ما بين السادس والسابع من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) للعام الجاري، انتشر خبر «تركيا تسدد ديون الصومال لصندوق النقد الدولي» كالنار في الهشيم على مواقع الصحف العربية والأجنبية. إذ أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرارًا رئاسيًّا مفاده أن تركيا سددت ديون الصومال المتأخرة لصندوق النقد الدولي، عن طريق حقوق السحب الخاصة في حساباتها الاحتياطية، والتي تقدر قيمتها بـ2.4 مليون سهم متراكم، وذلك على حسب ما نشر في الجريدة الرسمية التركية.

إذا قلبنا صحف التاريخ، سوف نلاحظ أن العلاقة بين البلدين لا تتميز بعمق تاريخي، كما أن الاستمرارية كانت غائبة في العلاقات بين أنقرة ومقديشو إلى ما قبل مطلع العام 2011. التواصل والتفاعل بين تركيا والصومال بدأ في عام 1979، عندما افتتحت تركيا سفارة لها في العاصمة الصومالية مقديشو، واستمرت العلاقات حتى عام 1991 في تلك الفترة اندلعت الحرب الأهلية الصومالية، ومع تطور الأحداث في الصومال وحالة عدم الاستقرار والفوضى، أغلقت تركيا سفارتها، وأرسلت البعثة الدبلوماسية إلى كينيا لتشكل الأخيرة حلقة وصل بين أنقرة ومقديشو في تلك الفترة.

إلا أن الحال تبدلت وتغيرت مع مطلع العقد الماضي وتحديدًا عام 2011، عندما زار رئيس الوزراء التركي حينها، أردوغان، الصومال مصطحبًا معه عائلته وعدد كبير من المستشارين ورجال الأعمال، ومن الجدير ذكره أن الصومال في تلك الفترة كانت تمر بمواسم جفاف ومجاعة قوية سميت بـ«أزمة الجفاف»، زيارة أردوغان وتفقده للمناطق التي ضربها الجفاف، استلهمت مشاعر الصوماليين حينها، حيث كانت أول زيارة لرئيس أجنبي إلى الصومال منذ زيارة الرئيس الأمريكي بوش الأب لتفقد قواته التي كانت جزءًا من قوات إعادة الأمل.

وفي العام المذكور نفسه، أعادت تركيا فتح سفارتها في العاصمة مقديشو من جديد، وقبلها بعام وتحديدًا في شهر مايو (أيار) عمدت تركيا إلى استضافة الرئيس الصومالي الشيخ شريف الشيخ أحمد، ضمن إطار مؤتمر دولي، عقد من قبل أنقرة خصيصًا لمناقشة الشأن الصومالي تحت عنوان «إعادة الإعمار والأمن في الصومال»، كما أنه في عام 2014 أرسلت أنقرة بعثة قنصلية – قنصلية عامة – إلى منطقة أرض الصومال صاحبة الحكم الذاتي. لقد شهدت العشر سنوات الماضية علاقة قوية بين تركيا والصومال، وبتنا نرى محادثات منتظمة ورفيعة المستوى، ناهيك عن تبادل الوفود ومجالات الشراكة المتعددة. وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالي: ما الحافز الذي يدفع الدولة التركية للتّوجه إلى منطقة الشرق الأفريقي وبالأخص دولة الصومال؟

ولكن قبل الإجابة عن السؤال،حريٌّ بنا إعطاء لمحة عامة عن دولة الصومال. فإذا نظرنا إلى الصومال من الداخل سوف نجد مجتمعًا مفككًا؛ إذ إن المجتمع الصومالي مقسم إلى دولة الصومال، وأرض الصومال صاحبة الحكم الذاتي، أيضًا هذا المجتمع ضربه الجفاف والمجاعة في أكثر من مرة، وتنشط داخله حركة الشباب الصومالية، التي تتبنى الفكر الإسلامي الأصولي، وتقوم بالعديد من العمليات الإرهابية داخل الدولة، وفي بعض الدول المجاورة أدت إلى إدخال الصومال في نزاعات مع تلك الدول.

ولكن إذا نظرنا إلى الصومال من الأعلى بوصفها بقعة جغرافية واحدة، سيختلف الوضع تمامًا. فالصومال تمتلك موقعًا جغرافيًّا مميزًا؛ إذ تطل سواحلها على المحيط الهادئ من جهة، و على البحر الأحمر من جهة أخرى، كما أن الصومال تشرف على مضيق باب المندب، وأيضًا على خليج عدن، وسواحلها الجنوبية تمتاز بامتداد طولي يوفر لها العديد من الموانئ، كما ويمنحها مساحة كبيرة من المياه الإقليمية تحت سيادتها.

بالعودة إلى السؤال وعلاقة تركيا مع الصومال، نجد أن تركيا لا تمتلك حافزًا واحدًا للتوجه إلى الصومال، بل لديها رزمة من الحوافز التي تدفعها نحو الدولة الأهم في منطقة القرن الأفريقي إذا جاز القول.

فتركيا بحكم أنها دولة تحاول تعريف وفرض نفسها في النظام الدولي على أنها قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الضروري أن يكون لديها نفوذ ووجود في المناطق الاستراتيجية والمهمة مثل القرن الأفريقي وحوض البحر المتوسط، فالوجود التركي في الصومال يجعل تركيا تشرف على أهم الممرات المائية وحركة التجارة البحرية في مضيق باب المندب والبحر المتوسط؛ وبالتالي تستطيع حماية سفنها وتأمين خطوط تجارتها في منطقة القرن.

إضافة إلى ذلك، استطاعت تركيا الحصول على أسواق خارجية جديدة لتصدير السلع والمنتجات التركية إليها، وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في التبادل التجاري بين أنقرة ومقديشو؛ إذ بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين عام 2017 حوالي 144 مليون دولار، وزاد حجم التجارة في عام 2019 ليصل إلى 206 مليون دولار. أي إن نسبة النمو في التبادل التجاري مع تركيا وصلت إلى 37% في تلك الأعوام. وتحت شعار «إعادة إعمار الصومال» بلغت الاستثمارات والمشروعات التركية في الصومال نحو 100 مليون دولار في عام 2015 والتي تركزت في مجال التجارة والاقتصاد.

وعلى غرار ليبيا، تسعى تركيا جاهدةً للحصول على امتياز التنقيب عن النفط في المياه الصومالية؛ إذ أقرت الحكومة الصومالية مؤخرًا قانونًا نفطيًّا جديدًا يفتح 15 حقلًا لشركات النفط الأجنبية، على مساحة إجمالية تبلغ حوالي 7500 ميل مربع، وهناك خبراء يعتقدون أن الصومال يمكن أن تحتوي على 2.7 مليار برميل من النفط في مياهها، كما ويوجد حقول بحرية أخرى على الحدود مع كينيا، يمكن أن تخلق فتيلًا من النزاع بين البلدين.

إجمالًا، من الواضح أن القارة الأفريقية هي حبة الكرز التي تحتاجها أي دولة لتزين كعكتها، تلك الكعكة التي تقدمها الدولة للمجتمع الدولي، لتثبِّت نفسها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، فمن يمتلك أفريقيا أو المناطق الاستراتيجية الموجودة فيها مثل الشمال الأفريقي، ومنطقة القرن، فهو يمتلك الشيء الكثير. لذلك نجد الدولتين الأبرز في المنطقة (تركيا وإسرائيل) واللتين يتنافسان على زعامتها، يلقون بكل ثقلهم لكسب الدول الأفريقية لصالحهم، وجعلهم كواكب تدور في فلكهم، وإذا كانت تركيا في الصومال، فهنالك إسرائيل في كينيا، والتنافس مستمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد