثيرهم على المستبد تم اغتيال الأستاذ عبد الرحمن الكواكبي.

وفي عجالة سريعة إلى ما بعد ثورة 23 يوليو (تموز) تم اعتقال الكثير من المفكرين والنشطاء السياسيين، وبعد حادثة محاولة قتل عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية، تم اعتقال العديد من السياسيين وعلى الأخص من جماعة الإخوان المسلمين، وقد عمد عبد الناصر إلى إذلال وتعذيب الكثير من المفكرين في تلك الحقبة الناصرية، وكمم الكثير من الأفواه المعارضة له، وتم في عهده إعدام المفكر سيد قطب  ولا ننسى أن نذكر بما فعلته زبانية عبد الناصر بالفقيه والقانوني الكبير عبد الرزاق السنهوري، عندما تم الاعتداء عليه بمجلس الدولة وكان الرجل ينادي بعودة الحياة الديمقراطية وقد قال عن ذلك: «وحينئذ أدركت أن الأمر لم يكن مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين ــ كما ادعى الضابط ــ بل «أمر اعتداء مبيت علي، وما لبث المتظاهرون أن دفعوني دفعًا إلى الحديقة وتوالى الاعتداء». وقد اتهم صراحة جمال عبد الناصر بأنه وراء هذا الاعتداء.

وفي عهد السادات وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد تم اعتقال الكثير من الصحفيين الرافضين لمعاهدة كامب ديفيد، وفي أحداث سبتمبر(أيلول) تم اعتقال الكثير من الرموز الوطنية والدينية المعارضة للاتفاقية، وعلى رأسهم الأنبا شنودة والشيخ المحلاوي وعدد من المفكرين كالدكتور حسن حنفي وأبو العز الحريري وجابر عصفور وعدد كبير من الصحفيين.

وفي عهد المخلوع مبارك وبمساعدة أجهزته الأمنية، تم اعتقال الكثير من الشباب المثقف وشباب الجامعات وإن كان أكثر ذكاء في تعامله مع الصحفيين والمفكرين، فهو كان يكثر من لقائه بالنخب الثقافية دون أن ينفذ أي شيء من اقتراحاتهم، بل كان يعمل على سياسة الإلهاء والتي كان فيها عبقريًّا، وكان الخطأ الأكبر هو تعامله مع المتظاهرين في جمعة الغضب والتي أودت بكرسيه إلى الأبد.

وفي الوقت الحالي نرى الكثير من الاعتقالات بحق الناشطين والمفكرين وآخرهم الدكتور عبد الخالق فاروق، فالرجل ألف كتاب هل مصر بلد فقير؟ وتم مصادرة الكتاب واقتياد صاحب المطبعة إلى النيابة واقتياد الدكتور إلى النيابة، والتهمة هي الترويج لأخبار كاذبة مع العلم أن الرجل حاصل على جائزة الدولة التشجيعية، وقد عمل باحثًا اقتصاديًّا بعدة جهات حكومية ومستشارًا اقتصاديًّا بعدة جهات، وله الكثير من المؤلفات، وكل تهمه أنه أجاب بالأرقام وبما يتم عمله من  مشاريع كالعاصمة الجديدة وما يتم صرفه للوزراء من مبالغ تتعدى الحد الأقصى المنصوص عليه في اللوائح، فما كان إلا أن تم القبض على الرجل.

وأخيرًا لا ننسى الشهيد بإذن الله جمال خاشقجي، والذي تم الاعتراف رسميًا بأنه قتل في القنصلية السعودية وكل ما أذنبه الرجل أنه يقول كلمة الحق ويقول ما يمليه عليه ضميره، فما كان إلا أن تم اغتياله وتقطيع جثته، فمتى ينتهي كل ذلك الظلم بحق هؤلاء المفكرين؟ ومتى يكون الحوار هو سمة حل الخلافات في بلادنا العربية التي للأسف لا تعرف الحوار بل كل ما تعرفه هو لغة الاعتقالات والاغتيالات؟ فمتى يا عرب نتعلم لغة الحوار ونتعلم معنى الديمقراطية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد