في المقال السابق ذكرنا أن الملك فيليب الثاني قام بنقل العاصمة الإسبانية إلى مدريد في عام 1561، وبعد إتمام صلح البرانس بين فرنسا وإسبانيا في عام 1659 عاد الجزء الأكبر من كتالونيا إلى سيادة إسبانيا الأم. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد سعت مدريد إلى تعميم مركزية الحكم وفرض نهجها السياسي على باقي الأقاليم التابعة لها.. ومن ثمّ فلا عجبَ أن اضمحلت اللغة الكتالونية ثم أعقب ذلك تردٍّ في النواحي الثقافية والاجتماعية التي تميز كتالونيا عن باقي إسبانيا.

لكنّ كتالونيا الحالمة ظلت ثائرة وإن لم تظهر جليّا فوهة بركانها الذي يغلي تحت الرماد.. عاد فيليب الخامس وحاصر برشلونة ثم استولى عليها في الحادي عشر من سبتمبر ( أيلول) من العام 1714، وهو اليوم الذي اتخذه الكتالان فيما بعد عيدًا قوميًا لهم ليعبّر عن صمودهم وإصرارهم على الاستقلال.

برشلونة تحرز تقدمًا

ومع بزوغ فجر الثورة الصناعية في أوروبا فى القرن الثامن عشر، أشرقت شمس التقدم على كتالونيا قبل مدريد (طبعًا لا أقصد أن السبب في ذلك هو وقوع كتالونيا إلى الشرق من إسبانيا).. لكن هذا ما حدث!

تسارع النمو الاقتصادي والتصنيع في كتالونيا إلى جانب تجارة الأنسجة، كما شهدت حركة عُمّالية بات للعمال على إثرها قيمة عظيمة داخل المجتمع الكتالوني تضاهي قيمة القوميين الكتالان الداعين للانفصال.

كتالونيا كانت شديدة الشبه أثناء تلك الفترة بميلانو التى سادها أيضًا تقدم صناعى كبير تفوقت من خلاله على العاصمة الإيطالية روما، إلا أن الأمر يختلف تمامًا حين الحديث عن رغبة كتالونيا فى الاستقلال؛ حيث كانت تساهم بنسبة تفوق مدريد في الاقتصاد الإسباني، في حين أن الازدهار والخدمات والمرافق لاتنتشر بكثافة إلا فى مدريد المتوجّسة خيفةً من برشلونة وباقى الأقاليم لاسيّما إقليم الباسك.

انقلاب فرانكو يطيح بكتالونيا سياسيًا ورياضيًا

في عام 1931 استطاعت كتالونيا أن تستعيد مؤسسات الحكم الذاتي داخل الإقليم.. لكنها لم تنعم بذلك طويلًا، حيث اجتاحت البلاد حربٌ أهلية شرسة فى الفترة ما بين عامي 1936 و1939 راح ضحيتها حوالى نصف المليون مواطن.

انتهت الحرب باستيلاء الجنرال العسكري فرانكو على مقاليد الحكم فى إسبانيا عام 1939، وإحكام قبضته على أنحائها، وبالطبع خضعت كتالونيا لجيش فرانكو الذي كان يدعمه وقتئذٍ كلٌّ من (هتلر) و(موسوليني) للحصول على خدماته حينما تشتعل الحرب العالمية الثانية، لكن فرانكو كان وغدًا أو إن شئت فقل «كان حكيمًا»، فقد آثر أن يكون على الحياد لا إلى دول المحور الذين ساعدوه ولا إلى الحلفاء الذين يخشي سطوتهم.

إن أول ما قام به فرانكو ليُضيق الخناق على كتالونيا كان أن حظر استخدام اللغة الكتالونية في المؤسسات العامة، وكذلك النشيد الوطني، أو رفع العلم الكتالوني.. أضف إلى ذلك حظر كل الأنشطة العامة الداعية إلى الاستقلال بما في ذلك نشر الكتب والأعمال الثقافية والفنية.

الغريب أن الأمر امتد ليشمل الرياضة أيضًا.. اغتيل (جوسيب سينول) رئيس نادى برشلونة؛ بادّعاء معارضته ودعمه للانفصال.. وأعجب من ذلك أن السلطات تدخلت في صفقة انتقال اللاعب (ألفريدو ديستيفانو) إلى برشلونة وحولت مساره إلى ريال مدريد عنوةً، ويقال إن المباراة الشهيرة التي فاز بها الريال على خصمه العنيد برشلونة بـ11 هدفًا كانت تحت تأثير التهديد للاعبي برشلونة.. يا إلهي، هذا أمر سيئ للغاية!

لا بأس بحكم ذاتي ولو كان صُوريًا

استمر الحال كذلك طوال فترة تقارب 40 عامًا إلى وفاة فرانكو عام 1975.. حيث بدأت كتالونيا تشم رائحة الحرية من بعيد.. وبدأت نسائم التغيير تهب فى كامل أرجائها.. ففي عام 1978 استعادت الحكم الذاتي للإقليم وأقرت ذلك الحكومة الإسبانية لكافة الأقاليم السبعة عشر المكونة لإسبانيا، حيث أضحى بإمكان كلّ منهم تأسيس برلمان خاص وقوة أمن خاصة مع احتفاظ الحكومة في مدريد بوحدة أراضيها.

إن كتالونيا لا زالت إلى الآن تحتفظ بتميزها داخل إسبانيا سياحيًا واقتصاديًا… إلخ، لكن الجانب المشرق الأكبر هو للفريق الرياضي الذي يتمنى الجميع أن لو تتاح لهم الفرصة للنيْل منه؛ ذلك أن لكلّ ثأرٌ قديم، فبرشلونة لم ينجُ من لدغاتها القاسية أحدٌ، هي قررت الاحتفاظ بالكرة لنفسها.

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد