مظهر فاتيكاني مسالم يظهر به العرب اليوم، خير الأمم التي اُخرجت الى الأرض تقبع مثل دوريّ فقط صوته وأجنحته ولم يتبق منه سوى اسمه.

تاريخنا الملوث بالهزائم والنكسات والبرود السياسي شبه المنعدم، وكأنما نعلو فوق كل الوجود دونما وصول إلى الأرض، تدوسنا كل الأقدام علنًا وعلانية، ونبادر بالصمت حتى بات لغتنا المعلنة. خطاباتنا التي باتت موسومة بالحياد والغياب، خطابات فلحت في إتقان القوافي دون معانيها اللازمة، كدّسنا قبور الشهداء حتى باتت أراضٍ عقيمة لا تنجب سوى التاريخ الأجوف، نلمحها بفخر ونردد أسماء القابعين تحت الأرض بأصوات شلّها الخوف.

خان شيخون، ومصر، وإدلب، وليبيا، وغزة التي تعودت القصف حتى إن مرّ يوم دون دويّ القنابل فوقها استنكرت يومها. كل هذه البلدان وغيرها تُقصف بنار أعداء الحياة، والعرب يبادون يومًا بعد يوم، ولا يتكلّمون وكأنهم بعد كل ضربة يتحسّسون ما إذا كانوا أحياء ليُبدعوا أكثر في الصمت، أم أنهم أشلاء ليرقدوا بسلام؟ وفي كلّ الحالات هم نِيام.

وبصورة كاريكاتيرية ذهبية يقبع العرب فيها مثل شمعة في زاوية تشتعل لتضيء ساحات الحرب فوق أرضها، وتنتظر ذوبانها واحتراق فتيلها كي تموت في النهاية شاكرة للعدو جهده في اتلاف أراضينا وتمزيقها، وتركها أشلاء للقبور المفتوحة.

وفي المقابل العالم ينتفض بقوة ضدّ كل الأفعال الدنيئة والسلوكيات الوحشية، وكل مظاهر العدوان على البقاء، يهودًا ومسيحيين وبلا دين،يحتجون ويرفعون الخطوط العريضة وكل علامات الرفض بكل الطرق، فالمهم أن يصل الصوت وتُسمع الـ «لا» قوية تزعزع الجدران، وتخيف من لم يخف حين ألهب النيران في أجساد الأبرياء والعرب في قواقعهم بلا شعور يحترفون الصمّ والبكم.

قديمًا احتلّ الإغريق طروادة باستخدام حصان، واليوم يبدع الثالوث الحاكم بقيادة إسرائيل في تدمير الدول العربية باستخدام الحمير؛ فعن أي عرب ما زلنا نتحدث، قديمًا كان العرب يطمحون لتحرير فلسطين، واليوم «خير أمة» تفتش عن أمسِها وتبحث عن اسمها لتُحرّر نفسها، وربّما بإعانة من فلسطين.

ربيعنا العربي المتربع على عرش الساحة السياسة بملامح يوم القيامة امتلأت طياته بتلك الاحتجاجات الكبيرة على الرؤساء فَعَزَلَهُم، وعلى الخونة فنفاهم، وعلى الشعوب فأخضعهم وكسر صوتهم؛ بل وقدّم فرصًا للمشبوهين لكي يترأسوا أقدارنا ويديروها بما يخدم مصالحهم. في هذا الوقت بالذات الذي ينتفض فيه العالم، والذي تُقَسَّم فيه الساحة الجغرا-سياسية على أساس المصالح والرؤى التوافقية، يجتمع بعض الرؤساء العرب والمسلمين مع ممثلي ترامب ويتحدثون عن العلاقات التجارية،  والتجارب الباليستية الإيرانية، وعن كيفية حماية سوريا من السوريين ذاتهم، وعن كل الأمور التي تخدم الثالوث، وتحطم ما تبقى من الطفيليات.

في قلب هذا الرّحى بعض من الملابسات، فكل ما يحصل هو في ذاته مدعاة للخوف والانتفاض بدل التأمل بعيون جامدة تخشى النظر للحقيقة كي لا تُصدم بها.

ولسائل أن يسأل، الوضع الحالي شبه معمم على أغلب البلدان العربية، وجّلها تنتهج ذات السياسة، «سياسة الصمت» فهل تأصل الرّضوخ فينا أم بات مأمننا الأخير والأوحد؟

ردود فعلنا لا تليق باِسمنا وتاريخنا، انشغالانا بتمجيد تاريخنا الزائف، عدم وعينا بما يصيبنا في الحقيقة، وجهلنا بواقع كوننا على بعد بعض السنين ونندثر، والأهم تضخم الأنا الذي بتنا نعيش في وهمه ونستلذه، أمسى بمثابة الكذبة التي صدقناها وتعايشنا معها؛ بل وهيّأنا لها الأرضية المناسبة لتمتد فينا وفي ثقافتنا وطبيعتنا، فصِرنا سجناء أنفسنا دون أن ندري.

كلّ العالم معني بما يحصل، وكل العالم يتحرّك و«يفعل» إلّانا، أشعر أننا وسط هذا العالم كيان دون روح، وأمة دون أرض، مهجّرون ونفتعل التناسي، ننتظر الحلول ممن تسبب في دمارنا وتفرقتنا، وأولائك الذين من المفترض أن يتحرّكوا ويتكلموا باسمنا أجدهم أنظمة عمياء تغرق في سبات، أحجار مفعول بها أشنع الأفعال وما زالت ثغورها تضحك.

ونحن، الأفراد المتفرقة، نتباهى بكوننا سالمين وبعيدين كل البعد عن الخطر، نهتف أننا بخير لكننا في الحقيقة نتهاوى واحدًا تلو الآخر. وبهذا النسق لن يتغيّر شيء، وكل الظروف ستصير إلى الأسوأ إلى أن نجد أنفسنا خارج الخريطة دون عنوان. طالما العرب صامتون، أحياء في جُبَّة أموات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد