ترعرعوا في مدارس نظام “بن علي”، ينعوا على ثقافته، تعلموا من تلفزيونه وإذاعاته، كبروا على فكرة الخوف من رأي أو كلمة أو حتى صلاة في المسجد، حملوا معهم قيم المجتمع المهترئة وما يكتب في مقررات الدراسة من إيحاءات جنسية وغير أخلاقية.

هكذا كان حال الشباب التونسي الذي يرص اليوم صفوف ” داعش”، وحسب آخر إحصائيات، فإن الجنسية التونسية هي الأكثر توافد على هذا التنظيم، بل وهي الجنسية التي تتصدر المشهد وتقود العمليات، وهو ما يجعلنا نتساءل جميعا وبشغف عن  أسباب دعشنة شباب تونس.

إن ظاهرة الإرهاب عموما أصبحت ظاهرة عالمية، ولكن أسبابها تختلف من رقعة إلى رقعة ومن مجتمع لغيره، لذلك علينا أن نفكك هذه الظاهرة في تونس بمعزل على أي دولة أخرى كي لا نسقط في التعميم.

عادةً، ما يكون الوازع الديني العقدي هو أول مراحل بناء “متطرف”، وذلك عن طريق الفهم الخطأ والتأويل المجانب للصواب، أو التعلق بمدرسة عقدية معينة، لكن في تونس هذا الوازع يعد المرحلة الأخيرة في صناعة إرهابي قابل لتفجير نفسه في أي مكان.

تعود هذه الظاهرة إلى عدة عوامل خارجة عن الفرد أو داخلية نابعة منه، أول هذه العوامل هي حالة الكبت التي يعيشها الشاب التونسي والذي ذكرنا أنه ترعرع على فكرة الخوف، فهو تربى على القمع إذا تكلم والسب والشتم من قبل “أعوان الحرس والشرطة”، ليصبح عدوا مباشرا لهذه الدولة ولنظامها، فيصير يبحث عن بديل آخر يمثله أو على الأقل يشفي غليله من دولته.

وتعتبر السجون التونسية هي مركز تكوين هؤلاء الشباب، فما يعايشونه في سراديب السجون التونسية وحده كفيل بصنع مجرم مسجل خطر في العالم، في الأصل السجون هي مكان للاعتبار والتعلم، ففي بلدان أوروبا نجد الإحاطة النفسية والعلمية والصحية بالسجين، أما في البلاد التونسية لم ينجح السجن سوى في رسكلة المجرمين بطريقة أبشع أو قتلهم داخله، ما يحدث داخل جدرانه لا يمكن أن يتصوره العقل البشري ولهذا صنفته جريدة “التايمز” في أشد السجون القمعية في العالم، وهذا ما يعكس عدد أصحاب السوابق العدلية من الشباب الذين التحقوا بداعش ويمثلون الأغلبية منهم، فكمال زروق مثلا الذي وضعوه “واليا على الرقة” بلفظهم هو صاحب سوابق عدلية وقضايا حق عام في البلاد.

كذلك الإعلام التونسي كان له دور كبير في تطور هذه الظاهرة، فالهجوم القوي الذي صدر من وسائله على مسألة الهوية والتدين، والاستهزاء بمعتقدات الناس، دعم هذه الظاهرة، فهو سعى إلى تطورها ليجعلها مادة يشتغل عليها،  حيث كانت وسائل الإعلام في تونس تستضيف هؤلاء الشباب كغنيمة لإضحاك الناس ومادة للاستهزاء والتنكيل، دون أن ننسى البرامج اليومية التي تتحدث عن غلق المساجد والجمعيات القرآنية في غياب سياسة واضحة من الدولة.

وهناك أسباب داخلية يحملها الشاب بين جنبيه، منها مسألة التهميش والخصاصة والفقر، فالناظر إلى نوعية الشباب المتواجد في سوريا والعراق سيجده أبناء المناطق الداخلية والأحياء الشعبية والتي عادة ما تكون مهمشة، فيجعل من أهلها أكثر قابلية لعداء الدولة وتبني فكرة الموت على الحياة، كذلك المسألة النفسية مهمة جدا في صناعة إرهابي، حيث تكون النفسية الهشة ذات الطابع الانهزامي والانطوائي هي النفسية الأقرب للتدعشن، فهناك من شباب من كان وراء سفرهم قصة حب فاشلة، أو وفاة أحد المقربين إليه،  فينظر إلى السفر هروبا من الواقع.

ويعتبر الجانب الديني مهما أيضا، فكما ذكرنا أن هؤلاء الشباب هم عادة أبعد ما يكون عن دائرة التدين، فيكون في حالة العصيان الكاملة مع الله من معاصٍ ومحرمات وحياة في النزوات، فينقلب ويريد التكفير عن جميع ذنوبه في لحظة واحدة ينتقل بموجبها إلى الجنة، فلا يجد أفضل من الموت في سبيل الله، في زعمه، ومع دراسة بعض النصوص الخارجة عن معناها وسياقها،  وحفظه لسورة “التوبة” و”محمد” حيث تعتبران نشيد المجاهدين، في قولهم، يذهب الشباب إلى الموت مقبلا غير مدبر وهو يتغنى بحور العين.

هذه الأسباب تعد تلخيصا لعدة أسباب جانبية أخرى، ولكن هذه الظاهرة التي أضحت خطرا على العالم وهذا الكيان الذي يدمر في الناس على الجميع مجابهته والحد منه، فالدولة التونسية ما زالت عاجزة عن حل هذا المشكل التي تعتبر متورطة في تواجده بطريقة ما.

لذلك على رجال الدين لعب دورهم الهام في نشر قيم الإسلام الحقيقية القائمة على العدل والمساواة وفكرة الحياة، ورجال الفكر أن يفتحوا عقولهم للشباب ويستوعبوهم بعيدا عن الخطابات الدغمائية، كذلك يجب على الحكومة انتهاج سياسة إصلاح شاملة تحوّل تعاملها مع مواطنيها من درجة العبيد إلى الإنسانية،  وأخيرا على شباب تونس الواعي أن يقف لهذه الظاهرة وأن يشارك في إصلاحها،  عبر مشاركته في البناء والعملية السياسية، ووضع بصمته في الإصلاح التربوي، وبعث جمعيات ومشاريع تعتني بهذه الماهرة وتعتني بالخارجين من السجون نفسيّا واجتماعيّا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس, داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد