مقدمة

شهد سعر صرف الدولار الأمريكي مؤخّرًا انخفاضات مهمّة ومتلاحقة حيث انخفضت قيمته إلى مستويات قياسية. ويعتبر الخبراء أن الدولار الأمريكي يشهد حاليًّا أسوأ أداء له منذ عدة أعوام. ومع أن هذه الظاهرة من شأنها تحقيق بعض المنافع على المدى القصير بالنسبة لبعض الأطراف وخصوصًا بالنسبة للدول المصدِّرة التي تتعامل بالدولار، وللمستهلكين الذين يعتمدون على الواردات الأجنبية المدفوعة بالدولار، إلا أنها تسببت في العديد من الأضرار بالنسبة لأطراف أخرى متعددة على المستوين المحلي والعالمي. بل أن العديد من الخبراء يخشون من انهيار النظام العالمي حيث سيعاني كبار المتعاملين بالدولار بما في ذلك الوسطاء الماليون وشركات التحوّط (Hedge funds) كثيرًا في حال تدهور سعر صرف الدولار الأمريكي أكثر من ذلك.

جملة من الأسباب

ومع أنه من الصعب تحديد الأسباب الحقيقية لهذا التدهور الملحوظ في سعر صرف الدولار الأمريكي، إلّا أنه يمكن القول بأن هناك جملةً من الأسباب التي يمكن أن تكون قد أدّت مجتمعةً إلى هذا الانحدار التدريجي والمستمر في أسعار الدولار مقابل العملات العالمية الأخرى.

أولًّا: ضعف الحماسة لدى المستثمرين تجاه الدولار الأمريكي. يمكن القول بأن الأسواق المالية استنفدت جميع الأخبار الجيدة التي كانت تتوقعها حول الاقتصاد الأمريكي والتي كان المستثمرون ينتظرونها أصلاً بُعَيد وصول الرئيس الحالي الجمهوري دونالد ترامب إلى سدّة الحكم. وبشكل عام، فليس هناك توقعات إيجابيّة استثنائية بخصوص المؤشرات الاقتصادية الأمريكية من شأنها أن تثير حماسة المستثمرين لشراء الدولار الأمريكي. ويمكن الاعتقاد أيضًا بأن الانخفاض الحالي لسعر صرف الدولار قد يكون ضمن توجّهات الإدارة الأمريكية الحالية المعروفة بسياساتها الليبرالية الداعمة للقطاعات الصناعية التي تفضّل انخفاض سعر صرف الدولار لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية مقابل دول مثل الصين وتركيا وألمانيا.

ثانيًا: ظهور قوى اقتصادية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية وخصوصًا مع تأكّد المركز الاقتصادي لدول مثل الصين والهند وتركيا واليابان مقابل تباطؤ الاقتصاد الأمريكي. كل ذلك أدّى إلى هروب تدريجي للاستثمارات إلى الين الياباني واليوان الصيني وغيرهما، خصوصًا وأن اليوان الصيني أصبح معتمدًا باعتباره أحد العملات المعتمدة في سلة حقوق السحب الخاصة المعمول بها في صندوق النقد الدولي.

ثالثًا: رغبة البنوك المركزية الدولية في تنويع احتياطياتها النقدية بأصول أخرى غير الدولار الأمريكي. فمثلًا، البنك المركزي الصيني الذي يمتلك احتياطيًّا نقديًّا يقدر بحوالي تريليون دولار أمريكي، أعرب عن اعتزامه التخلص من جزء من هذا الاحتياطي، وكذلك بنك اليابان. لا ننسى اجتماع السياسة النقدية الأخير للبنك المركزي الأوروبي الذي أعرب فيه عن عزمه البدء في تحوّل تدريجي في سياسة الأصول الاحتياطية. ولقد لوحظ نفس التوجّه بالنسبة لبعض البنوك المركزية الأخرى، حيث قرر مجلس إدارة البنك المركزي الألماني ضم العملة الصينية «اليوان» إلى احتياطياته من النقد الأجنبي نظرًا لزيادة استخدام العملة الصينية في العالم، وأهمية الصين بوصفها شريكًا تجاريًا مهمًا لمنطقة اليورو.

رابعًا: زيادة الطلب على الأصول السلعية وارتفاع أسعار المواد الخام وخصوصًا البترول الذي لامس السبعين دولارًا للبرميل في أعلى مستوى له في ثلاثة أعوام، وكذلك الذهب الذي سجّل أعلى مستويات له في أربعة أشهر عند 1380 دولارًا للأونصة. ومن المعروف أن هناك علاقة عكسية شبه ثابتة بين أسعار الدولار الأمريكي وأسعار الأصول السلعية حيث يلجأ المستثمرون إلى الأصول السلعية عند شعورهم بضعف الثقة في الدولار.

خامسًا: ضبابية المشهد السياسي والاقتصادي الأمريكي. وأخيرًا، قد يكون لسلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المستقر، والخلافات الحادة والعلنية غير المسبوقة داخل الإدارة الأمريكية دور في إضعاف الثقة في الاقتصاد الأمريكي باعتباره محور استقرار بالنسبة للنظام الاقتصادي العالمي. لا ننسى أيضًا تصريحات ترامب المثيرة للجدل وما يمكن أن يترتب عليها من توتّر في علاقات الولايات المتحدة مع الدول الأخرى والتي قد تزيد من احتمال نشوب حروب عسكرية في بعض الحالات.

توقعات باستقرار سعر الصرف على المدى القصير

على الرغم من الأسباب سابقة الذّكر، إلّا أنه يمكن القول بأن الدولار الأمريكي يستمد قوته من قوة وسطوة الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل حوالي خُمس اقتصاد العالم، وكذلك من النفوذ السياسي والعسكري والفكري للولايات المتحدة الأمريكية على مستوى العالم. لذلك، وبعيدًا عن التحليلات الفنية، فإن من المرجّح أن تستعيد العملة الخضراء أسعارها الطبيعية خلال أشهر قليلة، وإن كانت أسعار الصرف ستبقى تحت المراقبة لفترة غير بسيطة حيث يمكن أن تعود لتنخفض من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد