هل حقًا ظهر الفلاسفة نتيجة وجود ما يُسمى بالفلسفة؟ أم وُجدت الفلسفة كنتيجة حتمية لانتشار الفلاسفة حينذاك؟!

هل سبق وأن فكرت بدلًا من النظر إلى ذلك العالم الذي تعيشه ووصف ما تراه، أن تقوم بتقييمه وتحليله في محاولةٍ لفهمه؟! هل خطر لك من قبل أن تتوقف للحظة وتتساءل لمَ يجب عليك أن تأخذ أي أمر أو حقيقة كمسلّم بها؟!

حسنًا، ماذا لو طرح عليك أحدهم سؤالًا وهو هل جميع قراراتك ومعتقداتك هذه نابعة من عقلك وتفكيرك أنت، أم أنها مجرد نتاج لما تربيت عليه؟! ومن ثمّ يظهر جليًّا أمامك تساؤل آخر هل خياراتي حرة حقًا؟ وإذا لم أكن حرًا في قراراتي واختياراتي، إذا كيف يمكن أن أحاسب عليهم؟!

بدايةً، أود أن أُقدم اعتذاري على طرح مثل هذه الأسئلة، التي من المحتمل أن أثارت في عقلك شيئًا ما، أو ربما قد ألقت في طريقك بعض التساؤلات -والتي قد لا تجد لها أجوبة- عن حقيقة ما حولك.

ولكن لا بأس.. فمن مثل هذه الأسئلة ظهرت ما نُطلق عليه الآن «الفلسفة»

بالطبع، فإننا على وشك الخوض في رحلة قصيرة في أغوار الفلسفة! ليست الفلسفة التعقيدية التي لا يرغب أيًا منّا في الاقتراب منها أو حتى من يتبعها، بل تلك الفلسفة التي تحاول أن تجعل للعالم معنى من خلال البحث في طبيعة الواقع الذي نعيشه في حد ذاته، وما الذي يجعله جميلًا.

سنتطرق لتلك الفلسفة التي تحاول استكشاف طبيعة الإنسان، تطرح أسئلةً عن كل جانب من جوانب حياتنا؛ لمَ نفعل ما نفعله، ولمَ نفكر فيما نفكر به، ولم نشعر بما نشعر به؟!

الجذور التاريخية للفلسفة؟

جميعنا يعلم أن الفلسفة كمصطلح تعني «الحكمة»، وفي هذه الأيام يستخدم الأشخاص البسطاء كلمة الفلسفة لوصف رأي يملكونه أو ربما نهج يتخذونه في أمرٍ ما، في حين يستخدمها المفكرون على مر العصور لوصف طريقة رؤيتهم للعالم. فكيف بدأ هذا المصطلح فعليًا؟

هنا سنتتبع معًا جذور الفلسفة من خلال الرجوع إلى بلاد الإغريق القديمة (اليونان)، سنعود إلى 500 سنة قبل العصر الحالي. حيث هناك الشعراء، مثل هومر، الذي حاول أن يفهم ويفسر العالم عن طريق القصص، بينما كان الفلاسفة يستخدمون طرقًا تحليلية، وتأملية، وعلمية، على الرغم من عدم امتلاكهم لمفهوم (العلم) بعد!

حسنًا، عند تتبُع مصطلح «الفيلسوف» سنجد أن فيثاغورس، هو أول من أطلق على نفسه فيلسوفًا، وكان يقصد بذلك الباحث عن الحقيقة من خلال تأمل الأشياء. حينما استخدم الفلاسفة الاوائل كلمة فلسفة كانوا أساسًا يقصدون بها (الدراسة الأكاديمية أو العلمية لأي شيء).

وبذلك كانت الفلسفة قديمًا تتضمن جميع العلوم العقلية، سواء العلوم النظرية: كعلم الإلهيات، والطبيعة، وعلم الرياضيات. أو العلوم العملية: كالحكمة، والأخلاق وغيرها. ومنها نشأت قاعات المحاضرات مثل أكاديمية أفلاطون، ومنافستها قاعة محاضرات أرسطو، وبدأوا بمناقشة كافة العلوم.

حقيقةً، بدأ انتشار مصطلح الفلسفة فعليًا في القرن 6 قبل الميلاد، وكانت تُسمى تلك الفترة بـ«عصر الحكماء»، وكان هدفها حينذاك إصلاح النظم والأخلاق. فبعد انتشار السفسطائيين في ذلك العصر، ظهر سقراط واشتهر بحكمته، ومحاولاته في البحث عن الحقيقة، والعدالة، والجمال.

ثم حمل الراية بعد ذلك تلميذ سقراط النجيب أفلاطون، وهو من نقل إلينا أفكار سقراط ودافع عنها، وأسس الأكاديمية، أول جامعة للتعليم العالي في العالم الغربي، كما وضع أفلاطون نظرية المُثل، حيث تحدّث فيها عن حكومة عادلة يحكمها ملوك فلاسفة. وبعد ذلك ظهر أرسطو مؤسسًا لعلم «المنطق».

الفلسفة عبر العصور   

عند البحث في رحلة الفلسفة عبر العصور المختلفة، وانتقالها خلال مختلف الفلاسفة والمفكرين، سنجد أن الفلسفة هي طريقة للتفكير وطرح الأسئلة. الآن، وبعد 2500 سنة من طرح الفلاسفة القدماء للأسئلة، لا زال الفلاسفة يحبون طرح الاسئلة.. غالبًا الأسئلة ذاتها.

إذًا.. ما هي تلك الأسئلة العظيمة التي أسرت الفلاسفة وأربكتهم لوقت طويل؟

أحد أهم الأسئلة التي راودت الفلاسفة منذ وقتٍ طويل: كيف يبدو العالم من حولنا؟ ربما تبدو الإجابة عليه أمرًا سهلًا بسيطًا! صحيح؟ فلا يحتاج الأمر سوى النظر عما حولك وبالطبع سترى كيف يبدو العالم! ولكن هذه الاجابة ربما بدت صحيحة لو كان المنهج الفلسفي يعتمد على الملاحظة فقط!

ولكن هيهات.. فالمنهج الفلسفي يعتمد على التأمل والتحليل، ويحمل بين طياته العديد من الأسئلة المعقدة المكتظة، إنه يتّبع منهج طرح الأسئلة في التفكير.

فعندما يسأل الفيلسوف كيف يبدو العالم، فإنه يسأل عمّا هي طبيعة ذلك العالم الذي نراه أمامنا؟ ويبدأ بطرح الأسئلة هل ذلك العالم مصنوع من مادة وطاقة، أم أن هناك شيئًا آخر يحدث لا نراه؟ ولو كان حقًا من مادة وطاقة، فمن أين أتت؟ ومن الذي أوجدها؟ وأين هو؟ وكيف أوجد تلك المادة؟ ومتى أوجدها بالفعل؟!

وهناك العديد من الأسئلة التي شغلت بدورها عقول الفلاسفة على مر العصور ومنها: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟! هل عالمنا الذي نعيشه هو حقيقي؟! هل بالفعل لدينا إرادة حرة؟ هل ينتهي الإنسان بعد الموت، أم أنه هناك حياة بعد الموت؟ ما هو أفضل نظام أخلاقي يحكم تصرفات البشر؟! وغيرها من العديد من الأسئلة الوجودية التي شغلت عقول الفلاسفة.

بالطبع، كل هذه الأسئلة تأخذنا إلى رحلة البحث عن إجابات لكل هذه الأسئلة. لذا، ظهر فرع ثان من الفلسفة لا يطرح أسئلة، ولكنه يهتم بكيفية الحصول على إجابات لهذه الأسئلة، نعم أخيرًا بعض الأجوبة، إنه «المنطق».

في الحقيقة، المنطق هو بمثابة صندوق أدوات الفلاسفة؛ يحتوي على كل ما يحتاجه الفلاسفة للإجابة على أسئلتهم بطريقة واضحة ومنظمة. فالمنطق قائم على البراهين، وإعطاء حجج قوية لا تقع ضحية المغالطات، العدو اللدود الفلسفة.

في النهاية، أود إخباركم أنه حينما نتعمق في الفلسفة ونتأمل أسئلتها تلك في مقالاتنا القادمة، سنتعلم كيف يمكننا أن نفكر في الأمر بأكثر من عقل. ربما يمكنك القول بأننا سنتعرف على الفكرة ونقيضتها، الحقيقة وجوانبها، سنكتشف معًا فيما بعد أنه ليست ثمة هناك ما يُسمى في عالمنا هذا بالحقيقة المطلقة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد