الجزء الأول- (كتالونيا وحلم الاستقلال)

كانت ليلة باردة من ليالي أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1469، حينما وقّعت إيزابيلا مع فرناندو وثيقة زواجهما بعد تفكير عميق من كليهما في تبعات هذه الزيجة وما قد ينجم عنها من مكاسب أو خسائر، دون أن يشغل أي منهما باله بمدى رضاه أو سروره بهذا الارتباط العاطفي.

الزواج السياسي الكاثوليكي

إيزابيلا هي الوريثة الشرعية لمملكة قشتالة التى يتربع على عرشها أخوها الملك هنري الرابع الطامح إلى توسيع نطاق حكمه بالسيطرة على مزيد من أراضي إسبانيا تحت سيادة وسلطة القشتاليين، أما فرناندو الثاني فهو خليفة أبيه خوان الثاني على عرش مملكة أراجون، التي زاد صراعها مع مملكة قشتالة مؤخرًا، مخلفًا انقسامًا في أرجاء إسبانيا التي كانت غارقة إبّان ذلك في الحروب الأهلية.

إيزابيلا كانت من الحكمة بمكان لتفكر فى توحيد بلادها بضم المملكتين معًا، الأمر الذي ينجح عادة بتوثيق أواصر المودة وتوطيد العلاقات عن طريق الزواج، ومن جهة ثانية فقد كانت تسعى لفك قيد أخيها لها والتخلص من تسلّطه على حياتها والتحكم في مستقبلها؛ إذ كان يرغب في تزويجها من أحد حلفائه الأقوياء ويضمن بذلك استمرارًا أطول لحكمه داخل المملكة.

على الجانب الآخر كان فرناندو طامعًا في نيْل رضا إيزابيلا الجميلة، وسرعان ما وافق على اقتراح أبيه بالتقدم للزواج منها. كانت لدى خوان الثاني رغبةٌ قوية وأمل بعيد المدى في جمع لواءي المملكتين فوق عرش واحد يحكم إسبانيا بأسرها.

كتالونيا الحالمة

كان الخبر نذير شؤم لكتالونيا، التى لم ينجح النفوذ الإسلامي في الأندلس في بسط سيادته على أراضيها، لما كان يمهد لضمها تحت تاج إسبانيا الموحدة. وبالفعل بحلول عام 1974 توحدت مملكتا أراجون وقشتالة، وقويت شوكتهما، وازداد زحف اتحادهما نحو مزيدٍ من الأراضي الأندلسية في الجنوب، إلى أن استطاعوا القضاء على الحكم الإسلامي في الأندلس في عام 1492، ليخلوَ الجو للملكيْن الكاثوليكيين لممارسة طموحاتهما المشتركة.

إلا أنه وكعادتها لم تجر الرياح كما تشتهي السفن، فلم ينتج عن هذا الزواج التجانس الثقافي والحضاري اللازم لحفظ استقرار المملكة، حيث ظلت كتالونيا تحتفظ بلغتها الكتالانية الخاصة، وازدهر بها العلم والأدب والثقافة الكتالونية المميزة للإقليم؛ ومما زاد الطين بلّةً أن الملك فيليب الثاني قام في عام 1561، بنقل العاصمة إلى مدريد، لتتسع بذلك الفجوة بين كتالونيا وباقي إسبانيا مع إهمال شديد وتردٍّ فى الأحوال الاقتصادية داخل كتالونيا المعتدّة بنفسها الحالمة بالاستقلال.

صلح البرانس يقضي على أحلام كتالونيا مجددًا

استعر الخلاف بين فرنسا وإسبانيا بداية من عام 1635 أثناء حرب الثلاثين عامًا التي اجتاحت أوروبا في ذلك التوقيت ونشبت بينهما حروب عنيفة استعان فيها الجنود الإسبان بكتالونيا أيّما استعانة، ليس فقط لأنها حلقة الاتصال أو الانقطاع (سمّها كما تشاء) بين حدود فرنسا وحدود إسبانيا، لكن أيضًا كانت بمواردها المسخّرة للحرب وفلّاحيها الذين آووا الجنود الإسبان في مزارعهم وبيوتهم، فكانت بذلك قاعدة صلبة تركن إليها إسبانيا.. الأمر الذي لم يتحمله الكتالان؛ وكان أن تحالفوا مع فرنسا سرًا وعلنًا وثار الجميع في أنحاء كتالونيا ضد الاستغلال والظلم الذي يتعرضون له من قِبل الإسبان.

تغيرت بوصلة الجيش الإسباني قليلًا، حيث وجه مزيدًا من الجنود والعتاد للقضاء على الثورة الكتالانية المؤيّدة من الفرنسيين، ورغم تحقيق الكتالان انتصارات غير هينة وتقدمٍ ملموس نحو الجنوب، إلا أنه في النهاية استطاع الإسبان كبح جماحهم وإخماد ثورتهم إلى حد بعيد بعد توقيع الصلح الشهير صلح البرانس ـ نسبة إلى جبال البرانس ـ بين فرنسا وإسبانيا في عام 1659.

كان من نتائج الاتفاقية أن استحوذت فرنسا على جزء من شمال كتالونيا، فيما عادت هيمنة الإسبانيين على باقي كتالونيا مجددًا، في ظل خيبة أمل ويأس من الكتالان في الحصول على استقلالهم.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ 3 أسابيع
تاريخ وفلسفة
المثلجات الذهبية
اقتصاد الناس
منذ 3 أسابيع
سدنة الجماعة
شارك 79
عربي
منذ 3 أسابيع