عنوان المقال يتعلق بحديث موضوع كاذب رأيته يتردد على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ليس الوحيد بالطبع، فما أكثر الأحاديث المكذوبة التي يتم تداولها، ونسبتها زورًا وبهتانًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، في ظاهرة تعبر عن تفشي الجهل الشديد لدى الكثير من أبناء المسلمين بدينهم، وذلك على افتراض أن من ينشرون تلك الأحاديث المخترعة يقومون بذلك ببراءة، ودون مقاصد خبيثة غايتها تشويه الإسلام.

ورَد عن النبي – عليه الصلاة والسلام – في حديث صحيح قوله: «من تعمّد عليّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار»، ومع أن الكثيرين ممن يعيدون نشر الأحاديث المكذوبة يفعلون ذلك عن جهل، وعن حسن نية، إلا أن ذلك لا يعفيهم من المسئولية؛ فهم يسهمون في كل الأحوال في إشاعة أكاذيب تزيّف الإسلام وتحرّفه، وتقحم عليه من المزاعم ما ليس فيه، وقد جاء في الحديث الشريف أن العبد ليتكلم بالكلمة، من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم، أي أن كلمة يقولها المرء، عن غفلة أو عن جهل أو عن مزاح، قد تودي به إلى الجحيم إذا ما أغضبت الله، وفكروا فيما إذا كان تزييف أقوال النبي الكريم يغضب الله أم لا!

الحل لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة المشينة بسيط جدًا وسهل، فعلى من يريد نشر حديث يعجبه يخاله قد قيل على لسان النبي – عليه الصلاة والسلام – أن يقوم بالتحقق حول صحة ذلك الحديث، وذلك بوضع السؤال التالي في خانة البحث في موقع الجوجول: «ما صحة الحديث القائل (موردًا الكلمات الأولى من الحديث موضع الاهتمام)؟»، وسيجد غالبًا الإجابة مبذولة في مواقع متخصصة بالحديث الشريف. لا تتطلب عملية التحقق تلك أكثر من دقائق قليلة معدودات، لكنها تكفي لحماية المرء من أن يرتكب تلك الجريمة النكراء، ويكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. أما إن لم يجد الإجابة، فليتجنب إعادة نشر ذلك الحديث، ما لم يكن متيقنًا من صحته، وهذا أضعف الإيمان، فمن واجب المسلم أن يتقي الشبهات، وأن يبتعد عنها قدر المستطاع.

من الظواهر الأخرى المنحرفة الوثيقة الصلة بتلك الظاهرة، ظاهرة نشر القصص المفبركة المتعلقة بمزاعم عن إسلام بعض العلماء حول العالم لاكتشافهم معجزات علمية في القرآن والسنة، دون وجود أدلة قوية يمكن التثبت منها لدعم تلك المزاعم. فما لم يذكر ذلك القصص الأسماء وأماكن العمل لأولئك العلماء المزعومين، بالإضافة إلى مواقع أو صحف عالمية محترمة يصرحون من خلالها بصورة لا لبس فيها بإسلامهم وبأسباب ذلك، فإن من الحماقة إعادة نشر تلك القصص، إلا إذا أردنا المغامرة بإشاعة أخبار قد يظهر كذبها لاحقًا، وهو ما يشكل طعنًا في الإسلام وتشكيكًا فيه، ما دام أهله يروجون قصصًا خرافيا كاذبا لدعم دينهم! وقد تمت معالجة هذه الظاهرة في مقالة سابقة للكاتب تحت عنوان: «لماذا أسلم رائد الفضاء غاغارين عندما صعد إلى السماء».

وتلك الظاهرة تنسحب على الزعم بإسلام بعض المشاهير، كما حدث مثلًا بالنسبة للممثل الهوليودي المعروف وليام نيسون، الذي كان قد صرّح بأنه تأثر بسماع صوت الآذان في تركيا، وأنه ربما يأخذ فكرة التحول إلى الإسلام بعين الاعتبار. الغريب والمغيظ أن الكثير من المواقع العربية والإسلامية قد تدافعت لتأكيد إسلام الرجل، فأحد المواقع مثلًا نشر الخبر التالي، محرفًا تمامًا كلام الرجل: «وقال نيسون: قررت اعتناق الإسلام رغم تجاوزي سن الـ 59 عامًا، وذلك بعد رحلة عمل بتركيا وتأثري بصوت الآذان، مؤكدًا أنه كان يواجه صعوبة في بداية الأمر دفعته إلى الجنون، بالأخص في أداء الـ5 صلوات، ولكنه بعد ذلك وجدها متعة روحية جميلة تقربه من اعتناق الإسلام»! والزعم ذاته كان قد نسب افتراءًا إلى مشاهير آخرين، مثل مستر بين، وبريتني سبيرز، وباريس هيلتون، وملكة بريطانيا، والأميرة ديانا، والأمير تشارلز، بل إن بعض المحلقين في الأوهام قد ادعوا بأن بابا الفاتيكان السابق كان قد اعتنق الإسلام، ووضعوا صورة له، وهو يقبّل القرآن الكريم خلال زيارة له لأحد المساجد في تركيا؛ كدليل على إسلامه!

وهناك ظاهرة أخرى تدور في نفس الفلك، وهي عرض مواد تتشابه في مضمونها مع المادة التي تتساءل مثلا: لماذا أمر النبي – عليه الصلاة والسلام – المسلم بالشرب وهو جالس؟ مع الزعم بأن العلماء قد اكتشفوا لذلك فوائد عديدة يتم إيرادها. المشكلة في مثل تلك المواد أنها لا يندر أن تقدم معلومات مغلوطة متعارضة مع العلم، كما أنها لا تقول لنا غالبا من هم العلماء الذين اكتشفوا تلك الفوائد، وأين يعملون. ما يدفع المرء إلى الشك بأن المصدر الأساسي لإنشاء تلك المواد المضللة هو أصابع شريرة خبيثة لا تريد الخير للإسلام. ومع أنه قد صح عن النبي – عليه الصلاة والسلام – الأمر بشرب الماء جلوسا، ومن المؤكد أن لذلك فوائد جمة ولا شك، لأنه – عليه الصلاة والسلام – لم يكن ينطق عن الهوى، إلا أن هناك فرقا شاسعا بين القول بوجود تلك الفوائد من باب الإيمان بالنبي وبكلامه، وبين الادعاء غير المدعوم بالتوثيق وبالمصادر القابلة للتتبع بأن العلماء في الغرب قد أجروا تجارب علمية وأكدوا تحقق تلك الفوائد!

وغير بعيد عن ذلك، ظاهرة أخرى تثير الأعصاب وتبرز مدى السطحية التي بات يعاني منها الكثير من المسلمين. وهي ظاهرة نشر صور لمواقف أو كلمات أو رموز دينية بوصفها تشتمل على شيء من الإعجاز، كوجود ما يشبه لفظ الجلالة أو اسم النبي – عليه الصلاة والسلام – على سحابة أو على جلد طفل أو على ظهر ماعز أو على جذع شجرة أو على حبة بطاطا أو على بيضة، علمًا بأن من شبه المستحيل التحقق من صحة وأصالة تلك الصور في كثير من الحالات في ظل انتشار برامج الفوتوشوب.

وحتى وإن صحت مثل تلك الصور فإنه لا ينبغي إشغال الناس بها؛ فكل خلق الله معجز ومثير للتأمل وباعث على تمجيد الخالق سبحانه، ولسنا بحاجة لإثبات عظمة الله وصحة دينه بالجري خلف صور قد لا تخلو في أحيان كثيرة من التلفيق والخداع. ومن ينتظر مشاهدة مثل تلك «المعجزات» لكي يتيقن من صحة دينه فمن الأفضل له البحث عن دين آخر يقوم على الخرافات والشعوذات. فالإسلام دين العقل والتفكير، وكل مظاهر الدروشة والكرامات واللهاث خلف الخوارق والمعجزات هي مظاهر ساذجة مبتدعة دخيلة علي الإسلام.

ومن المفيد التذكير هنا بأن أتباع ديانات أخرى، بعضها وثني، قد يعرضون موادا «إعجازية» مشابهة تبرز أسماء وكرامات آلهتهم وقديسيهم. فهل يعني ذلك أن تلك الديانات صحيحة! وهل يعني ذلك الدخول معهم في سباق محموم حول من ينشر مواد إعجازية أكثر!

ومن الجوانب السلبية لتلك الظاهرةالابتزاز العاطفي للمتابع للمادة، وذلك بدرجات متباينة: إذ لا يندر أن تكون المادة مذيلة بطلب من منشئها يهدف إلى إجبار القارئ على التعليق عليها أو إعادة نشرها، من قبيل القول: إذا لم تكتب الله أكبر فاعلم أن الشيطان أو أبو رجل مسلوخة قد منعك! أو إذا كنت تملك الشجاعة الكافية فعلق! أو أمانة في رقبتك ليوم الدين عمم هذه المادة أو عقب عليها! جميل ومفيد وضروري أن يقوم المرء بتذكير الآخرين بذكر الله وتشجيعهم على تذكير غيرهم كذلك، ولن يخسر الواحد شيئا إذا ما قام بإعادة نشر آية كريمة أو حديث شريف أو دعاء لطيف أو حكمة مؤثرة، بل إن في ذلك فوائد دنيوية وأخروية كثيرة. ويكفي بذلك فائدة أن يجد المرء أمام عينيه فجأة، وهو منهمك ومنشغل في متابعة ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من أفكار وأخبار صراعية أو منحرفة او كاذبة أو مستفزة تعكر الدم، ما ينتشله ولو لبرهة بعيدا عن مدار تلك المواد المزعجة، ويذكّره بربه وبدينه، فيسبح الله أو يستغفره أو يدعوه. غير أن التذكير بذلك والحث عليه ينبغي أن يكون بالحسنى وباللطف وبالكياسة؛ انطلاقا من أن من واجب المسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يجدر بحال من الأحوال أن يكون ذلك بالجبر والضغط والابتزاز والتحدي والغصب والاقتدار، وإلا نفر الناس وانقلب الأمر إلى ضد ما هو مرجو منه! وليت الأمر يقف عند ذلك الحد، بل نجد أن السفه قد بلغ ببعض صانعي تلك المواد حدود التهديد والوعيد، فنراهم يصيغون عبارات خرقاء تقول مثلا: شلّ الله يد أو أعمى عيون أو حرم من السعادة من لم يكتب سبحان الله أو من لم ينشر هذه المادة!

كثير ممن يفعلون ذلك، مع استثناء بعض المتحمسين الطيبين من متواضعي العلم، يعانون من أمراض نفسية على الأرجح، فهم يريدون استقطاب أكبر عدد ممكن من «اللايكات» بأي ثمن. وأغلبهم، إذا كانوا من المسلمين حقا، لا يعرفون على الأرجح ما هو الإسلام ويتبنون صورة ساذجة سطحية عنه. وقد يقدم البعض على فعل ذلك لأسباب مادية رخيصة فيما أخشى، فبعض مواقع التواصل الاجتماعي تقوم على ما يبدو بالإعلان المدفوع الأجر على صفحات من يملكون أعدادًا كبيرة من الأصدقاء والمتابعين والمعجبين بالمواد التي يقومون بنشرها، ولهذا يتكالب البعض على استدراج أكبر عدد ممكن من المعلقين على صفحاتهم وما ينشرونه فيها، حتى وإن كان ذلك عن طريق البلطجة والإسفاف!

«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» كما جاء في الحديث النبوي الشريف. فما أفظع وأوخم عاقبة أن يُكتب أحدنا مع من تسببوا بعودته غريبا، بجهلنا واستخفافنا به والزهد في تعلم صحيحه واستسهال نشر ما من شأنه تشويهه وتحريفه وتحويله إلى دين للخرافات والأكاذيب! على من يفعلون ذلك أن يدركوا أن اعتناق فلان أو علان للإسلام لن يقدم أو يؤخر كثيرًا؛ لأن أمتنا الإسلامية قد غدت مثل غثاء السيل، بلا قيمة ولا دور ولا وزن ولا أثر، ولن ينتشلها من واقع بؤسها وتخلفها وتبعيتها، حتى إسلام أوباما نفسه، فما أبأس أن نكون مثل القرعاء التي تتباهى بشعر ابنة أختها كما يقول المثل! وعليهم كذلك أن يعوا بأن الطريقة الوحيدة لاستعادة مجد الإسلام وأهله هي الالتزام الجدي النقي بتعاليم الإسلام، وليس الغرق في ارتكاب المعاصي واقتراف الحماقات والركض خلف الخرافات والترهات، ثم التهليل فرحًا باعتناق هذا أو ذاك للإسلام، بل واختلاق أو ترويج القصص السخيفة العارية عن الصحة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد