في عام 2009 استطاع الشاب ذو الثمانية والثلاثين ربيعًا أن يفوز بالسداسية التاريخية كأول مدرب في التاريح يحقق ذلك الإنجاز، بالطبع نحن نتكلم عن بيب جوارديولا!

واستكمالًا لما بدأناه من حديث حول كتالونيا، نتحدث الآن عن تاريخها رياضيًّا، فكما تميزت سياسيًّا وتاريخيًّا، فإنها أيضًا قد اتخذت مكانة كبيرة لدى متابعي كرة القدم حول العالم؛ نظرًا إلى أسلوب اللعب، والنهج المختلف الذي يتبناه لاعبو برشلونة، ليس فقط أداءً وإتقانًا، وإنما مهارة ومتعة أيضًا. ولا شك أن بيب جوارديولا ممثل جيد حين الحديث عن برشلونة.

بدايات جوارديولا

جوارديولا بدأ اللعب للفريق الأول لبرشلونة في عمر العشرين، في مركز خط الوسط المدافع، تحت قيادة الهولندي «يوهان كرويف»، الذي اعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا في تنفيذ التيكي تاكا، ليصبح لاعبًا مميزًا في منتخب إسبانيا لاحقًا. بيب يعد من القلة التي استطاعت الجمع بين النجاح لاعبًا ومدربًا؛ إذ اتجه للتدريب – عقب اعتزاله- مساعدًا لمدرب فريق برشلونة(ب)، وقفز سريعًا ليحل محل فرانك ريكارد في تدريب الفريق الأول بانتهاء موسم 2007- 2008.

المفاجأة العظيمة أنه استطاع في موسمه الأول أن يحقق لقبي الدوري والكأس، وكأس السوبر الإسباني، ثم واصل زحفه الأوروبي ليفوز بدوري أبطال أوروبا والسوبر الأوروبي.
هل توقف الأمر عند ذلك؟! لا، فقد غزا العالم وحصل على كأس العالم للأندية بنهاية العام 2009. هذه هي السداسية التاريخية التي قضّت مضاجع أوروبا، وأنذرت بهيمنة برشلونة على كرة القدم.

تطور مدرسة الكرة الشاملة عبر التاريخ

جوارديولا كان مميزًا على المستوى الشخصي والفني أيضًا، حذا حذو يوهان كرويف في تطبيق التيكي تاكا، لكنه أضاف لها الكثير لتصبح بالشكل الحالي.

الفكرة بزغت عند المدرب الهولندي «رينوس ميتشلز Rinus Michels» الذي أبرز مفهوم الكرة الشاملة «Total Football» وصدّرها للعالم كأسلوب فريد في اللعب، والكرة الشاملة باختصار تعتمد على تقسيم الملعب إلى مربعات صغيرة يستطيع اللاعبون تبادل مراكزهم داخلها، بحيث يضمن ذلك الاستحواذ على الكرة أغلب الوقت، بالإضافة إلى تشكيل ضغط على المنافس وضمان التفوق العددي. أنت قد تتساءل إذا كان هذا الأسلوب يستلزم لياقة بدنية عالية ومعدلات جري أكبر داخل الملعب، وبالطبع أنت محق، لكن ما كان يميز الأمر أن الجري بالكرة وتبادلها أيسر من ركض المنافس وراءها لقطعها.

وحينما أتى تلميذ ميتشلز «كرويف» لتدريب برشلونة استطاع أن يطور نموذجه إلى «التيكي تاكا»، وهي تتضمن تمرير الكرات القصيرة السريعة بين اللاعبين الذين ينتشرون أيضًا داخل الملعب، ويحلون بعضهم محل بعض.

لكنّ الأمر اختلف حينما تولى بيب المسؤولية، جوارديولا يكره أن توصف طريقته بالتيكي تاكا المجردة؛ بمعنى أن أسلوبه لا يعتمد فقط على تمرير الكرات بدون الوصول إلى مرمى المنافس، وإنما يحبّذ ما يسمى بــ«اللعب التموضعي Positional Play»، هو ببساطة كرة شاملة تعتمد على التمريرات القصيرة لإفساح المساحات في الجانب الآخر من الملعب؛ لتسهيل اختراق دفاعات المنافس، ومن ثمّ الوصول إلى المرمي.

من هنا كان لِزامًا أن تنشأ مدرسة خاصة بكتالونيا تربي النشء على طريقة لعب برشلونة ونهجها المميز، وتجتذب أولئك الذين يتماشى فكرهم مع ذلك، إنها «لاماسيا» التي خرج منها ميسي، إنييستا، تشافي، والعديد ممن ينتظرهم مستقبل صعب لتثبيت أركان كتالونيا الرياضية.

جوارديولا المُجدّد

لم يتوقف جوارديولا عند هذا الحد؛ فهو أول من لعب بميسي مهاجمًا وهميًًّا «false 9»، وكرر «ديل بوسكي» الأمر ذاته مع منتخب إسبانيا، حينما استعان بلاعب خط الوسط «سيسك فابريجاس» مهاجمًا وهميًّا أيضًا، وقد نجح في ذلك.

لقد قرر بيب أن يسترجع الكرة من لاعبي الخصم في ست ثوانٍ فقط، وهو ما عده اللاعبون مستحيلًا، لكنه أخبرهم أنه جاء ليحقق المستحيل. هذا فيما يتعلق بأسلوب اللعب الدفاعي حينما لا يمتلك اللاعبون الكرة، أن تسترجع الكرة في المكان الذي فقدتها فيه، وفي أقل وقت ممكن. وإن كنت تبحث عن تطبيق فعلي لمقولة «خير وسيلة للدفاع هي الهجوم»، فمن الممكن أن تفهمها من خلال ما يفعله بيب. أما حينما تمتلك الكرة فأنت تحرم المنافس منها بكثرة التمريرات والاستحواذ الإيجابي بطبيعة الحال؛ حتى يتسرب إلى المنافس الإحباط واليقين بالخسارة لا محالة.

من جانب آخر استطاع بيب أن يعيد اكتشاف لاعبين في مراكز أخرى، حتى أتقنوها كما لو كانت مراكزهم الأصلية، نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، «الإسباني خافي مارتينيز لاعب البايرن في مركز قلب الدفاع، النمساوي دافيد ألابا في مركز خط الوسط، الإنجليزي رحيم ستيرلنج في مركز المهاجم الوهمي… إلخ».

الفارق بين جوارديولا وكلوب

لكن لا تحسب أن بيب بلا عيوب، أذكر أن كثيرين يدّعون أن يورجن كلوب هو بمثابة عقدة عند جوارديولا، لا يستطيع فك خيوطها. أنت بلا شك تلحظ المرونة الهائلة عند الألماني في أثناء الموسم، بل في أثناء المباراة نفسها، استطاع أن يلعب بدون كوتيتنيو وقت أن كان العمود الفقري لليفربول.
يستحوذ كلوب على الكرة حتى تظن أن الحُمر هم برشلونة وليسوا ليفربول، ثم يتراجع ويعتمد على صلاح في الهجمات المرتدة مُشكِّلًا خطورة عظيمة على الخصم.
على النقيض تجد أن مبدأ جوارديولا «الاستحواذ أو لا شيء»؛ وهو ما قد يتسبب في خسارة فادحة في مباراة واحدة، حتى تحسب أن ثغرات الدفاع مفتوحة على مصراعيها لكل من يريد التسجيل.

لماذا يكره البعض جوارديولا؟!

من خلال ما سبق، تلحظ التميز الذي يحظى به جوارديولا، وهو في الحقيقة مدعاة للإعجاب والتشجيع. مع ذلك هناك من يكرهه بشده، لا سيما مشجعو ريال مدريد؛ ربما لأنه يحرم المنافس من الكرة ويعتمد أسلوب الاستحواذ المحبط للخصوم، وربما لما مُنيَ به خصومه من هزائم بنتائج كبيرة، ربّت لديهم الرغبة في الثأر في كل محفل ينهزم به، مرددين جميعًا الجملة الشهيرة «ألف من له ثأر يا كبير!».

ولكن للإنصاف، إن كنت مشجعًا لريال مدريد – وبالمناسبة أنا واحد منهم- فلا تمنعك أنفتك من الاعتراف للرجل بالفضل العظيم في تغيير فلسفة كرة القدم حول العالم.

انتهى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات