ليلة محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا كنت أقدم التغطية في قناة سبيدة الكردية في كردستان العراق، كانت الأنظار كلها متجهة نحو أنقرة بالذات وما يجري هناك كونها المسرح الرئيسي للأحداث، هل نجح الانقلابيون؟ هل قبضوا على أردوغان؟ هل وهل.. لكن في نفس الوقت كنت أنظر من طرفة عين للمناطق الكردية في تركيا، وأسأل المراسلين والضيوف، وأتساءل هل سيستغل الأكراد في تركيا الفرصة ويقومون بالعمليات العسكرية ضد الحكومة؟ كنت شبه متيقن أن حزب العمال الكردستاني (pkk) سيكثف من عملياته وينتهز الفرصة ليكسب بعض المكاسب العسكرية ويمكن أن يسيطر على بعض المناطق، ولكن على عكس المتوقع كانت كل الأخبار الواردة من المناطق الكردية في تركيا على هدوء تلك المناطق! بل في كبرى المدن الكردية مثل دياربكر خرج المواطنون رفضا للانقلاب! كان هذا الهدوء محيرا ومربكا ومشككا في أمره، أليس (pkk) في حرب مع القوات التركية؟ أليس من البديهي أن يدخلوا من الثغرات التي أحدثها الانقلاب في الجبهات وصفوف الجيش وإرباك العسكر؟ لم أكن وحدي المتسائل حول هذا، بل ذهب بعض كتاب الكرد الموالين بشدة لـ pkk إلى نقدها بتغريدات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي وحثها بأن يسيطروا على المناطق الكردية في تركيا، لكن هذا لم يحدث، وظل هذا الموضوع محل نقاش وتباحث في القنوات والصحف الكردية في كردستان العراق لأيام، فماذا جرى يا ترى؟

انقلاب مجهول الهوية

كما كان الحال في تركيا بأسرها بل في كل الدول، كان الانقلاب مفاجئًا ولم يتحضر له أحد بل لم يكن في الحسبان، وكان الكل في هول الصدمة الأولى، اختلطت الأوراق في تركيا فلم يكن أحد يعرف صديقه من عدوه، وهذا كان حال الكرد، أو بالأحرى الـ pkk، ففي بدايات محاولة الانقلاب أصدر (كجك) وهو الذراع المسلح لـ(pkk) بيانا مفاده أنهم لا يعرفون من هم الذين يقومون بمحاولة الانقلاب، وأنهم لن يبدوا رأيهم فيه حتى ينقشع الضباب ليتبينوا الأبيض من الأسود، هذا يظهر بأن الانقلابيين لم ينسقوا مع الجانب الكردي أو مع pkk، أما داخل تركيا فكان أيضا التريث قبل إبداء الرأي أو اتخاذ الموقف من قبل حزب الشعوب الديمقراطية (أكبر حزب كردي في تركيا وصاحب 59 مقعدا في برلمان تركيا) سيد الموقف، لكن سرعان ما تدارك حزب الشعوب الموقف وأدان الانقلاب واصطف مع الحكومة الشرعية بالرغم من الخلافات العميقة مع الحكومة ومع أردوغان بالأخص، وأصدرت الأحزاب السياسية في برلمان تركيا من ضمنها حزب الشعوب بيانا مشتركا يدينون فيه الانقلاب، ويمكن أن يكون هذا أول بيان يشارك حزب كردي مع حزب قومي كحزب القومية (MHP).

«اللي يجرب المجرب يكون عقله مخرب»

معنى هذه المقولة السورية كان السبب الرئيسي وراء رفض الكرد في تركيا لمحاولة الانقلاب، لأن الكرد في تركيا جربوا الأمرّين في ظل الانقلابات، ففي كل انقلاب حصل في تركيا كان للكرد نصيب كبير من القمع والقتل والتنكيل والتهميش، كما كان الحال في انقلاب 1981 بقيادة كنعان إيفرين، بعد ذلك الانقلاب قتلوا وسجنوا مئات من الكرد وتم حظر اللغة الكردية في تركيا تماما وكتب دستورا جديدا لتركيا من قبل الحكام العسكريين وقد جرى فيه تهميش الكرد فنص على أن في تركيا قوم واحد وهو القوم أو القومية (التركية) متجاهلا كل القوميات الأخرى من كردي وعربي وشركسي في تركيا، ومن هنا بدأ التحرك المسلح للكرد في تركيا كرد فعل على انقلاب 1981، ففي عام 1984 أعلن عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني (pkk) عن العمل المسلح ضد الجيش التركي، ولم يقف هذا الحراك إلا بمجيء حزب العدالة والتنمية، لذلك، كيف لحزب أو طرف أو قومية جرب الويلات على يد الانقلابيين أن يساندهم أو يدعمهم أو حتى لا يعاديهم، ومن أجل هذا رفع الكرد وأحزابهم صوتهم ضد الانقلاب، إذ كانوا متيقنين أن الآتي أسود لهم، وسيبدأ فصل من القمع على أساس الانتماء السياسية والهوية القومية كما جرى من قبل، والتسريبات التي خرجت لاحقا حول خطط الانقلابيين أظهرت صحة هذه المخاوف جليا، فكان التخطيط أن يعتقلوا 40 ألف شخصا وأن يتم اغتيال شخصيات مهمة، من بينهم عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في سجنه في جزيرة مرمرة،  فبادر حزب الشعوب بتنظيم المظاهرات والتجمعات الرافضة للانقلاب في كل المدن الكردية، ولم يبادر حزب العمال الكردستاني بأي هجمات على الجيش التركي أو المناطق الكردية منتهزا الفرصة خلافا لكل التوقعات، دافعا بذلك الخطر القاتم القادم.

العودة إلى مربع الصفر

بعد صراع طويل ودموي بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي، دام أكثر من 20 سنة، إذ بدأ الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني سنة 1984 بعد انقلاب 1981 في تركيا  كرد فعل على الإجراءات التعسفية ضد الكرد،  فقتل أكثر من 45 ألف من الطرفين في هذا الصراع، ولم يستطيع أحد إزالة الآخر، إلى أن استلم حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا ليبدأ فصلا جديدًا من العلاقات بين مكونات الشعب ومنها الكرد برؤية جديدة تبنتها حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان، ليطلق (أردوغان) مشروع المصالحة باسم (مشروع السلم) في سنة 2005، وقد أثمر هذا المشروع عن خطوات جادة في اتجاه تحقيق العدالة والتساوي بين مكونات المجتمع التركي، ومحاولة إطفاء شرارة الحرب التي ظلت مشتعلا طيلة 20 سنة وأزهقت أرواحا وأدمعت عيون أمهات الطرفين، فبعد هذا المشروع وبهذه الرؤية الجديدة تم طي صفحة الماضي أو على الأقل محاولة فعل هذا، فبدأ باعتراف القومية الكردية كأحد المكونات الأساسية للمجتمع التركي من قبل الحكومة وتخفيف لغة الإعلام  التركي تجاه الكرد من نقطة العدو اللدود إلى الشريك في الدولة، وتم إطلاق مؤسسات إعلامية باللغة الكردية ومنها TRT KURD الحكومية في 2009 وفتح المجال أمام العمل السياسي للأحزاب الكردية ومشاركتهم في الانتخابات البرلمانية بل حتى الرئاسية، والمسامحة لاستخدام اللغة الكردية في المحاكم ومرافق الدولة، كخلاصة عمل حزب العدالة والتنمية على حل القضية الكردية في تركيا لتحل العقبة الرئيسية في تركيا وبحلها تحل مشكلة عويصة ظلت في تركيا محل انشغال الحكومات وتسببت في إراقة الدماء، لذلك ليلة محاولة الانقلاب في تركيا، الكرد وأحزابهم وسياسييهم أدركوا أنه إن وقع الانقلاب ونجح في السيطرة على البلاد فسترجع البلاد وسياستها إلى نقطة الصفر أو على الأقل في القضية الكردية، لذلك وإن كان لحزب الشعوب الديمقراطية نقاط خلاف مع رجب طيب أردوغان وإن كان لديها ملاحظات حول طبيعة النظام السياسي القائم في تركيا، إلا أنه في النهاية تظل هذه الخلافات قائمة في إطار نظام سياسي وقانوني، ولكن إن نجح أي انقلاب عسكري فسيضرب القوانين والحسابات السياسية ضرب الحائط، وستتم الاعتقالات والاغتيالات على أساس الانتماءات السياسية أو الهوية القومية، لذلك حتى إن كانت pkk في حرب مع الجيش التركي وإن كان حزب الشعوب ضد العدالة والتنمية وطريقة إدارتها للبلد، فهم على إدراك أن حكم العسكر أسوأ، فبراغماتيكيا وإن لم يكن مبدئيا حتى سيختار أخف الضررين.

بداية جديدة

بعد محاولة الانقلاب في تركيا لوحظ تقارب بين الأحزاب المعارضة من جهة والحكومة والعدالة والتنمية من جهة أخرى، ومن تلك الأحزاب (الشعوب الديمقراطية) أكبر حزب كردي، وقد ساعد هذا التقارب إدانة حزب الشعوب الديمقراطية للانقلاب واصطفافها مع منافستها حزب العدالة والتنمية والحكومة، وأيضا عدم انتهاز الفرصة من قبل pkk وعدم مهاجمتها لأي نقطة عسكرية أو مدينة في المناطق الكردية إبان محاولة الانقلاب وانشغال السلطات بتلك المحاولة، فمن المحتمل أن تكون هذه نقطة لبداية جديدة بين الأحزاب الكردية والحكومة التركية، وتجدد الثقة بين الطرفين بعد اهتزازها إن لم يكن معدوما من قبل بفعل كل تلك الحروب العسكرية والكلامية والقانونية بين الطرفين، وخاصة أن قبيل محاولة الانقلاب العسكرية، كانت هناك محاولات لإطفاء شرارة الحرب الدائرة بين pkk والجيش التركي التي بدأت ثانية عام 2015، منها وساطة د.علي القرداغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكما يقال رب ضارة نافعة، التقارب بينهما وحل القضية الكردية في تركيا ربما تكون من نوافع محاولة الانقلاب في تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد